القضية رقم واحد

حجم الخط
0

جلسَ رئيسُ المحكمةِ ومساعداه، آذنينَ للحضورِ في القاعةِ بالجلوس، نادى الحاجب:
القضيةُ رقم واحد.
رفعَ رئيسُ المحكمةِ نظّارتهُ بعد أنْ نظرَ إلى ملخصِ القضيةِ أمامهُ بمللٍ وهو يمطُّ شفتيهِ وقال:
السيدة شيماء عادل.
نهضتْ شابةٌ في مُقتبلِ العمرِ داخلَ قفصِ الاتهام، ترتدي بنطلوناً وقميصاً أسودين ضيِّقَين، ووشاحاً أبيضَ اللّون. نظرَ رئيسُ المحكمةِ إليها مُتعجّباً بجمالها، همسَ لمساعدهِ الذي على يمينهِ وهو يُحرّكُ حاجبيهِ صعوداً ونزولاً:
– يبدو يومنا جميلاً، ها؟!
حقيقةً، كانت الفتاةُ فعلاً جميلة، لا بلْ إنّها أجملُ من أنْ توصف، لذلك لنْ أصِفَها لكم لئلاّ يقولَ أحدٌ بأنّي أستعملُ الإثارةَ في قصّتي هذه، ها؟ كما وأنّها لم تُعْجبني، حتى إني حاولتُ حذْفَها من القصةِ لولا أهمّيتِها في الأحداث، لأنّني شككتُ بأنّها قريبةُ أحدِ المسؤولينَ الكبار!.
ابتسمَ مساعدهُ ذو الرأسِ الأصلعِ فظهرَ سنّهُ الذهبيُّ الذي أثارَ انتباهَ الحضورِ جميعاً، قالَ رئيسُ المحكمةِ وهو ينظرُ إليها من أخمصِ قدَمَيْها حتى رأسِها ماسحاً جبينهُ المتعرّقَ بمنديله:
– أنتِ مُتّهمةٌ بضربِ زوجكِ السيد عصام فارس، فما هو ردّك؟ ها؟!
ابتسمت الفتاةُ وهي توزّعُ نظراتِها على الثلاثة، أنزلَ مساعداهُ نظّارَتَيْهِما بحركةٍ واحدة، ثمَّ أخفتْ ابتسامتها وقالتْ بصوتٍ حزين:
– حضرةَ رئيسِ المحكمة، زوجي يُعاني من مرضٍ نفسي، لقد عادَ إلى البيتِ مُصاباً في رأسه، وكان مَخموراً، أتتصوّرُ حضرتكَ أنّي أستطيعُ أنْ أضرِبَ هذا الرجلَ الضخمَ وأنا كما ترى لا حولَ لي ولا قوّةَ أمامه؟
مطَّ رئيسُ المحكمةِ شَفتهُ السفلى إلى الخارج، هازّاً برأسهِ، ثم قالَ ونظرهُ على الفتاة:
– حسناً، أين محامي الدفاع؟ ها؟!
نهضَ محامي الدفاعِ مُعرّفاً عن نفسه، ثم أشارَ إلى رجلٍ ضخمِ الجثةِ وقد لُفّ رأسهُ بلفافةٍ بيضاءَ عليها بقعةُ دمٍ كبيرةٍ على جهةِ اليمين:
– حضرةَ رئيسِ المحكمةِ الموقّر، السادةُ القُضاة، ممّا لا شكَّ فيهِ أنّ موكّلي الماثلَ أمامكمَ لا يدّعي على زوجته، إنّها امرأةٌ مزاجيّةٌ بشكلٍ صرفٍ كما يتبيّنُ لكم من الأوراقِ التي أرفقتُها لحضرتكم في مَحضرِ القضيّة، فقد اشْتَرَطتْ عليهِ منذُ البدايةِ أنْ تكون العصمةُ في يَدِها، كما أنّهُ الزوجُ الثالثُ بعد طلاقِها من اثنينِ قبله…
– اعتراض.. قال محامي الدفاع
– اعتراضُكَ مقبول، أيُّها المحامي، أكملْ في صلبِ القضيةِ ولا تَخرجْ عنها.
– ولكني أُحاولُ أنْ أُبيِّنَ لكم القضيّةَ بشكلٍ واضح، فـ…
– قلنا أكملْ في صلبِ القضيّةِ إنْ كان لديكَ ما تقوله، وإلاّ فاجلس.
– حضرةَ الرئيسِ المُوقّر، بما أنّنا لا نملكُ شاهداً سوى الدمِ الذي تراهُ على رأسِ موكّلي، وبما أنَّ قضيّةً كهذهِ نادراً ما تجدُ فيها شاهدَ عيان، فإنّي أودُّ فقط أنْ أُعلِمكُم بأنّ مُوكّلي لا يَتعاطى الخَمْر، وهذا التقريرُ الطبيُّ أمامكُم من المستشفى يُؤيِّدُ قولي، وإنَّما العكسُ هو الصحيح، لأنَّ السيدةَ التي اتهَمَتْ موكّلي هي التي تَتعاطى الخَمْرَ على عكسِ ما ذك..
– اعتراض، سيادةَ القاضي هذا يدخلُ في بابِ التشهيرِ لأنّهُ لا يملكُ دليلاً على تعاطي موكّلتي للخَمْر، كما أنّني أطعنُ في التقريرِ الطبيِّ الذي أشارَ إليه.. قال محامي الدفاع
– اعتراضُك مقبول.
– سيادةَ القاضي إنّهُ لمن المهمِّ أنْ نتأكدَ من حيثُ تعاطي السيدةِ للخمرِ من عَدَمِه، فهذا الموضوعُ سيحلُّ القضيةَ وسيبيِّنُ لحضرتكم الادعاءَ الباطلَ للمتّهمة.
نظرَ رئيسُ المحكمةِ إلى مُساعديه، فقرّبا رأسَيْهِما منهُ وأعينُ الثلاثةِ لم تفارقْ الفتاة، همسَ لهم بشيءٍ، فأومئا برأسَيْهِما موافِقَيْن، فقال:
– حسناً، أين المُدّعي العام؟ ها؟!
اقتربَ الحاجبُ من رئيسِ المحكمةِ وهمسَ في أذُنُهِ شيئاً لم يَسمَعْهُ أيُّ شخصٍ في القاعة، لكن يبدو بأنّهُ كان شيئاً سَيِّئاً، لأنَّ رئيسَ المحكمةِ جرَّ شعرهُ بعصبيّةٍ واضِحة، وضعَ إصبعهُ في أنفهِ وهو يُفكِّرُ كيف يَخْرجُ بقرارٍ يُرضي أطرافَ هذه القضيّة:
– لا داعي لوجودِ المُدّعي العام اليوم، سنَنْطقُ بالحُكْمِ بعد المُداولة.
كمشَ جميعُ الحضورِ أُنوفَهُم نحوَ الأعلى، وقالَ شخصٌ جالسٌ في آخرِ القاعةِ لآخرٍ يَجلسُ بجانبه:
– مُقزّز.
تناقلوا الكلِمةَ فيما بَينَهُم حتى وصلتْ الحاجب، والذي تَحرَّكَ إلى مساعدِ رئيسِ المحكمةِ هامِساً في أُذنه:
– مُقزّز.
نقلَها بدورهِ إلى رئيسِ المحكمة:
– مُقزّز.
غضبَ رئيسُ المحكمة، أخرجَ إصبعهُ من أنفهِ مُشتّتَ الذهن، شعرَ بأنهُ سَيعْطُس، حاولَ تَجنُّبَ ذلك، وضعَ يدهُ على أنفه، لكن ما من فائِدة، فقد كانت العطسةُ قد وصَلَت:
– ها.. هتسووووووووووووو..
نظرَ إلى مُساعدِه، فرآهُ يَنظرُ إليه نظرةَ تَعجُّبٍ واشمئزاز، وهو يُشيرُ إلى أنفهِ ثمَّ إلى أنفِ رئيسِ المحكمة، شعرَ رئيسُ المحكمةِ بشيءٍ باردٍ على شارِبَيه، ثم عرفَ بأنَّها…، أخرجَ منديلهُ سريعاً ومسحَ أنفه، فالتصقَ المنديلُ بالشيءِ الموجودِ أسفلَ أنفه، حاولَ أنْ يسحبهُ بقوّة، وراحَ يَجرُّهُ بكلتا يَدَيْه، لكنه عَجِزَ عن سحبِ المنديل، بدأت القاعةُ تضجُّ بالكلامِ والضحك، قالَ رجلٌ في مقتبلِ العمرِ يَجلسُ في نهايةِ القاعةِ لعجوزٍ يَجْلسُ على يَمينه:
هلْ رأيتَ كيف بصقَ المساعدُ على رئيسِ المحكمة؟ لا بدَّ وأنهُ يُمسِكُ عليهِ دليلاً على فساده، إنهُ زمنٌ أغْبَر!
هزَّ العجوزُ رأسهُ غيرَ مُكترث، فوكزهُ شابٌ يَجلسُ على يسارهِ قائلاً:
– رئيسُ المحكمةِ يُعاني من مرضٍ خَطير، لقد قرأتُ عنهُ بالأمسِ على الشبكةِ العنكبوتية، لا أتذكّرُ اسمهُ لكنه مُعْدٍ بشكلٍ سَريع.
التفتَ كلُّ الأشخاصِ في الطابورَينِ الأخيرَينِ من القاعةِ مُرَدّدين:
– مرضٌ مُعْدٍ؟!
سَمِعَ بقيّةُ الحضورِ كلمةَ مُعْدٍ فأخذوا يَتَهافتونَ على بابِ الخروج، وركضَ الزوجُ أيْضاً والمحامونَ معه، لمْ يبقَ في القاعةِ من الحضورِ إلاّ العجوزُ الذي كان يُعاني من السلِّ، بقيَ يراقبُ من بعيدٍ غيرَ مُكتَرثٍ بالهرب. كان رئيسُ المحكمةِ ومُساعِداهُ لا زالوا يجرّونَ المِنديلَ من دونِ فائدة، وقد تدخلَ خلالَ هذا الحاجبُ يَجرُّ معهم، اقترحَ الحاجبُ إحضارَ مِقَصٍّ وقَصّ المنديلِ الذي كان طرفهُ السفليُّ مُلتصقاً بأعلى شاربِ رئيسِ المحكمة، صرخَ رئيسُ المحكمةِ مُرتَعِباً:
– إلاّ شارِباي!!
لكن الحاجبَ استغلَّ الفرصةَ وأحضرَ المِقَصَّ سَريعاً، وكأنّما كان يُخبِّئهُ في جيبه. نَجحوا بقصِّ الطرفِ العُلويِّ من شاربِ رئيسِ المحكمةِ مع الجزءِ المُلتصِقِ من المنديل، وبقيَ جزءٌ منه داخلَ أنفِ رئيسِ المحكمة، تنهّدَ المساعدانُ بعدَ أنْ حُلّت القضيّةُ تقريباً، أقصدُ القضيةَ الثانويةَ ها؟ لازلتم معي في الأحداثِ ها؟. حضرَ الخبراءُ سريعاً، والذين ربّما كانوا يَخْتَبِئونَ في مكانٍ داخلَ القاعةِ، حامِلينَ عدّتَهُم. بعد فحصِ القاعةِ بالأجهزةِ الصحيّة، أيْقنوا بأنَّ رئيسَ المحكمةِ قد تعرّضَ لأشعةٍ نوويةٍ في أنْفهِ بالضبط! نصحَ الخبراءُ بإحراقِ القاعةِ حَرْقاً تامّاً. حضرت قواتُ الطوارئ والصحافةُ بشكلٍ سريعٍ إلاّ أنَّ الأخيرينَ مُنِعوا من الدخولِ كالعادةِ عندما تكون القضيةُ خطيرةً وتمسُّ أمنَ الدولة، فتجَمّعوا عندَ بابِ المحكمةِ الخارجيِّ وقد أحاطوا بالشابَّينِ الّلذينِ حدَّثتُكُما عنْهُما قبلَ قليل، حسناً يبدو أنّهُ عَلَيَّ أنْ أُوضِحَ أكثر، أقصدُ الشابَّيْنِ الّلذينِ كانا يَجلِسانِ قُرْبَ العجوز، ها؟.
تدخّلت قواتُ الطوارئ لإبعادِ الناسِ المُتَجمْهرين، وقرّروا أخيراً إحراقَ قاعةِ المحكمةِ بعدَ جدالٍ طويل. غطّوا رئيسَ المحكمةِ بكيسِ نايلونٍ أسودٍ كبير، ولبِسَ المُجنّدونَ أقْنِعةً خَوْفاً من أنْ يكونَ الإشعاعُ مُعْدِياً، حملتهُ جماعةٌ إلى السيارةِ وجماعةٌ أُخرى راحتْ تُخْرِجُ من تبقّى في قاعةِ المحكمة، مساعدا الرئيسِ، والحاجبُ والرجلُ العجوز. أخذتْ الجماعةُ الأولى رئيسَ المحكمةِ إلى مكانٍ لا يَعْلمهُ أحد، ربّما إلى سجنٍ سرّي في الأعظمية، أو إلى أبو غريب، أو… اششش لا أستطيعُ الخوضَ أكثرْ في الموضوع، سأعودُ إلى قصّتي قبل أنْ يتّهموني بالتآمرِ على أمن الدولةِ العليا: كان المساعدان مع الحاجبِ داخلَ القاعة، يَنظرُ بعضهم إلى بعضٍ وقد تلطّختْ أيديهم ببقايا الشيءِ الذي خرجَ من أنفِ رئيسهم، قالَ المُساعدُ الثاني وهو لا يزالُ كالبقيّةِ مُندَهِشاً:
– هلاّ شرحَ لي أحدكُم ما الذي حدثَ هنا قبلَ قليل؟!
نظرَ إليهِ المساعدُ الأولُ نظرةً تدلُّ على استغبائه، وظلَّ المساعدُ الثاني يُفكِّرُ فيما إذا كان غَبياً فعلاً؟ ها؟ لأنَّ تلك النظرةَ تدلُّ على أنَّ الجميعَ فَهِموا الذي حصلَ عداهُ هو! مع أنّهُ حتى أنا لا أعرفُ ما حصلَ هناك، أُقسِمُ لكم لا أعْرِفُ شَيئاً، دَعوني وشَأني.. أتركوني أرجوكم.. أوه، أعتذرُ منكم لكنّي تذكّرتُ مَكاناً كنتُ فيهِ قبلَ سنتين، ها؟ تَعْرِفون؟!.
بعد أنْ اختفى رئيسُ المحكمةِ بمدّةٍ طويلة، نشرَ موقعٌ إلكترونيٌّ أجنبيٌّ من ضمنِ الآلافِ من الوثائقِ السريّةِ الخاصة، بأنَّ رجالَ الطوارئ أخذوهُ إلى مكانٍ سريٍّ تحتَ الأرضِ يُدعى سجن… حسناً سأحترمُ نفسي وأعودُ إلى قصّتي: بعدَ أنْ أخذوهُ إلى هناك! ها! هناك، تَعْرِفون أينَ قصدي، ظلّوا خائفينَ مع هذا من المرضِ المُقزّزِ الذي أصابه، فتبرّعوا به لإحدى دولِ العالمِ الأوّل ليدرسوا حالتهُ النادرة، ويُقالُ إلى نفسِ الدولةِ التي سرّبتْ الوثائِقَ السريّة، ها؟! أنتم تفهمونَ أينَ بالتأكيد؟.
على فكرة، لمْ أُخبرْكُمْ بما حدثَ للفتاةِ المُتّهمة، وبما أنّني كرِهْتُها، أو ربّما خِفْتُ من قريبها، ولأنّي تناسيتُ أنْ أتذكّرَها إلى الآن، فلابدَّ أنَّها ستكونُ احترقتْ داخِلَ القاعة!..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية