‘القط الذي علمني الطيران’ رواية لهاشم غرايبة: المقدمة كمفتاح للنص

حجم الخط
0

د. إبراهيم خليل* تحظى مقدمة النص، سواء أكانَ قصيدة، أم قصة قصيرة، أم رواية، بأهمية لا تحظى بها أي وحدة نصية أخرى، فقد يتغلغل تأثيرها، ويمتد، إلى أن يشمل أدق التفاصيل فيه، بما فيها تلك التي تؤثر في صيرورته، وتطوره، ونموّه. فالفصول اللاحقة لها – في أغلب الأحوال – لا تعدو أن تكون تفصيلا كميا لما ذكر فيها موجزا. فعندما نتذكر ـ على سبيل المثال لا الحصر- افتتاحية ‘اللص والكلاب ‘لعميد الرواية العربية نجيب محفوظ، نجدها تحتوي على تلخيص لوقائع الحكاية تعقبها فصول مطردة، تفصل ما ذكر مكثفًا في الافتتاحية. فسعيد مهران يخرج من السجن، فما الذي أدخله إياه؟ وكم قضى فيه من السنين؟ وكيف خرج؟ وما الذي يعتزم فعله بعد أنْ تحرر من القضبان؟ ما الهواجسُ التي تشغله إن كان ذلك على المستوى الشخصي الذاتي أو على المستوى العام الموضوعي؟ ومن هي نبوية، ومن هو عليش، ومن هو رؤوف علوان، والشيخ علي الجنيدي؟ كلّ هذه الأسئلة التي تفجرها المقدمة في وجه القارئ نعثر على إجاباتها في بقية الرواية.

ويلفت النظرَ في رواية هاشم غرايبة، ‘القط الذي علمني الطيران ‘، المقدمة المفتاحية التي استهلها بها، فقد وسمها بعنوان ‘كهف الغرباء ‘وهو تعبيرٌ أطلقه السارد على السجن الذي نقل إليه، ليتضح لنا، لاحقا، أن سبب هذه التسمية مردّه اكتشاف السارد أنّ الذين تلاقوا في هذا السجن تعارفوا، بعضهم على بعض، بعد أن كانوا غرباء، ونشأت بينهم ألفة حميمة، ولهذا نجد الافتتاحية تتضمن التفاصيل التي تشير إلى أشخاص يراهم بطلُ الرواية ( عماد الحواري) لأول مرة، ولم يكن يعرف منهم سوى قريبه عساف، الذي يكبره بعامين اثنين. وسيكون لكلّ شخص من الأشخاص الذين عرفهم دوره في الحكاية، في حين أنّ وقائع الرواية ستجري داخل هذا المكان الذي سمّاه مجازاً ‘كهف الغرباء’ على الرغم من أنهم أصبحوا أصدقاءَ، وأحبّة. يبدأ هاشم غرايبة روايته بكلمة ‘صباحا’ بعدها تنتقل بنا الكاميرا ـ إذا جاز التعيير- إلى مشهد المساجين، وهم يتجمهرون، فيما قلم السجن يقوم بتسجيله نزيلا جديدًا. ولا نعرف ما الذي يوحي للسجين، في تلك اللحظة، بأنْ يتذكر حكاية وقعت له قبل سنوات عدة، عندما ذهب هو وعساف لمشاهدة السيرك في إربد، وباع عساف الحمار الذي امتطياه من حوارة لصاحب السيرك مقابل السماح لهما بالدخول دون تذاكر. ويتذكـّر في تلك اللحظة أيضًا مشاهدتهما فيلما هنديا باسم ( سنجام) حفظا منه بعض الأغاني. تبدو هذه الحكاية الصغيرة، والتي سبقتها، كما لو أنّهما حكايتان تلقيان الضوء على علاقة الراوي ( عماد) بعساف، الذي سيظهر فجأة بين المتجمهرين من السجناء، والمحابيس، ليتوجه السارد بالضوء إلى عساف من جديد.

يروى لنا باختصار علاقة عساف المزمنة بالسجون، فهو زبون دائم. بعد ذلك يعود الراوي ليتساءل عن السبب الذي دعاه لاحتمال ثلاثة أشهر من التعذيب في الزنازين، وهذا التساؤل يشير إلى مخطط سردي سيفرض نفسه على بقية النص، وعلى تشكيلاته المحكيّة. فالسارد، الذي أسند إليه المؤلف دور البطل، أيضاً، كثيرًا ما يتوقف عن الاسترسال في رواية حدثٍ من الحوادث، ليتساءل، وهذا التساؤل يستدرج السارد به نفسه ليروي لنا سلسلة أخرى من الحوادث الصغرى، التي لا علاقة لها بالحدث الذي توقف عنده. وهكذا جاء الجواب تفصيلا لما عناهُ بعبارة ثلاثة أشهر من التعذيب. ومن خلال التفاصيل تبرزُ إشاراتٌ ثقافية، كالحديث عن ‘النمور في اليوم العاشر’ لزكريا تامر، ورواية ‘الأمير الصغير’ للكونت أنطوان دي سانت إيكزوبري وهاتان إشارتان تضافان إلى اثنتين سابقتين عن السيرك، والفيلم الهندي، لتلقيا بالضوء على شخصية السارد، فهو شخصٌ غير عادي، وسجين استثنائي، مثقف، لا يفوّت الفرص لمشاهدة السينما، أو التمثيل، وهو قارئ قصَص، فضلا عن أنه قادر على احتمال صنوف من التعذيب.

يتجاوز المؤلفُ ‘النمور في اليوم العاشر’ و ‘الأمير الصغير’ وحكاية التعذيب، لكنه يظل في دائرة الأشهر الثلاثة، ففي أثنائها انضمّ إليه نزيل جديدٌ متهم بانتمائه إلى حزب التحرير الإسلامي. وهذه الإشارة تمهّد لحكاية جديدة تلقي أضواء أخرى على السجين ( عماد) فمن خلال الحوار نكتشفُ أنّ التهمة التي سُجن بسببها هي الانتماء إلى الحزب الشيوعي، أما الشرطيّ المُناوبُ، فغير قادر على التفريق بيْن التهْمتين، فيتقرر التفريق بين النزيلين.

ومع أن الساردَ يخبرنا بإشارة سريعةٍ جدًا، لم يشأ التركيز عليها، وهي السماح لوالده بزيارته في الزنزانة، أي قبل نقله إلى سجن إربد، فقد جاء رجوعه للحديث مرة أخرى عنْ عساف، الذي استقبله بحفاوة، استطرادًا للتعريف بهذا الشاب الذي سينهض بدور خاص في حوادث الرواية، بما لديه من خبرةٍ في السجون، تتجاوز ما ذكره المؤلف من أنه يكبر عمادا بعامين. فعساف يؤدي دور الدليل الذي يُعرِّفُ النزيل الجديد بالكثير من التفاصيل: القاووش، والسجناء، وشرائح المعتقلين. واعتزازه هو بالسجن ‘السجن للرجال’ ثم يتوارى السارد ليترك لبعض الشخصيات من المحابيس أن يتحاوروا، وفي مقدمة هؤلاء، طبعًا، شاويش السجن أبو حديد، الذي يريدُ أن يعرف عن عماد كل شيء. ويتضمن الحوار إشارات بالغة الأهمية، والتأثير، في سيرورة الوقائع، لاحقاً، فعماد سياسيّ، حزبيّ، وليس متهمًا بتهمة جنائية، كالقتل، أو السرقة، مثلا. وهذا يُضْفي على النزيل الجديد اعتباراتٍ مهمّة في نظر المحابيس، مما يجعله سجينا يتمتع مستقبلا بوضع خاص.

في الحوار يستخدمُ المؤلف الدارجة، غالبًا، وهذا شيءٌ سينسحبُ على بقية الحوار في الرواية. وحين يستدعيه الحاج ( ملقي) مدير السجن، يصحبه الشاويش حيدر، وقبل أن يتواجها يخبرنا السارد أن هذا الاستدعاء أصبح معتادًا، ومنتظما، لأسبوع، ثم غدا الأمر صعبًا لا يطاق فالأسئلة التي تتكرّر هي هي، وموقف عماد في الرد عليها، والإجابة عنها هو هو ( اعترفْ. استنكر) وهو لا يعترف، ولا يستنكر. والتخيير بين الحكم بالسجن سنوات عشرًا، أو الاعتراف والاستنكار الذي لا يتجاوز سطرين من الحكي: ‘في البداية كان يقول كل جملة على حدة، وينتظر الرد. ثم صار يختصر فترات الصمت بين الجمل. وصل به المطاف إلى قولها سريعة.. متتابعة.. وكأنه يُسمّع ( محفوظة) إذًا ستواجه المحكمة. محكمة أمن الدولة. محكمة عسكريّة لا تمييز، ولا استئناف.. عشر سنوات مقابل سطرين. ‘كلمة المحكمة تذكـّرُ السارد، وعلى سبيل التداعي الحر، بزيارة أبيه له في الزنزانة قبل نقله إلى سجن إربد، وهي الزيارة الوحيدة. يومها قال له أبوه: ‘إنتَ مجنون؟ تقبل يحكموك عشر سنين بدل التوقيع على سطرين حكي’. لقد تأسّس في هذه الافتتاحية تكنيك سردي يعتمد على الزمن المتكسّر، فمما سبق يتضح لنا تزامن المقابلة بين عماد وملقي، مع تذكره زيارة والده الوحيدة، وما دار بينهما من حوار، ثم نجدُه، بعيد ذلك، يعود بنا ثانية لما كان بدأه عسّاف من تعريف بالإطار المكاني للرواية، وهو السجنُ. كأنّ السارد لا يقتنع بما ورد في السابق من وصفٍ له، فهو وصفٌ غير كاف لجعل المروي له على قناعة تامة بمعرفة عالم السجون. فالهرولة، وحيز الحائط، والنوم في المرْدوان، والكلمات التي تشيع بين المحابيس: البرش، الفورة، القاووش، المردوان، والزقرط، وغيْرها من كلمات مفتاحية ستصبح متداولة في بقية الرواية، سواءٌ في الحوار، أو في السرد، أو في الوصف: طبقات السجناء: العفش، النواطير، النزلاء، الزقرط، السفراء، التنابل، والعصافير. ولكلّ من هذه الألفاظ مدلولاتٌ، داخل السجون، خاصّة بالمحابيس، لا يعرفها، ولا يستعملها غيرهم، وإلا من كانت له خبرة كافية في السجون. إنها لغة خاصة، وتكاد تكون سرية إلا على المجرّبين، والطعام الذي يقدم في السجون، ومواعيده، وزيارات هيئة الصليب الأحمر، وما يسبقها عادة من تمويه يدل على عناية زائفة بالمعتقلين. واخيرًا، يظهر القط الذي يرد على الشاويش حيدر ردًا ساخرًا قائلا ‘حرمتنا من نزهة على شاطئ الريفيرا’. ذلك لأنَّ الشاويش المذكور كانَ قد هدَّدهم بالحرمان من الفورة. وهي السماح بخروجهم من القاووش والعنابر للساحة كي يتمشوا مهرولين تارة، وتارة متمهلين. فالقط، وهو لقب أحد السجناء، سوف يتكرَّرُ ذكره كثيرًا، وسيؤدي صاحبه منذ هذه الإشارة دورًا بارزًا في الحكاية. ولبيان دوره يسترسل السارد في الحوار الذي يلقي الضوء كاشفاً على بعض طباع هذا السجين، فهو ـ على سبيل التمثيل- سكـّيرٌ، ويأكل المخلل، ويسرق، والحكومة – كلّ الحكومة – تسهر الليالي من أجل القبض عليه، وكأنّه لا لصوصَ في البلد غير القط: ‘أول مرة يضحك فيها عماد من قلبه في هذا المكان. وهذه إشارة تفسر المودة الكبيرة التي تطبع العلاقة بين عماد والقط لاحقاً. لقد شخص القط دور بوغوص بلكنته الأرمنيّة، وكرشه العريض، ورموشه التي لا تكفّ عن الرفيف. وأدى دور الزبون الدايخ. وتقمّص عين الحكومة الساهرة. لقد أدى المشهد بحرارة’. وهذا القط السجين، الذي يبرع في أداء المشهد التمثيلي، يبرع لاحقاً في بقية الوقائع، فيحول ما يجيده تمثلا إلى وقائع، ناهضًا بدور رئيسيّ، غير ثانويّ، في الحكاية، يكاد يطغى ويتفوق على دور عماد نفسه، الذي سيكتفي – في أكثر الأحيان – بدور السارد المتحقق من صدق ما يرويه. وينبغي ألا يفوتنا الانتباه لعبارة ‘وكأنه لا لصوص في البلد غير القط ‘ففي هذه العبارة يتجلى أحد الاختيارات الأسلوبية التي تتوافر في الرواية على المستوى اللغوي، فالكاتبُ، عن طريق هذه الخيارات التي تنسب إلى التورية، يقول شيئاً، وهو يعني شيئا آخر. فمن باب الفكاهة، والسخرية، لا يقصد باللصوص – ها هنا ـ أولئك الذين يشبهون القط، وغيره، وإنما الفاسدين الذين يسرقون بالملايين. فهؤلاء لا تتعقبهم عيون الحكومة، التي تكتفي بتعقـّب القط، ونظرائه.

نستخلص مما سبق أنّ الافتتاحية، في هذه الرواية، تتضمن مفاتيح لا بد من أن يقف المروي له على دلالاتها، لكي يستمر في قراءة الرواية دون أن يحول بينه وبين التفاعل مع النصّ حائلٌ من غموض، أو لبْس، فقد عرفنا أنّ عمادًا ـ وهو الراوي – والبطل، الشخصيّة المركزيّة، في الحوادث، وأنّ عسافاً قريبه يشاركه هذا الموقع بدرجة أقل على الرغم من أن خبرته في السجون طويلة، ومتراكمة، ومستمرّة. وعرفنا الإطار الذي تقع فيه الحوادث، وهو السجن من الداخل، وعرفنا الأغراب الذين تلاقوا فيه، فأصبحوا أولياء، بعضهم صديقُ بعض. وعرفنا مَوْقع أبي حديد بينهم، وعرفنا حيدر الشاويش الحقيقيّ، ومدير السجن ( ملقي) والقط الذي يعرف بأكثر من لقب، وهو الذي يضطلع بالدور الذي يكاد يتفوق على دور عماد نفسه في الحكايةِ، وأخيرًا، فإن الافتتاحية تتضمنُ، علاوة على ذلك كله، ثبتا بالكلمات المفتاحيّة التي تتكرر في بقية الفصول، مثل: البرش، والفورة، والمردوان، وغيرها من كلمات.. يضاف إلى ما سبق أنّ هذا الاستهلال يضفي على النص سياقا ذا خصائص ثابتة يسترجعها القارئ كلما لزم الأمر؛ خصائص من حيث المكان، والزمان، والشخوص ( الذوات) والمتكلـّم – الراوي، والطرائق المتبعة في ترتيب السرد، واللعب بالزمن، والحوار، الذي لا يخلو من تنوع لغويّ، ومن فكاهةٍ، ودعاباتٍ ساخرةٍ، تسبغ على الرواية ضربًا من الألفة، وخفـّة الروح.* ناقد من الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية