القمة العربية ومبدأ ‘القصف بالدولارات’ استعدادا للحرب المتوقعة!

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم ديابالقمة العربية التي انعقدت في العاصمة القطرية – الدوحة؛ الثلاثاء الماضي (26/ 3/ 2013).. حضرها ستة عشر ملكا ورئيسا وأميرا، جاؤوا بخلافاتهم وصراعاتهم، التي توشك أن تعصف بالوجود العربي، فيبقى أثرا بعد عين. وحرصت الغالبية العظمى منهم على استنساخ النموذج الدموي في التعاطي مع الحالة السورية، وهذا منح المعارضة السورية مقعدا في القمة، وإن كنا لا نختلف مع المعارضة الوطنية في حاجة السوريين إلى التحرر من الاستبداد والفساد وسطوة الدولة البوليسية، ونحن معها لا نؤمن بأن أي حل حقيقي يأتي من الخارج. وبالنسبة لسوريا فمن الواضح أن الحل الخارجي يستهدف الوجود السوري ذاته.وسوريا تواجه ما واجهت يوغوسلافيا فيما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتفكك كتلة شرق أوروبا، فسوريا الموحدة ما زالت عقبة أمام استكمال بنيان ‘الشرق الأوسط الجديد’، ووحدة أراضيها مستهدفة في مرحلة تصفية الحساب مع إيران، وقد اصبحت المواجهة معها ضرورة للنيل من الصين، كقوة عظمى صاعدة؛ يتعجل الغرب جرها لصدام يستنزفها ويقطع عليها طريق التقدم إلى عرش القوة الأعظم عالميا، وكي لا تكون صاحبة التأثير الأكبر في صياغة معادلات القوة الجديدة في العالم. وسوريا ولبنان من أهم محطات العبور إلى إيران، وإيران بدورها محطة تسبق المواجهة مع روسيا لاختصار طريق الوصول إلى الصين.من هنا نفهم قرارات القمة العربية التي التأمت وانفضت في يوم واحد؛ واعتبارها حلقة من حلقات سلسلة صراع لعبة الأمم على أرض الشام، وأقرت حق دولها تسليح المعارضة السورية، ومنح مقعد سوريا في القمة وفي جميع المنظمات التابعة للجامعة لـ’الائتلاف الوطني السوري المعارض’ ومنحه صفة الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري، وذلك في مخالفة صريحة للبند الثامن من ميثاق الجامعة، الذي لا يجيز لدولة عضو التدخل ضد دولة أخرى فيها. وقد قدمت المساعدة للاجئين السوريين في الأردن والعراق ولبنان. وفي الوقت الذي أعطت الحق لكل دولة عربية في تسليح المعارضة السورية كان التناقض واضحا في ‘التأكيد على ‘اهمية الجهود الرامية للتوصل الى حل سياسي كأولوية للازمة السورية، والتأكيد على حق كل دولة وفق رغبتها تقديم كافة وسائل الدفاع عن النفس بما في ذلك العسكرية لدعم صمود الشعب السوري والجيش الحر'(!!).وأقرت القمة مقترحي قطر بعقد قمة مصغرة للمصالحة الفلسطينية في القاهرة، وتأسيس صندوق عربي خاص بالقدس برأسمال مليار دولار. وافتتحت قطر التغطية بربع قيمة هذا الصندوق. وراهن البيان الختامي على دور ‘المجتمع الدولي’ في إرساء السلام العادل والشامل، وفك الحصار عن غزة وفتح المعابر، ورفض الاستيطان وانتهاكات الدولة الصهيونية بحق الفلسطينيين، ودعم حق الشعب السوري في استعادة الجولان المحتل.وقد أثارت كلمة معاذ الخطيب ممثل ‘الائتلاف السوري المعارض’ قلق وفود مشاركة بسبب لغته الناقدة لممارسات الحكام العرب، واستسلمت القمة للأمر الواقع، وبذلك تمكنت الدولة المضيفة في إخراج سوريا من القمة العربية، ونالت بذلك دعما سعوديا ومصريا قويا، ومساندة تونسية وليبية، مع تحفطات جزائرية وعراقية وأردنية ولبنانية وسودانية ويمنية. ولفت د. مرسي نظر المراقبين بلغة التهديد التي يتعامل بها مع مواطني بلده، واستخدمها بحدة بدت مقصودة؛ لوح فيها بأصابعه محذرا من التدخل في شؤون مصر الداخلية، وهو في نفس الوقت من الصقور القابلة بالتدخل في سوريا، وأنذر القمة ‘على الجميع أن يعي ذلك’. وبدت تهديداته موجهة لدول بعينها متهمة بإثارة القلاقل ضده.وأقرت القمة بـ’العمل المسلح’ وعسكرة المعارضة في سوريا، أما مع الملف الفلسطيني كانت على النقيض؛ تؤكد على ‘حل سلمي’ لم يتطرق إلى تسليح المقاومة، وقصرت القمة مهمتها في دعوة لقمة مصغرة؛ تعقد في القاهرة لمصالحة حركتي فتح وحماس، والانطلاق نحو العالم لإنعاش السلام واستئناف المفاوضات(!!)، التي صارت هدفا لذاتها، ودعما لهذا ‘الحل السلمي’ خصت القمة فلسطين بمليار دولار لحساب مدينة القدس، بعيدا عن أي موقف عملي وضاغط يضمن حقوق الفلسطينيين في التحرير والعودة والتعويض والتمتع بالحقوق السياسية والوطنية والإنسانية.ويشعر المرء تجاه تلك القمة ‘وقصفها المالي’ وكأنه بمثابة ‘رسالة وفاء’ لروحي السير مارك سايكس نائب وزير الحرب البريطاني والمندوب السامي لشؤون الشرق الادنى، والمسيو جورج بيكو قنصل فرنسا السابق في بيروت ومندوبها السامي لشؤون الشرق الأدنى كذلك، فينامان في قبريهما قريري العين، فقد حققت لهما القمم العربية في العقود الأربعة الأخيرة ما لم يحلما به، وها هي تمزق أوصال أمتها، وتوفر القوة المادية والسياسية والعملياتية (اللوجستية) والإعلامية لخدمة الغزاة الجدد، وتأتي قراراتها بمثابة رخصة تعيد المتربصين والطامعين أقوى وأكثر دموية وشراسة مما كانوا عليه إبان عصر الاحتلال الأوربي المباشر.ويجهل بعض أبناء الجيل الجديد هذين الاسمين وعلاقتهما بواقع العرب المعاصر منذ بدايات القرن الماضي؛ فهما اللذان صاغا وأعلنا ووقعا ‘اتفاق سايكس – بيكو’ في 16 مايو 1916، وهو اتفاق خرج بعد محادثات سرية طويلة؛ عُرضت نتائجها على روسيا القيصرية، فباركتها ومنحتهما الموافقة مقابل الاعتراف بنصيبها في أجزاء من آسيا الصغرى بعد انتهاء الحرب العظمى الأولى. وجاء انتصار الثورة الروسية عام 1917 كاشفا لأسرار ذلك الاتفاق، ولولا ذلك لبقي طي الكتمان. وكان يتضمن تقسيم الوطن العربي؛ حيث مُنحت سواحل الشام (السورية اللبنانية) لفرنسا وأُعطيت العراق والخليج لبريطانيا، ووضعت فلسطين تحت ‘إدارة دولية’؛ كمقدمة لانتزاعها من أهلها وإقامة كيان استيطاني على أطلالها وأشلاء أبنائها.. تلاها وعد بلفور 2 نوفمبر 1917، ثم الانتداب البريطاني على فلسطين بمشروع عُرض على عصبة الأمم في 6 يوليو 1921، وصُدق عليه في 24 يوليو 1922، وبدأ تنفيذه في 29 سبتمبر من نفس العام. وما كان أحد يتصور أن تتحول القمم العربية إلى قوة ضاربة؛ تجاوزت خرائط سايكس – بيكو؛ وجعلت من دول المنطقة شراذم من جماعات وطوائف ومذاهب وقبائل متناحرة متصارعة متقاتلة. وكل ذلك مشاركة في ترسيخ المشروع الصهيوني، وبعث الروح في مشروع ‘الشرق الأوسط الجديد’.ومنذ مبادرة قمة بيروت العربية في 1982 والقمم العربية تعمل بسفور؛ منظم وممنهج على التحريض والمشاركة في ذبح ‘المارقين’ من أعضائها، إذا ما أتى الدور على أحدهم يتسابقون وكأنهم ذاهبون إلى عرس أو وليمة؛ هكذا ذُبِح العراق، وها هو الدور وقد حل بسوريا في سياق استكمال ضياع ما تبقى من فلسطين.وأريد أن أنوه إلى أنني ممن لا يعنيهم من يحكم سوريا أو يدير فلسطين أو يرأس أي بلد عربي آخر، وكل ما يعنيني تلك الجرائم المتتالية التي تقترفها ‘جامعة العرب’ باسمنا، وها هي تجهض الحلم السوري في الثورة؛ بالعسكرة والتمويل والتسليح والتعبئة لتغذية الحرب الأهلية فيها لـ’تقسيم المقسم وتفتيت المفتت’، ولا يمكن تبرئة أحد من هذه الجرائم حتى لو حمل الكعبة على رأسه. والمبدأ السليم في مرحلة يوصف فيها القابض على وطنه كالقابض على الجمر، هو الحفاظ على الأوطان والأقطار موحدة وتقوية اللُّحمة بين مواطنيها، مهما كانت خلافاتهم وتعدد وجهات نظرهم، وإلا فمعنى ذلك أننا مصابون بانفصام نفسي وأخلاقي وسياسي، ومستوى خلاف جيلي مع سياسة المملكة العربية السعودية حاد للغاية ، لكن هل يمكن لنا أن نقبل بذبحها، أو أن يحتل أحد معارضيها مقعدها في القمة أو غيرها، وإذا كان هذا لا نقبله مع المملكة فهل يُقبل على سوريا؛ أليس هذا انفصاما نفسيا وأخلاقيا وسياسيا؟! ونفس الشيء رغم الرفض الكامل من القوى الثورية والوطنية والمعارضة لحكم محمد مرسي فمن الصعب أن يقبل مواطن إزاحة ممثل مصر من مقعده في مؤتمرات القمة أو من أي منظمة من المنظمات الإقليمية أو الدولية، والسبب حاكم مستبد هنا أو مسؤول باطش هناك. ومؤتمر قمة يعقد ومهمته الوحيدة ذبح سوريا وليس للضغط على بشار الأسد لن يفلت من حساب التاريخ، وسوف تأتي لحظة تؤكد فيها سوريا العزيزة أنها أكبر من المحن وأقوى من أي حاكم، وسوف تعود قلبا نابضا للعروبة وحائط صد لأعداء الأمة كما كانت، ولسوف يتجاوز الشعب السوري العظيم محنته ويستأنف دوره، ويقيني أنه سيعود حرا أبيا، وهو نفس اليقين الذي يزيد من ثقتنا في تحرير فلسطين من النهر إلى البحر وانتهاء كابوس الاستيطان كما انتهى نظراؤه من قبل. وحين أشاهد وأقرأ وأسمع وعود الغرب الجديدة بحل وتسوية القضية الفلسطينية، في موازاة مع مخطط ذبح سوريا؛ حينها أقول علينا أن نتحسس أعناقنا، فهذا وهم سئمناه، وغطاء مكشوف لمذبحة كبرى وجريمة بشعة قادمة؛ قد تفوق في وحشيتها ودمويتها ما سبقها من مجازر ومن حملات التطهير العرقي. ستخضع سوريا خلال الأسابيع القليلة المقبلة لضغوط وبشاعات سياسية وعسكرية؛ عربية وإقليمية ودولية، خاصة وقد تم إحياء التحالف التركي- الصهيوني الأميركي؛ بملحقاته وتوابعه الإقليمية والعربية والإسلامية، وسوف يعمل أردوغان على ضم أكراد تركيا إلى حشد المواجهة مع الدولة السورية، ويبدو أن ذلك جزء من صفقة أُبرِمت مع الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، وأدت إلى إعلان وقف العمل المسلح من قبل جماعته ضد الحكومة التركية.ذبح سوريا يتوقف على نجاح ما يمكن تسميته مبدأ ‘القصف بالدولارات’، وهدفه حشد المقأتلين، وتوريد السلاح، وتمويل نشاط العلاقات العامة، وبرامج التعبئة السياسية الإعلامية، وهذا ‘القصف المالي’ مهمته إغلاق الأبواب أمام أي حل سياسي. ومن المعروف أن اجتماعات لقمة بمستوى مسؤولي الصف الأول العرب؛ مهمتها الأولى الحد من التوترات ومعالجة الاحتقانات، ولا تفعل ما فعلته قمة الدوحة، بأن زادت الأوضاع اشتعالا وتفجرا. بدون مشروعات حقيقية ومدروسة، وبغير حلول ناجعة وملائمة فمن المتوقع أن يرتد ذلك القصف إلى عكس اتجاهه؛ خاصة أننا نعيش في منطقة فلت عيارها وتحطم عقالها، وتنتشر على أرضها قواعد عسكرية، وتجوب مياهها أساطيل وبوارج وغواصات نووية مستنفرة، وتحلق في سماواتها قاذفات وحاملات صواريخ مهيأة لشن حرب على بلد عزيز بغرض محوه من على خريطة العالم، وللأسف فكل هذا يتم باسمنا زورا وبهتانا، ويتخذ من أقطارنا منصات تصويب وهجوم، وزحف نحو سوريا ولبنان وإيران. ومن المتوقع أن يكون صيف هذا العام ملتهبا يلفح المنطقة بنيرانه التي قد تأكل الجميع.’ كاتب من مصر يقيم في لندنqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية