القمة المغربية ـ الفرنسية تسفر عن ترسيخ العلاقات والاسبانية ـ الجزائرية تقود الي اخفاق غير منتظر

حجم الخط
0

مدريد تفشل في ايجاد توازن في علاقاتها مع الرباط والجزائر بسبب الصحراء

مدريد ـ “القدس العربي” من حسين مجدوبي:

شهدت الأيام الماضية تطورا غير متوازن في مسيرة العلاقات بين دول غرب البحر الأبيض المتوسط، اسبانيا وفرنسا والمغرب والجزائر من خلال قمم ثنائية تكتسب أهمية انطلاقا من نتائجها فيما يتعلق بملف الصحراء والطاقة والسعي حول امتلاك أسلحة متطورة علاوة علي محاولات ترسيخ باريس لنفوذها في المغرب العربي ومحاولات اسبانيا العثور علي موطئ قدم في هذا النسيج الاستراتيجي.

يوم الاثنين الماضي، شهدت باريس قمة فرنسية مغربية علي مستوي رئيسي حكومتي البلدين، دومنيك دو فيلبان وإدريس جطو علي التوالي، وهذه القمة قد تبدو في الظاهر عادية تجمع بين بلدين صديقين بينهما الكثير من المصالح المشتركة أكثر بكثير من المشاكل، هذه الأخيرة التي تكاد تغيب في أجندة البلدين باستثناء الهجرة السرية بين الحين والآخر وإن كانت أقل تأثيرا علي ما هو عليه في أجندة الرباط ومدريد.

وفي اليوم الموالي، الثلاثاء، شهدت العاصمة الجزائر قمة اسبانية ـ جزائرية علي مستوي رئيس الحكومة في مدريد خوسي لويس رودريغيث سبتيرو والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة. وغلب عليها الحذر وربما غياب الثقة بسبب ملف الصحراء.

التسلح.. صفقة في باريس واخري مؤجلة في الجزائرحضر موضوع شراء الأسلحة في القمة المغربية ـ الفرنسية وإن كان لم يتم الاعلان عن أي شيء بشكل رسمي بحكم أن صفقات الأسلحة عادة ما تجري في صمت مطلق للحفاظ علي السرية. لكن جميع الأخبار أكدت أن إدريس جطو عالج مع نظيره دو فيلبان اقتناء سلاح الجو المغربي 18 مقاتلــة من نوع رافال المتطورة للغايــــة والتي تعد أحسن ما أنتجته المصانع الفرنسية والأوروبية حتي الآن من مقاتلات. كان هدف المغرب هو الحصول علي الموافقة الفرنسية قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية، حيث يمكن أن يصل الحزب الاشتراكي الي الحكم ويعيد النظر في الصفقة. وكانت أسبوعية لوبوان الفرنسية سباقة الي الحديث عن هذه الصفقة مشيرة الي قيمة مالية تصل الي مليارين ونصف مليار يورو. وتأتي هذه الصفقة ردا من المغرب علي اقتناء الجزائر 65 طائرة مقاتلة روسية الصنع، 37 من نوع ميغ 29 و28 من نوع سوخوي 30 . ويسود الاعتقاد أن فرنسا صادقت علي هذه الصفقة لسببين، الأول، خلق توازن بين المغرب والجزائر، وثانيا إبقاء المغرب كحليف استراتيجي لا يدور في فلك الولايات المتحدة. وفي المقابل كان الجميع ينتظر توقيع اسبانيا صفقة بيع فرقاطات الي الجزائر، لكن هذه الصفقة لم تتم.

الصحراء.. احراج سبتيروحضر ملف الصحراء في القمتين، وبعد جميع التصريحات والمقالات التحليلية التي تلت القمة الفرنسية ـ المغربية، يمكن استنتاج ما يلي، في المقام الأول فرنسا تستمر في دعمها لموقف المغرب من نزاع الصحراء، بمعني تبني قرارات الأمم المتحدة مع التأكيد والتركيز علي الحل السياسي غير المفروض علي أي طرف. ومن خلال هذه الصيغة، فهي تلوح بإمكانية استعمال الفيتو في حالة ما إذا أراد مجلس الأمن فرض مبدأ تقرير المصير، لاسيما وأن الاجتماع المقبل لمجلس الأمن سيقترب من الحسم في الملف أو كما قال البعض بداية نهاية هذا النزاع والاقتراب من الحل المفروض.

في القمة التي جرت في الجزائر، حاول الرئيس بوتفليقة أن يلزم ضيفه خوسي لويس رودريغيث سبتيرو بتبني موقف لصالح البوليزاريو من خلال دعوته اسبانيا الي دفع الطرفين لاحترام قرارات الأمم المتحدة والتنصيص علي تقرير المصير. وقال سبتيرو وفي تصريح مقتضب خلال وجوده في الجزائر تعمقنا في بحث آليات حل المشكلة علي مبدأين أساسيين، الاتفاق بين الطرفين واحترام الشرعية الدولية. لكن بوتفليقة رد علي سبتيرو خلال مأدبة غداء لأن تصريحات الزعيم الاسباني تعني أن الجزائر تدرس حلولا أخري أو علي الأقل تقبل بالصيغة الثنائية، تقرير المصير والاتفاق بشأن الحل. وكان رد بوتفليقة قوله نتمني أن تلتزم اسبانيا بشكل حازم بحث المملكة المغربية وجبهة البوليزاريو علي قبول إجراءات تطبيق استفتاء تقرير المصير الحر والعادي الذي سيمكن من التعبير عن الإرادة السيادية لشعب الصحراء الغربية تماشيا مع الشرعية الدولية، اسبانيا لا يمكن أن تبقي نهائيا في موقف المتفرج أمام مصير الشعب الصحراوي الذين استعمرتموه أنتم ما بين 1885 و1975 . لقد حاول بوتفليقة، وفق الأعراف الدبلوماسية، إحراج ضيفه من خلال تحميل اسبانيا المسؤولية المباشرة علي مصير الشعب الصحراوي. تصريحات بوتفلقية، جعلت الصحافة الاسبانية تتحدث عن فشل القمة، ومن ضمنها افتتاحية صحيفة الباييس يوم الخميس التي وصفت تصرف بوتفليقة بأنه لا سابقة له. و الباييس جريدة مقربة من الحزب الاشتراكي الحاكم وعادة ما تعكس مباشرة مواقف وآراء حكومة سبتيرو. وعادت الصحافة الجمعة الي توجيه سؤال الي سبتيرو حول الشعور الذي خالجه وهو يستمع لانتقادات بوتفليقة، وكان رده يوم الجمعة في بروكسل علي هامش قمة قادة أوروبا ان اسبانيا لم يسبق لها أن تبنت موقف المتفرج بل تبنت موقفا متماسكا، حل مشكلة الصحراء يتطلب توافقا بين طرفين، ولم يتم الاتفاق ولهذا ليس هناك حل. والباقي يمكن اعتباره ضمن وجهات النظر التاريخية والمبادئ، ولكن إذا أردنا الحل، كما ترغب في ذلـــك اسبانيا، فيجب حصول اتفاق. واعتُبر هذا الكلام بمثابة رد مباشر علي بوتفليقة.

الهجرة.. الجزائر ليست مثل المغرب تعتبر الهجرة من الملفات البارزة في علاقات الاتحاد الأوروبي بدول المغرب العربي. وهي دائمة الحضور في القمم الأوروبية والعلاقات بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وحضرت مجددا في القمتين المذكورتين. في القمة الفرنسية ـ المغربية كان هناك نوع من التفاهم وقد عكس ذلك دو فيلبان بقوله العمل علي تطوير مقاربة مشتركة للهجرة والكفاح ضد الهجرة غير الشرعية، بما يسمح بتأمين حلول شاملة لمشاكل الهجرة. وفي المقابل، خلال القمة الجزائرية ـ الاسبانية لم يحسم الموضوع، بحكم أن مدريد لم تحصل علي تعهد واضح من الجزائر باستقبال مواطنيها الذين يحاولون الوصول بطريقة غير شرعية الي الشواطئ الاسبانية، علي عكس المغرب. مدريد ترغب في اتفاق شبيه بذلك الموقع مع الرباط، والجزائر لم تستجب لذلك بعد. نتائج الزيارتين.. نجاح وعدم نجاحلم تثر القمة الفرنسية ـ المغربية الكثير من المداد باستثناء الحديث عن صفقة الأسلحة، وهذا يعني أنها تدخل ضمن القمم التي ترسخ من متانة العلاقات الثنائية، وتؤكد أن العلاقات بين باريس والرباط مرشحة للمزيد من التفاهم. في الوقت نفسه، عملت فرنسا من خلال هذه القمة التأكيد علي استمرارها كأول شريك اقتصادي وسياسي للمغرب، فقد أعلن دومنيك دو فيلبان أن بلاده ستخصص 460 مليون يورو للمغرب كمساعدات خلال السنتين المقبلتين. وفي المقابل، أثارت القمة الجزائرية ـ الاسبانية الكثير من الجدل سار نحو الاعتقاد أنها لم تساهم في تطور العلاقات بين البلدين. وكتب المحلل السياسي لويس آيلون في جريدة آ بي سي المحافظة أن زيارة سبتيرو الي الجزائر كانت فاشلة بل ولم تسفر القمة (مع بوتفليقة) عن تحديد تاريخ لزيارة ملك اسبانيا خوان كارلوس ووزوجته الملكة صوفيا الي الجزائر، علما أن الدبلوماسية الجزائرية تنتظر هذه الزيارة منذ مدة طويلة وتعتبر أن التوازن الحقيقي في علاقات مدريد بكل من الرباط والجزائر تبدأ من خلال زيارة خوان كارلوس الي الجزائر. وكان البلدان قد أعلنا عن تاريخ لهذه الزيارة في يناير المقبل، وكان علي هذه القمة تحديد التاريخ، لكن يبدو أن التوتر سيؤجلها مجددا الي تاريخ غير مسمي. وتتخوف الشركات الاسبانية العاملة في مجال الطاقة من فشل القمة وتأخير خط أنبوب الغاز الرابط بين وهران الجزائرية وألمرية الاسبانية بحرا. وعبرت جريدة الباييس بشكل واضح عن فشل هذه الزيارة عندما كتبت في افتتاحية عددها الصادر الخميس: الاعداد لزيارة سبتيرو الي الجزائر كان سيئا (..) فبعد سبع سنوات من الانتظار كان يجب التوقيع علي اتفاقية الأمن ومكافحة الارهاب. خطوة الي الوراء مقارنة مع الاجتماعات السابقة بين سبتيرو وبوتفليقة اللذين اكتفيا بتصريحات رسمية. ان الغموض في العلاقات يولد فقط غياب الثقة.

في غضون ذلك، يبدو أن فرنسا تستمر في الحفاظ علي نفوذها في المغرب العربي بينما لم تنجح اسبانيا في خلق توازن في سياستها الخارجية تجاه الرباط ومدريد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية