تصعيد الاحتجاجات في الناصرية تزامن مع استمرار مسلسل الاغتيالات
بغداد-“القدس العربي”:عاد غليان التظاهرات والصدامات إلى مدن جنوب ووسط العراق، للمطالبة بوقف العنف والملاحقات وحملات الاستهداف المنظم لناشطي التظاهرات، بالتزامن مع الاحباط واليأس من أداء حكومة بغداد وتلاشي وعودها الإصلاحية حول معاقبة قتلة المتظاهرين وضبط السلاح المنفلت ومحاربة الفاسدين وتحسين الاوضاع الاقتصادية المتدهورة.
وفي أعقاب توقف قصير للحراك والتجمعات الاحتجاجية في المدن العراقية، تجددت التظاهرات وأعمال العنف جراء اتساع ملاحقات واغتيالات ناشطي التظاهرات، حيث شهدت ساحة الاعتصام في الناصرية مركز محافظة ذي قار جنوب العراق، وقوع صدامات عنيفة ولعدة أيام، بين المتظاهرين الساعين للعودة إلى مركز الاعتصام في ساحة الحبوبي وسط المدينة، وبين قوات مكافحة الشغب التي استخدمت مجددا القوة المفرطة لمنع عودة الاعتصام، ما أسفر عن سقوط المزيد من القتلى والجرحى.
واللافت هذه المرة في مصادمات الناصرية، إن قوة من الجيش العراقي الموجودة داخل المدينة، قد تدخلت لحماية المتظاهرين وقامت بإطلاق النار في الهواء لفض المصادمات بين المتظاهرين وقوات مكافحة الشغب (المتهمة باختراق الفصائل المسلحة لها). وقد تابع العراقيون باهتمام مقاطع فيديو تداولها ناشطون عن مصادمات الناصرية، أظهرت المتظاهرين وهم يحتمون خلف جنود الجيش العراقي، ويقومون برمي الحجارة باتجاه قوات مكافحة الشغب التي تطلق النار بكثافة، فيما أظهر فيديو آخر عناصر مكافحة الشغب وهي تفر من المنطقة أمام المتظاهرين والجيش. كما قام المتظاهرون في اليوم التالي، بقطع طريق النبي إبراهيم وسط مدينة الناصرية، مطالبين بالكشف عن مصير عناصر الجيش العراقي الذين جرى نقلهم إلى مقر قاعدة الإمام علي الجوية، بسبب وقوفهم مع المتظاهرين أثناء المصادمات مع عناصر الشرطة.
ولخطورة الأوضاع في الناصرية، فقد حذرت مفوضية حقوق الإنسان في العراق من التدهور الأمني، داعية رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي إلى التدخل والسيطرة على الملف الأمني في المدينة. وذكر بيان المفوضية، إن أحداث الناصرية تسببت “باستشهاد أحد أفراد القوات الأمنية برصاص مجهولين وإصابة 111 من المتظاهرين والقوات الأمنية، نتيجة استخدام الرصاص الحي والحجارة” محذرة “من ان استمرار الانفلات الأمني وعدم معالجة المشاكل المتفاقمة، سيؤدي بالنتيجة إلى الفوضى واستمرار سقوط الضحايا”.
الناشط المدني أحمد الوشاح، تحدث عن قمع الناشطين قائلا: “إن القوات قمعتنا وأجبرتنا على ترك ساحات الاحتجاج، وهناك نحو ألفي متظاهر وناشط غادروا محافظاتهم بسبب التهديدات، فيما تتواصل بعض الأحزاب السياسية مع ناشطين وتعرض عليهم المال والمناصب للابتعاد عن التظاهرات”.
ويأتي التصعيد الجديد متزامنا مع استمرار مسلسل الاغتيالات في المحافظة، حيث تم العثور على جثة المسعف الناشط حيدر ياسر ملقاة في النهر، وتم اغتيال نقيب محامي الناصرية علي الحمامي، على يد مجهولين، فيما أطلق مسلحون النار على المحامي حيدر جابر العبودي وسط قضاء الشطرة شمالي محافظة ذي قار واصيب بجروح خطيرة، كما فشلت محاولة لاغتيال الدكتور ستار العتابي الاستاذ في جامعة ذي قار.
التحريض ضد المتظاهرين
وازاء هذه التطورات، هدد متظاهرو ذي قار، بـ”تصعيد غير مسبوق لاحتجاجاتهم” إذا لم يتم الإفراج عن محتجين اعتُقلوا خلال الأيام الماضية. وقالوا في بيان، ان “الحكومة لم تفِ بتعهداتها الخاصة بارساء الاستقرار في الناصرية بل زادت النار حطبا فكانت ضد شعبها وعونا للفاسدين”. واشترط البيان، لوقف الاحتجاجات إطلاق السلطات سراح جميع المتظاهرين وإسقاط “التهم الكيدية” عنهم ووقف حملات ملاحقة الناشطين في الحراك الشعبي الاحتجاجي.
واضافة إلى التضامن الواسع مع متظاهري الناصرية في وسائل التواصل الاجتماعي، خرج مئات المتظاهرين في محافظات النجف وكربلاء وبابل، مطالبين بوقف أعمال العنف في مدينة الناصرية وللمطالبة بالإفراج عن الناشطين المعتقلين أو المخطوفين، مهددين بتجديد التظاهرات في مناطقهم. كما أعلن زعيم قبيلة بني مالك الشيخ ضرغام المالكي في تصريح، ان “الناصرية لا تحتاج من يحركها للمطالبة بالحقوق الشعبية” وذلك في رد على مزاعم بعض الأحزاب بوجود جهات محرضة للتظاهرات.
وفي المقابل، واصلت القوى الشيعية، توجيه الانتقادات والتحريض ضد المتظاهرين، إذ ندد رئيس التيار الصدري مقتدى الصدر في تغريدة “بالاعتداء من قبل بعض (المندسين) ضد القوات الأمنية خلال أحداث الناصرية ” فيما وصف رئيس منظمة بدر المقربة من إيران هادي العامري، التظاهرات بأنها “فتنة تشرين، وليست ثورة تشرين”. ولعل هذه المواقف المعادية للتظاهرات، وراء الأخبار عن اغتيال قياديين في سرايا السلام التابعة للتيار الصدري في ذي قار عقب التظاهرات الأخيرة، حيث يتهم الناشطون، أتباع الصدر وميليشيات أخرى باستهداف وقمع الناشطين والمتظاهرين.
وكانت منظمة “هيومان رايتس ووتش” ذكرت في تقريرها لعام 2021 “أن نظام العدالة الجنائية في العراق يعتريه استخدام كبير لانتزاع الاعترافات القسرية والتعذيب، فضلاً عن وجود أحكام تشهير وتحريض استخدمتها السلطات ضد المعارضين، بمن فيهم النشطاء والصحافيون والمتظاهرون”. كما أشار التقرير إلى “احتجاز السلطات العراقية متظاهرين بشكل تعسفي، بدون توجيه تهم إليهم”.
ويرى المراقبون أنه إذا كان السبب المباشر لعودة التظاهرات الغاضبة هي حملة الاعتقالات والملاحقات والاغتيالات للنشطاء، فالمؤكد أن أسبابا أخرى وراء تجدد غضب الشارع منها عدم تنفيذ الحكومة لمعظم تعهداتها ووعودها وفشل سياساتها وإجراءاتها الترقيعية. فقد عجزت الحكومة عن ردع قتلة المتظاهرين ومحاكمتهم، وهي تتخبط في إدارة الملف الاقتصادي عبر تخفيض سعر العملة وفرض ضرائب جديدة وما نتج عنها من تضييق مجالات معيشة المواطنين وخاصة الفقراء منهم في ظل ارتفاع أسعار السلع، مقابل تغول مافيات الفساد واستمرار سطوة السلاح المنفلت. وحتى الانتخابات المقررة في حزيران/يونيو المقبل، فالكثيرون يرون ان نتائجها ستكون نسخة مكررة لما هو سائد حاليا، نظرا لهيمنة أحزاب السلطة على مفاصل العملية الانتخابية مع قناعة بتكرار التزوير الواسع فيها وسط غياب معارضة منظمة، وغيرها من الأسباب التي شكلت إحباطا شعبيا من امكانية حصول التغيير والإصلاح المنشود، وبالتالي زادت التوقعات بتجدد التظاهرات الشعبية الغاضبة في مدن العراق.