القمّة العربية نعمة ونقمة.. سرّاء وضرّاء

حجم الخط
0

رياض الحسينيشهد العراق انعقاد القمة العربية مرتين الاولى كانت في العام 1978 والتي خرجت بأهم قرار في تاريخ القمم العربية وهو تجميد عضوية مصر على خلفية اتفاق كامب ديفيد. الثانية كانت في العام 1991 ونتج عنها دخول الجيش العراقي الى الكويت وضمها كمحافظة تاسعة عشرة. اليوم يشهد العراق تحضيرات للقمة العربية الثالثة وتبدو هي الاكثر ضخامة وتحديا وتوجّسا واصرارا.

اذا كانت القمتان السابقتين قد جريتا في اوضاع مستقرة ونظام سياسي حدد اولوياته وضمن دولة اقوى من كل المحيط العربي ولها حضور فاعل على المستوى الدولي والاقليمي، فان العراق لم يصل بعد الى ذاك المستوى وعلى كل الاصعدة والمستويات. لكن يبدو ان العراق قد بدأ يستعيد عافيته وقد تجهّز للقمة بأدوات سياسية ضاغطة واخرى دبلوماسية ذكية جديرة بالاهتمام. بدأت الحكومة العراقية قبيل اعقاد القمة في بغداد سعيها الحثيث لحل أهم العوالق مع الاشقاء التي ربما ستعيق حضور بعض الرؤوساء والملوك او ربما ستكون سببا لعدم التجاوب مع المطاليب العراقية.

فأتجه نحو الاردن واغلق ملف الطائرات والتعويضات فيما توجه رئيس الحكومة نوري المالكي بشخصه نحو الكويت واتفق الطرفان على ترسيم الحدود وبعض القضايا الاخرى الخاصة بالتبادل التجاري، بينما اوفدت الحكومة وزير العدل العراقي الى المملكة العربية السعودية الذي وقّع اتفاقا يقضي بتبادل المتهمين. أيضا لم تغفل حكومة العراق تهدئة الاوضاع مع الجارتين المهمتين تركيا وايران وان كانتا غير مدعوتين للقمة التي حرص العراق ان تكون قمة عربية بامتياز وحصريا فكسب بذلك الدعم الاعلامي والامني للطوق العراقي.

داخليا لم تنجح الحكومة في استمالة الفرقاء السياسيين لاسباب عديدة اهمها ارتفاع سقف مطالب الكتل وتحديدا كتلة العراقية والحزب الديمقراطي الكردستاني. أهم مطاليب كتلة العراقية كان عفوا عاما شاملا عن جميع المتهمين والمعتقلين بما فيهم المتهمين بقضايا فساد مالي وارهاب داخل العراق وخارجه.

بينما ركّز الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البارزاني على عقود النفط والتعاقد مع الشركات الاجنبية اضافة الى المناطق المتنازع عليها ضمن المادة 140. والوضع كذلك يعطي انطباعا عن مدى التحديات التي واجهتها ولازالت الحكومة العراقية بقيادة نوري المالكي التي لاقت من جهة اخرى امتعاضا شعبيا محدودا في بغداد من جراء التشديد الامني والذهاب في رأي البعض الى ابعد من المتوقع في توفير الامن للقمة العربية الثالثة والعشرين. أيا كانت تذمرات بعض المواطنين فانها لاتصل الى ماوصلت اليه بعض الكتل السياسية وهي تحاول جاهدة الاستفادة فئويا من هذا الحدث. بل ذهبت الى ابعد من ذلك في محاولات عديدة لتقويض سبل نجاحه معتبرة ان نجاح القمة سيكون لجهة سياسية محددة متناسية ان العراق هو المستضيف وان لديه مطالب يجب ان يسمعها القادة العرب. الجدير بالذكر ان قمة بهذا المستوى ستؤكد حضور العراق ليس على المستوى العربي فقط وانما ايضا على المستويين الاقليمي والدولي ليعود قويا كما كان وربما اكثر. الحكومة العراقية ستمثّل الجامعة العربية عاما كاملا وستقود الامة العربية الى بر الامان وبمستوى من هذا التحرك كان لابد ولزاما على كل الفرقاء ان يقفوا خلف الحكومة خصوصا وانهم مشاركون بها بوزراء فضلا عن التمثيل البرلماني الكبير الذي يتمتعون به. تحركات البعض كشفت ظهر الحكومة وقدّمت الشعب العراقي لقمة سائغة امام الارهاب الذي بدأت تحركاته على مستويات عالية من المفخخات والتفجيرات ماكانت لتحصل لو كانت جميع الكتل على مستوى عال من الاحساس بالمسؤولية الملقاة على عاتقها.

كان الشعب العراقي متوقعا من هذه الكتل ان تنهض بمسؤولياتها اتجاه العراق كدولة والا يخرجها خلافها مع الحكومة عن الخط الوطني. لكن للاسف ظهرت تلك القوى بمستوى الاستغلال وكأن الحكومة العراقية انما تعقد قمة بغداد لاجل حزب او فئة وليس لاجل العراق شعبا وحكومة ودولة. فحاولت تلك الجهات قصم ظهر الحكومة وارهاقها بمطاليب انما هي من سلطة الدستور والقضاء.

مطالب الدولة العراقية من الاشقاء بسيطة ويمكن تقبّلها والعمل على توفيرها وهي عموما لن تخرج عن الاجماع العربي والدولي في ضرورة تجفيف منابع الارهاب ومحاصرته. الامر الاخر الذي يتوخاه العراق من هذه القمة هو الخروج من البند السابع فضلا عن توفير المناخ المناسب للاشقاء العرب للعودة الى بغداد والتعامل مع العراق الجديد وفق المعطيات الصحيحة وليس وفق مايصلهم من تشويهات. قمة بغداد ستكون شاهدا على الجميع ومن الطبيعي في حدث كبير كهذا سيكون نعمة على الشعب ونقمة على من يقف ضده. نجاح الحكومة العراقية ومن ورائها الشعب العراقي في مثل تلك الظروف سيكون انجازا عظيما لن يتجاهله الشعب في اي انتخابات قادمة كما ان العراق لن ينسى من يقف معه ومن يقف بالضد من توجهاته السلمية والانسانية. لقد حان الوقت للاشقاء العرب ليقفوا الى جانب الشعب العراقي في محنته كما وقف معهم من قبل في اتراحهم وافراحهم. اللهم ارحم العراق دولة وشعبا.’ كاتب وناشط سياسي عراقي مستقل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية