مهند صلاحات
لم يعد في هذا العصر الفلسطيني تحديداً أي مجال للشعارات القومجية، والشيوعية، والإسلامية، التي امتد تاريخها منذ أربعينيات القرن المنصرم، وفرشت نفسها علي جدران المدن، والقري والمخيمات، وزينت مكاتب القيادات السياسية الذين تفننوا في نظم قصائد فيها، ولم تنجب وتكرس سوي ثقافة الوهم والأفيون والتخدير لدي الشعوب العربية الطامحة الي التحرر من نير الاستعباد والاستعمار، بل أصبحت الوقائع تشير إلي أن الشعارات رغم أنها ظلت شعارات جوفاء، تؤذي مشاعرهم، مشاعر أولئك الذين اصبحوا صهاينة أكثر من الإسرائيليين أنفسهم، أو الذين أسماهم ذات يومٍ أحد الكتاب الكويتيين الفلسطينيون المتصهينون الجدد. ورغم أن العديد من الكتّاب والصحافيين والمنظرين لا زالوا يعتبرون القضية الفلسطينية حالة خاصة، وأكثر تعقيداً من أي حالة احتلال أخري، إلا أن الواقع لم يعد بهذا الشكل، فهي تتحول من محاولات نزع اعتراف عالمي بالشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية كما في بدايات السبعينيات من القرن الماضي، إلي محاولة نيل جوائز نوبل للسلام والمحبة والمداعبة والتنازل علي حساب هذه القضية التي تعتبر بالطبع مختلفة تماماً عن القضايا الأخري، فلم يشهد التاريخ قائداً عسكرياً قاد منظمة لتحرير أرضه ونال عن ذلك جائزة نوبل للسلام أو الآداب مناصفة مع عدوه كما فعل الرئيس الفلسطيني المُنصب لنفسه رئيسا ياسر عرفات.
بعيداً عن حمي الجوائز الدولية التي يسعي لها قادتنا الفلسطينيون، فالمسألة أبعادها أخطر من ذلك وخاصة من الناحية الشعبية الفلسطينية، فلم يشهد التاريخ أبداً أن تتحول حركات تحرر إلي حركات حلول سلمية وخيانية بقناعة تامة بما تقوم به وتدافع عن هذا المشروع تماماً كما تدافع حركات التحرر الوطنية الأخري عن أرضها، والأدهي والأمر أن هذا التحول يطرأ علي حركات تحرر من أقصي اليمين إلي أقصي اليسار، من حركة فتح وصولاً إلي الجبهة الشعبية بقناعات تامة بما يسمي الحل المرحلي والتعاطي مع الآخر، أو كما يسميه شعراء وأدباء تلك المرحلة من أمثال: اميل حبيبي، الحائز علي جائزة شارون، أو توفيق الزياد، أو سميح القاسم، او محمود درويش، بالتعايش السلمي، والذي لم نفهمه حتي الآن، ولم نفهم كيف يمكن للبنادق أن تتعايش مع العصافير.
القيادة الفلسطينية الحالية، وبقناعةٍ تامة، تدافع عما تسميه مشروعها السلمي، والذي يعني أن نزرع أمام كل دبابة إسرائيلية شجرة زيتون، أو أن نعلّق علي البيوت المدمرة والمهدمة فوق رؤوس أصحابها في البلدة القديمة في نابلس، أو في مخيم جنين، أغصان زيتون، كتعبير صادقٍ منا كفلسطينيين عن رغبتنا بالسلام، علي رغم أن الزيتون لم يكن تاريخياً يرمز للسلام بهذا المعني، فقد كان المنتصرون يعلقونه تعبيراً عن رغبتهم في السلام، وليس المهزومين.
القيادة الفلسطينية التي دخلت الوطن دخول الفاتحين عبر المعبر الإسرائيلي إلي بلدهم، يشحدون الملح ـ كما بالتعبير الفلسطيني ـ أصبحوا بوقت قياسي من أصحاب رؤوس الأموال، وأصحاب شركات عابرة للقارات، وملاّك أراضٍ وأبراج في دبي وأوروبا، وقصور فارهة، ورغم ذلك لا زالوا مصرين علي أن ينوبوا عن الشعب الفلسطيني في ما يريد، بل نابوا عنا في ما لا نريد، وفرطوا في الأرض وزعموا أن عملية الاستسلام التي خاضوها لبناء رؤوس أموالهم هي عمليات سلمية تقوم بحسب زعمهم علي مبدأ الأرض مقابل السلام، لكن الحقيقة أن لا أرض ولا سلام هو الذي جاء من فنادق الحمامات في تونس، والجلسات الحميمية المغلقة مع القادة الإسرائيليين في فندق شيراتون القدس، وفنادق تل أبيب، والسهرات الساخنة في بورصة تل أبيب المركزية؛ بل رؤوس أموال تكدست في أيدي بعض الخونة والانهزاميين عرباً وغير عرب.
وبعد كل هذا التخاذل جاء محمد دحلان مستشار الأمن القومي الإسرائيلي ومستشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس للأمن القومي الفلسطيني، ليضع لنا كل صباح قائمة بالواجبات الوطنية التي يتوجب علينا القيام بها لإنجاح العملية السلمية ونبذ التطرف والإرهاب، وقائمة أخري لتعليمنا معني الوطنية، وأخري ليؤكد لنا أنهم ماضون ـ وعين الله ترعاهم ـ في تحقيق السلام العادل والشامل مع الجانب الآخر.
ولم يقف الأمر عند هذه القوائم، بل كل يوم نُجلد بخطبٍ علي الإذاعات التي تعوي صبح مساء مطالبة الشعب بالالتفاف حول قيادته التاريخية، وضرورة التكاتف بين الحكومة الإسلامية والرئيس الرأسمالي الذي يدافع عن وجود إسرائيل بقناعة قد تبدو أكثر من قناعة هرتزل نفسه في قيامها أول مرة ويعتبرها سبباً في وجوده.
إن حال هؤلاء الاستسلاميين المحبطين، وبعد هذه السنوات الخمس عشرة علي توقيع اتفاق التخاذل السلمي، والذين ينصحوننا بطاعة الحكام في بلادنا لأن طاعتهم من طاعة الله وأن محمود عباس مهند الحل السلمي منذ السبعينيات أصبح ظلّ الله علي الأرض أو خياله، وأن طاعة مستشاري الرئيس من طاعة أنبياء الله، لا يختلف كثيراً عن حال حيوانات السيرك التي تروض لتقوم بحركات بهلوانية ليضحك منها المتفرجون، وهذه حقيقة ما يحدث، حين تم تدجين جزء كبير من الشعب الفلسطيني، والجزء الذي لم يدجن يجري تجويعه علي شاكلة النمور في اليوم العاشر لزكريا تامر، ليتم إدخاله هو الآخر لحديقة التدجين لإسعاد الجمهور العربي الذي ما لبث أن هب سفراء وديبلوماسيون ومواطنون لزيارة إسرائيل والسهر في الملاهي الليلية في تل أبيب بحجة أنهم ليسوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، وأن إسرائيل الأمر الواقع، وأصبح من الخيال أن نتخلص منها، وأن نلقي بها طعاماً للسمك الجائع في البحر الأبيض، والذي جوعه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قبل أكثر من أربعين عاماً ولم يزل جائعاً حتي اللحظة، حين قصفت الطائرات الإسرائيلية جيشه ومطاراته وقادة جيشه.
إن هؤلاء الذي يطلبون منا كل يوم، أن نلتزم ولا نخل بالأجندة الوطنية، وإلا صنفنا في عداد الإرهابيين والخونة والمراهنين علي التدخل الخارجي، أو كما اسماهم الرئيس محمود عباس الحقراء حين وصف العملية الفدائية التي جاءت رداً علي مجازر الجيش الإسرائيلي، يلحون، أو يصرون علينا دوماً بأن نبقي أسري ثقافة الابتزاز، وأن نُسقط الوطن لصالح الوطنية، ونقدم كرامتنا قرباناً للآخر كي يقتنع بنيتنا السليمة للسلام معه كي يتقبل وجودنا علي أرضنا بجانبه، وعلينا أن نلقي أسلحتنا ونحمل أغصان الزيتون ونرقص بها عند الحواجز العسكرية وقرب السور الواقي ليقتنع الآخر بأننا لم نعد جيراناً مزعجين له علي أرضه التي أقرينا له بها في اتفاقياتنا، وعلينا أن نستمر بالرقص كل يوم حتي لو علي دماء الأطفال الأبرياء الذين يسقطون كل يوم بقذائف الدبابات والطائرات الإسرائيلية، وعلي مذبح حكام الطوائف والأحزاب الفلسطينية.
لم تعد العديد من الشعارات الساذجة التي رفعتها التنظيمات الفلسطينية في السبعينات علي شاكلة، طريق القدس تمر من عمّان، و لا سلاح يعلو فوق سلاح المقاومة، و جيش القدس يستعد ببغداد، و تجوع يا سمك ذات جدوي حقيقية وخاصة أن عمان صارت منتجعاً سياحياً بالنسبة لأصحاب رؤوس الأموال الفلسطينيين الذين جمعوها من سرقاتهم من المنح الأوروبية للشعب الفلسطيني (ثمناً لأرضهم التي وقعوا عليها لصالح الدولة اليهودية)، وتبين كذلك مدي استهتار ذلك الخطاب وسذاجته وعدم جدواه، واتضح أن هاجسه الفعلي لم يكن العمل من أجل تحرير القدس، بقدر ما كان يصبو إلي فتح سوق تجارية في عمّان، وأن صوت السلاح الذي يعلو فوق صوت الجميع لم يكن إلا لإسكات الجميع، عن رفض مشروع الخيانة الفلسطيني، أو عن الاحتجاج علي نهب الوطن، وتكوين طبقات أرستقراطية فيه، وتشكيل مليشيات مسلحة صنعت الانفلات الأمنــي واحتـــلال الوطن مرة أخري بقوة سلاح المقاومة، من طرف فصيل سياسي أو طائفي.
إن من فقد كامل وطنه لمدة تزيد عن الستين عاماً، ليس بحاجة إلي دروس في الوطنية والواجبات الوطنية، والشعائر التي يتوجب عليه القيام بها لقيادته كي ترضي عنه، فهي لن ترضي عنه طالما هنالك من يحمل مفتاحا في رقبته ويحلم بالعودة إلي حيفا ويافا وبيسان.
علي الدول العربية كذلك أن تكف عن إرسال الخبراء والمستشارين للقيادة الفلسطينية الفاشلة، لتعطيهم دروساً في كيفية الالتصاق بالكرسي، وتوريث الحكم، فنحن لم نملك أدني مقومات الدولة، ولا زلنا بلداً محتلاً، ولم تزل مسألة توريث الخيانة والحكم والهزيمة مبكرة، فنحن حتي الآن لم نفق من هزائمنا السابقة التي أدمتنا، ولم يزل قيح جروح نكبة عام 1948، ونكسة 1967، وفضيحة 1973، وعاصفة 1991، وخيانة 1993 تنز، وهنالك من يحاول علاجها بالملح.
يتوجب علي الدول العربية وخبرائها الذين قطعوا إجازاتهم من فيينا وباريس ولندن، وجاؤوا ليعطوننا دروساً في الديمقراطية، والوطنية، وضرورة التكاتف حول قيادتنا النبيلة حسب زعمهم والتي يمثلها محمد دحلان ومحمود عباس، ودروسا في التكاتف الوطني وضرورة الوحدة وعدم الاقتتال، أن يريحونا ويتركونا بحالنا، والأولي بهم أن يحلوا مشاكل شعوبهم التي تتضور جوعاً بينما رؤوس أموالهم تهرب إلي بنوك سويسرا.
نقول لهؤلاء الوسطاء التجاريين الذين أصبحوا بين ليلة وضحاها رجال سياسة وفكر، ومنبهين من خطر الانتشار الشيعي في بلادنا، وضرورة تكريس الدور السني، وغيرها من سخافات بالفلسطيني الفصيح: اتركونا في حالنا، كي نستطيع ن ننظر في مسألة حكم المافيات العسكرية القادمة من شتاتها لتسلبنا قبل حقنا صمودنا الذي نهبوه ومنحونا تهبيط العزائم والفساد المالي والخيانات المجانية، وهذا الذي لم نكن نعهده أيام احتلال إسرائيل. ونتساءل: إذا كان نهب فلسطين من طرف جماعة من المرتزقة القادمين من فنادق الحمّامات من تونس، وشارع الحمراء من بيروت، ومقاهي أثينا، وفنادق ألمانيا الشرقية والنرويج، يسجل في خانة المواقف الوطنية المشرفة، فما هي خيانة أمانة الشعب؟ وهل تعطيل الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية في فلسطين علي مدي أربعة عشر عاماً من توقيع اتفاق أوسلو وقيام السلطة العرفاتية هو الذي يخدم الوطن، فأين هو الوطن؟ وإن صار مقياس الوطنية هو مدي قناعتي بضرورة الحل السلمي أو قراءة مذكرات المدعو سري نسيبة تحت عنوان (التعاطف مع الآخر) ولا أعرف أي آخر الذي يريدني أن أتعاطف معه!! ، وهو الذي كان من المقربين جداً من ياسر عرفات.
هل يقصد سري نسيبة نحن الآخر وهو يعد نفسه ضمن التيار الصهيوني؟ أم الآخر الذي يجد التعاطف معه هو الكائنات الفضائية القادمة من المريخ؟ ربما هي دعوة لقراءة مذكرات السيد نسيبة بالإنكليزية لنفهم من هو الآخر الذي يجب التعاطف معه.
إن كان الوطن والوطنية كل هذا، فما بالها هوية الشتات؟
علّق روني شاكيد ـ وهو سياسي إسرائيلي معروف وأحد رجالات الشاباك السابقين وعمل بعد تقاعده في الصحافة وهو الآن مسؤول عن الشؤون الفلسطينية في صحيفة يديعوت أحرونوت ـ إبان أحداث عنف جرت في غزة بين مسلحين فلسطينيين من حركة فتح وأفراد من الشرطة الفلسطينية بعد اغتيال عرفات بفترة قصيرة، قائلاً: ان ما يجري في قطاع غزة من أحداث وصراع داخل السلطة ليس إلا بداية لبركان قادم.
وقال شاكيد في تصريح له لموقع الجزيرة نت في ذات الفترة إن الصراع متجذر ما بين جيل المقاومة الذي فجر الانتفاضات المتعددة ضد إسرائيل والذين عايشوا أحداث القضية في الضفة والقطاع وبين الزعامات والكوادر التي جاءت بعد اتفاقيات أوسلو من الخارج، حيث سيطر القادمون علي كل شيء وبقي المناضلون والقادة المحليون بلا شيء صفر اليدين. وعبر عن اعتقاده بأن عملية اختطاف الجبالي التي فجرت الوضع، كانت حدثاً مبرمجاً لهدف سياسي، وأن العقيد محمد دحلان يقف خلف هذه الأحداث ليؤكد للرئيس عرفات أنه الأقوي وأنه فقط هو القادر علي حماية الأمن في قطاع غزة. وبناء علي عدد من الشواهد التي دللت علي أن دحلان وسيطرته علي جزء كبير من كتائب الأقصي، وكذلك علاقته الحميمة مع نصر يوسف وزير الداخلية في ذلك الوقت والذي طالبه الكثيرون بالاستقالة لأنهم اعتبروه متواطئا مع الفلتان الأمني ومقتل موسي عرفات.
حتي الإسرائيليون يقرون بفداحة أي تعاطف فلسطيني إلي جانب محمد دحلان، لكن الحالة الغوغائية التي تعم الشارع الفلسطيني هي التي توجد حالات تعاطف واصطفاف إلي جانبه، تماما كما اصطفوا إلي جانب صدام حسين.
ہ كاتب وصحافي فلسطيني8