القنوات الجزائرية الخاصة: عندما يقطف الإعلام في الجزائر ثمار ثورات الآخرين!

حجم الخط
0

محمد بوعبد اللهلم يكن ممكنا قبل الثورة التونسية، ولا حتى بعد أشهر من فرار الرئيس بن علي، أن يحلم الجزائري بقنوات خاصة تبث من داخل الجزائر. بالرغم من أن البلد كان من السباقين للمبادرة إلى خوض غمار هذه التجربة في بداية التسعينيات، قبل تراجع السلطة عن خطوة الإقدام على فتح مجال السمعي البصري، تحت ذريعة ظروف سياسية وأمنية غير مشجعة. بل حتى سقوط مبارك في مصر واشتعال دول عربية أخرى بموجة احتجاجات غير مسبوقة، لم يسمح بتغيير النظام الجزائري الحاكم موقفه الرافض لأي تحول إعلامي، يدعم المكاسب الديموقراطية التي ظلت تفتخر بها السلطة والحكومات المتعاقبة، إلى أن جاءت اللحظة الحاسمة والفرصة التاريخية التي انتظرها كثير من المتحمسين لتغيير جذري لمعالم خارطة البث التلفزيوني في الجزائر.لقد ظلت المسألة لسنوات سجالا يدور على الساحة السياسية، بين سلطة ترى في وسائل الإعلام الثقيلة أداة طيعة لترسيخ الهيمنة على جزء كبير من صناعة الرأي العام الجزائري، ولذلك ينبغي التمسك باحتكارها وتوجيه بوصلتها حيث تشاء وتريد، وهو ما كان لها خلال العقدين الماضيين، وبين قطاع كبير من الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية الخاصة (الصحف تحديدا) لم يكن يجد مبررا مقنعا لهذا التشدد في غلق السبيل أمام انفتاح إعلامي أكثر، ولم يتردد في المطالبة بقانون جديد للإعلام يتماشى مع التطورات المتسارعة كما ونوعا في الإعلام العربي، والتي جعلت الجزائر تبدو وكأنها تمضي قدما بخطوات ‘حلزونية’ نحو إعلام معاصر. والغريب في الأمر أننا سمعنا لسنوات قليلة ماضية تصريحات لمسؤولين جزائريين تصد الباب أمام كل دعوات الانفتاح الإعلامي، وحجتهم في ذلك أن الجزائريين لم يكونوا مؤهلين لإطلاق قنوات تلفزيونية وإذاعية تغرد خارج الخطاب الرسمي.. وهو ما يحصل اليوم وغدا بقدرة قادر، بعد أن أصبح المحظور مرغوبا فيه بين ليلة وضحاها، بل حتى أمرا يمن البعض به على الجزائريين بكونه خطوة إصلاحية في الاتجاه الصحيح! وما يجعل المشهد الإعلامي الجديد في الجزائر أكثر إثارة هو إطلاق فضائيات جديدة من خارج البلد قبل البدء في الترخيص للبث انطلاقا من الداخل، وكأننا أمام خروج المارد من القمقم دونما حاجة لإذن من أحد، بعد أن تلقفت الجهات التي تقف وراء تلك القنوات التلفزيونية فكرة إعداد مشروع قانون ينهي احتكار السلطة للإعلام الثقيل. ومهما يكن من تباطؤ في فتح المجال بشكل رسمي للبث من الداخل، فإن السلطة في الجزائر باتت أمام تحد كبير هو الوفاء بوعد قطعته على نفسها، بغض النظر عن استمرار الظروف الإقليمية التي جعلتها تقدم على خطوة لم تكن تحبذها مطلقا، وهي الآن بين التأخر في إفراجها عن القانون الذي طال انتظاره، وبين الهواجس من الرقيب الإعلامي الجديد الذي بدأ في كسر الحواجز التقليدية التي كرس لها التلفزيون الرسمي، لا تملك أن تتراجع عن إجراء هذا الإصلاح الذي جعلته في صلب توجهاتها الإصلاحية، وإلا فقدت المصداقية التي سعت إليها وانهال عليها سيل من الانتقادات والشكوك حول نواياها الحقيقية، فضلا عن أن المارد الذي استيقض لن تغمض له طرفة عين، ما دام قد ذاق حرية البث من خارج البلد وكشف جزءا يسيرا من عورة الفساد المسكوت عنه، ولن يفيد في شيء أن يتوقف مسار الإصلاحات إن شاءت السلطة ذلك. الإعلام الجزائري وجد نفسه فعلا أمام فرصة نادرة للقفز إلى العربة الأخيرة من قطار التقدم إلى الأمام، والتي كانت ثمرة غضب شعبي على الفساد والمفسدين اجتاح المنطقة العربية من الخليج إلى المحيط، وهو التحول العربي المفصلي الذي حدث في لحظة تعد نادرة هي الأخرى في تاريخ الأمم ومسارات الشعوب، وما ينبغي العمل من أجله في هذا الانعتاق الحتمي من ربقة الاحتكار السلطوي لوسائل الإعلام الثقيلة في الجزائر، لا يقتصر على دور السلطة في إفساح المجال لهذا التحول المطلوب شعبيا ونخبويا، بل يتجاوز هذه المسألة إلى تحلي المؤسسة الإعلامية الجديدة بأقصى ضوابط المهنية والمسؤولية، دون التنازل في المقابل عن ممارسة دور الرقيب على ممارسات السلطة الخاطئة، وليس الاكتفاء بالترفيه للقلوب والانكفاء على التسفيه للعقول أحيانا، فثمة كثير من المفسدين الذين وجدوا في الصمت باعثا للاستمرار والتعاظم، ولا بد من كشف الغطاء عنهم بسلطة إعلامية حقيقية، تضع حدا لزمن تبجح هؤلاء بالفساد وغض آخرين الطرف عن مساوئه. *صحفي جزائري مقيم بإيران [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية