د.
يحيى مصطفى كاملالمهتمون بالشأن المصري يراقبون من بعيدٍ أو قريب مجرى الأحداث بفائضٍ من العجب ووافرٍ من الدهشة، يرصدون حماقات وإخفاقات النظام التي لم تعد تحصى، وفي كل مرةٍ يجزمون بالقول ‘هذه لن تمر’. لقد فاض الكيل بالناس وطفح، لا بد أن تغييراً مصيرياً سيحدث.
غنيٌ عن الذكر أن شيئاً لا يحدث، وأن تلك وأخواتها تمر، ومهما كان المصاب جللاً فإن محيط البلادة اليومي يبتلعه، حتى إذا ما تراكمت الأهوال وتعذر، بل استحال عد الغرقى والمطحونة عظامهم تحت الصخور يئس هؤلاء المهتمون فما يكون منهم سوى إطلاق سيلٍ من التنظيرات العدمية: ‘إن نظريات التطور والصراع الاجتماعي التي كفت أبصارنا من مطالعـــــتها وحفظـــها في الكتب الضخمة لا ‘تشتغل’ في مجتمعاتنا.. إنها كالثياب الفضفاضة ونحن بحاجةٍ إلى خياطٍ ‘ليقيفها’ على قياسنا، أو مثلاً: ‘نحن العرب والمصريين ندور في زمننا الخاص.. خارج دورة التاريخ’. وهي كلها تعبر عن الإحباط كما ترون وإن لم تخلُ من فكاهةٍ سوداء.. إلا انني أرجع وأقول أن لكل شيءٍ سبباً، حتى وإن توارى واستعصى فهمه.
لن يختلف أيٌ منا على كون أسباب السخط متوفرةٌ جمة، ما بين غياب المشروع السياسي إلى الإفقار المنهجي إلى التهميش السياسي في ظل عنفٍ ساحقٍ، ومع ذلك فالمقدمات في بلداننا لا تؤدي إلى النتائج. أهو العنف إذن؟
بالتأكيد للعنف والقهر السياسي دوره، إلا أنه ليس وحده، فهناك عوامل أخرى شديدة الخطورة تدخل في المعادلة وتمكنها من البقاء. من المفيد هنا الاستشهاد بمفكرٍ أوروبيٍ عبقري أكد سابقاً كون أي نظامٍ لا يستمر بالعــــنف وحده، وإنما لا بد له من قاعدةٍ عامةٍ من القبول أو التسليم العاجــــز، وإني لأتفق معه أتم الاتفاق، فالنظام المصري (وبقية الأنظمة العربية في حقيقة الأمر) لم يعتمد العنف وحده أسلوباً وإنما دعم ذلك بمشروعٍ ضخمٍ وطموحٍ لمسح الأدمغة وإعادة تشكيل الوعي العام وتمكين وتسييد قيم السمع والطاعة وثقافة الهزيمة في المجتمع.
ليس سراً أن الرئيس المؤمن اعتلى السلطة حاضناً إلى صدره مشروعه الخاص والمغاير.. وللحق فقد تصدى الرجل لمهمةٍ شاقة، فقد كان عليه أن يعكس الدفة ويعوم عكس التيار، تيار القومية العربية ومطالب الديمقراطية والمشاركة والعدالة الاجتماعية والتنمية والنهوض وتحرير الأرض والتصدي للاستعمار السياسي والاقتصادي… وهي كلها كما نذكر مطالب كان الشارع الحي الصاخب يعتنقها بحرارة، ولئن كان أدرك مع طول الصراع مع الشارع وقوى المعارضة أن الضربات الامنية وحدها لا تكفي، فقد وعي خلفه ذلك الدرس وحفظه أكثر منه، بل لعل المعركة التي خيضت على الساحة الفكرية والثقافية أخطر وأطول، إذ في حين كانت قبضة الأمن تشتد وترتخي بصورةٍ موسميةٍ وعلى حسب المناسبات، فقد أغرق النظام البـــلد في طوفان منظومةٍ فكريةٍ متخلفةٍ لا ينقطع.
لقد حدد النظام عدوه الفكري: إنه علامة الاستفهام وكل صيغ التساؤل والتعجب، لقد أراد أن تموت في العقول وعلى الألسنة كلمات: لماذا؟ وكيف وقبلها جميعاً كلمة ‘لا’.. تلك التي ترعب النظام وتقض مضجعه؛ وللأسف فلم تغب عن ذهن منظري النظام والأكاديميين الذين آثروا السلامة فباعوا أنفسهم للنظام، أنه وإن كانت الأفكار الحديثة قد عرفت طريقها إلى بيئتنا وشارعنا ولقيت فيه صدىً ورواجاً إلا أن وعينا الجماعي وأفنيتنا الخلفية وقطاعاتٍ عريضة من شعبنا مازالت تختزن في أعماقها تراثاً وأفكاراً متخلفة أعمق جذوراً من الأفكار المتنورة؛ مفاهيم وأفكار شاعت وتوورثت عبر قرونٍ مظلمة من البطش والقمع وحكم الأجنبي، وأبت أن تموت تماماً.. لقد عقد النظام عزمه على اجتثاث ثقافة المعارضة والثورة ومفردات العمل السياسي الحديثة، والأهم من ذلك مناهج التحليل النقدية التي كانت تضرب في أسس وجوده مستعيناً على ذلك بكل مخلفات التراث القمعية، وطفق ينقب في الفيافي والخرائب والزوايا المعتمة عن كل ذي فكرٍ رجعي ونفخ الروح في كل المفاهيم البالية والأحكام السلطانية والموروثات الخرافية، التي تسلم للسلطة المركزية وشبه تؤله الحاكم وتستهجن مبادئ المشاركة السياسية.. ليس ذلك وحسب، وإنما سخر كل إعلام الدولة الجبار للترويج لهذه الأفكار، فهي تسيل كالأنهار من شتى مسامه غامرةً الناس، فمن ناحية قمعٌ للناشطين، ومن ناحيةٍ أخرى غسيلٌ للأدمغة، والنتيجة هي ما ترى من اضمحلال ثقافة العمل الجماعي واستشراء قــــيم التواكل وتمجــــيد الكسل الفكري وفقدان الذاكرة الجماعية لدى جماهـــيرٍ باتت تتأرجح بين السلبية والغوغائية في فوضى الأصوات العـــالية، يعصف بها الحنين أمام تمثيلية في التلفاز وتشتتها مباراة كرة قدم مجنونة.
الكل ممن عاصر هذه الحقبة واكتوى بهذه التحولات يذكر كيف حوربت الكتب التي تعتنق أفكار التحرر والتصدي والصمود للاستعمار، وكيف رُوج لشتى الكتابات الهزيلة التي تمجد سلام السادات، مهاجمةً الحقبة الناصرية مصورةً إياها تجسيداً للشر أو لأخرى ‘أنتيكة’ عن الصاعدين للكواكب والهابطين منها؛ والحال يا سادة أنني مذ وعيت الدنيا وبقية جيلي وهذه هي الأفكار المطروحة والمتداولة.. لم يحط بنا سوى القبح والهزيمة وهذه الثقافة المنحطة حتى ألفناها… صلتنا بالماضي منقطعة ومختزلة ومشوهة عبر مناهج تعليمية منحطة وكاذبة ومشوهة تعبث بها كل حكومة وتطوعها وفقاً للحالات المزاجية مع أمريكا وإسرائيل، اللهم إلا من رغب في الحقيقية فبحث في المصادر.
نحن أبناء الزيف والانهزام، واسمعوا وأطيعوا أُرضعنا القهر والتسليم؛ قيل لنا أننا لا نقدر على حرب أمريكا فهي ظل الله على الأرض، ويشار إلى كل من وقف ضد النظام وتقدمت به السن و لم يجمع من المال كالذي جمع من باع ونافق، لم نلقن سوى درسٍ واحد: ‘ذاكر وخذ شهادتك ثم اهرع إلى الخليج لتجمع المال أسوةً بغيرك.. ولا تنسَ أن تحج’. الأسئلة من الشيطان، وكلمات كالكرامة والعدالة والحرية والمشروع الوطني يبحث عنها في متحف المصطلحات البائدة.
ـ ‘إرضَ بنصيبك، وإذا رأيت وطنك يسلب وعرضك يهتك وإخوانك في الوطن يستباحون فانظر الناحية الأخرى، أليس هناك نظامٌ يدافع عنهم وربٌ يتولاهم؟’. إن الشارع وقد تم عجنه وشحنه بوعيٍ زائفٍ، وفي غياب ملكات النقد ومصطلحات العمل السياسي الحقيقية لم يعد يعرف كيف يتعامل مع الواقع أو يفهمه.. إن الواقع يسحقه ويهينه إلا أن الشارع بعيونٍ فقدت عقلها وضوءها لم تعد ترى أوجه خلله، ويرد على تعاسته بأوهام وتصاوير تعكس حالة الفراغ الذهني الذي يعيشه، وليس من عجب أن بتنا نسمع تعليقات مثل، ‘التغيير من عند الله’ و’هو انت حتفهم أكثر من الحكومة’، أو وهو الأدهى، ‘طول عمر بلدنا ضنك وزفت ولا شيء سيتغير’، ولذا فرجل الشارع يتعامل مع شتى الكوارث على أنها ‘قدر وعادي’. يتحدث المثقفون عن طبقاتٍ مستغلةٍ تعيد إنتاج نفسها، والشاهد أن هذه المنظومة الثقافية المنحطة التي تربت عليها الأجيال طوال أربعة عقود تعيد إنتاج نفسها هي الأخرى، طبعاً مع قدرٍ من التطوير في الأداء يبعث على الضحك غيظاً، وها نحن نرى داعيةً شاباً يضرب أنصع مثالٍ على الهروب من الواقع، إذ بينما بلده يتمزق ويتشظى والدنيا فيه قائمةٌ قاعدة يخرج علينا بصوتٍ ناعمٍ و قميصٍ ورديٍ يقف على ربى خضراء لا تمت لمصر الغارقة في زحامها وتلال زبالتها ليدعونا أن نغمض أعيننا ونتخيل أننا نتنسم ريح الجنة.
إن الكارثة، أكبر كارثة، حين لا نرى القبيح قبيحاً، ونفقد أبسط المفاهيم عن المفروض والمقبول والقدرة على التمييز بين ما هو كائن وما يجب أن يكون.
إذا كنا نريد حقاً أن نخرج من هذا المستنقع ونسعى إلى التغيير الحقيقي فإنه يتعين علينا أن نخوض المعركة لكسب الشارع.. أن نسعى إلى إيقاظه وإعادة المفاهيم الحقيقية إليه، إذ بدون وعيٍ جماهيري تغدو كل محاولات التغيير صراعات عبثية مع طواحين الهواء. ‘ كاتب في صحيفة ‘الدستور’ المصرية