لندن-«القدس العربي»- وكالات: تراجعت القوات الأوكرانية إلى ضواحي مدينة سيفيرودونيتسك الصناعية، أمس الأربعاء، بعد قصف روسي عنيف، حسبما قال حاكم المنطقة التي تقع فيها المدينة، في تحول كبير آخر في مجريات الأحداث في واحدة من أكثر المعارك دموية في الحرب.
وركّزت روسيا قواتها وقوة نيرانها على المدينة الصغيرة الواقعة في شرق البلاد في الأسابيع الأخيرة لتأمين المنطقة لوكلاء روسيا الانفصاليين. وتعهدت أوكرانيا بمواصلة القتال لأطول وقت ممكن، قائلة إن هذه المعركة يمكن أن تساعد في تحديد مسار الحرب في المستقبل.
هجوم مضاد مفاجئ
وبعد مزاعم حول دفع الروس إلى التقهقر وتأمين نصف المدينة في هجوم مضاد مفاجئ الأسبوع الماضي، قال حاكم منطقة لوغانسك التي تقع فيها سيفيرودونيتسك إن القسم الأكبر من المدينة أصبح مرة أخرى في قبضة الروس. وقال سيرهي غايداي لموقع «آر.بي.سي. أوكرانيا» الإعلامي: «لم تعد قواتنا تسيطر الآن إلا على أطراف المدينة. لكن القتال لا يزال مستمراً، (قواتنا) تدافع عن سيفيرودونيتسك ومن المستحيل القول إن الروس يسيطرون على المدينة بشكل كامل». وتابع: حتى لو كان على جيشنا أن يتراجع إلى مواقع أقوى. هذا ليس معناه أن هناك من يتخلى عن المدينة. لن يتخلى أحد عن أي شيء. لكن من الممكن أن يضطر (الجيش) للتراجع».
وكان غايداي قال في وقت سابق إن القوات الروسية ستكثف القصف على سيفيرودونيتسك والمدينة الأصغر الملاصقة لها ليسيتشانسك على الضفة الغربية لنهر سيفيرسكي دونيتس. ونشرت الشرطة الأوكرانية لقطات مصورة لعمليات إجلاء لكبار السن من ليسيتشانسك. وتوقفت عمليات الإجلاء قرابة أسبوع بسبب قصف طريق الخروج الرئيسي.
وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأوكرانية أولكسندر موتوزيانك في إفادة صحافية إن القوات الروسية لديها عتاد أكثر بعشرة أضعاف من القوات الأوكرانية في بعض مناطق سيفيرودونيتسك.
وتقول موسكو إنها تنفذ «عملية عسكرية خاصة» لنزع سلاح جارتها و»القضاء على النازية». وتصف أوكرانيا وحلفاؤها ذلك بأنه ذريعة لا أساس لها لشن حرب أسفرت عن مقتل الآلاف ودمرت المدن وأجبرت الملايين على الفرار. وتشكل لوغانسك ودونيتسك المجاورة معا منطقة دونباس، التي تطالب موسكو بخضوعها للانفصاليين الناطقين بالروسية الذين سيطروا على الأجزاء الشرقية منها منذ عام 2014. وتهاجم موسكو الجزء الخاضع لسيطرة أوكرانيا من دونباس من الشمال والشرق والجنوب في محاولة لتطويق القوات الأوكرانية في المنطقة.
وإلى الغرب من سيرفيرودونيتسك، في سلوفيانسك، إحدى مدن دونباس الرئيسية التي لا تزال تحت سيطرة أوكرانيا، وقفت نساء وأطفال صغار في طوابير لتلقي المساعدات، وكان سكان آخرون يحملون دلاء الماء في أنحاء المدينة. وفر معظم السكان لكن السلطات تقول إن نحو 24 ألفا ما زالوا في المدينة التي تقع على طريق هجوم متوقع من القوات الروسية التي تعيد تجميع صفوفها إلى الشمال.
وتحدثت ألبينا بتروفنا (85 عاما) عن لحظة وقوع هجوم على المبنى الذي تقيم فيه مما أدى إلى تحطم نوافذ منزلها وتدمير شرفتها. وقالت: «تطايرت علي شظايا الزجاج المكسور ولكن العناية الإلهية أنقذتني، أصبت بخدوش في كل مكان.»
لا نحتاج «مينسك 3»
وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية ايغور كوناشينكوف إن كييف تكبدت أكثر من 300 مقاتل خلال ثلاثة أيام في معارك حول مدينة سفياتوهيرسك وحدها. وبالإضافة إلى ذلك، جرى تدمير 15 عربة مقاتلة و36 نظام أسلحة. ولم يتسن التحقق من هذه الأرقام من مصدر مستقل.
وتحدث أيضاً عن هجمات صاروخية روسية استهدفت مصنع دبابات في خاركيف. وأطلقتالقوات الروسية النيران على العديد من مواقع القيادة ومناطق تركيز القوات، ومواقع قاذفات الصواريخ حول المدينة باستخدام الصواريخ جو-سطح.
وقال مكتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن شخصين قتلا وأصيب اثنان آخران في منطقة لوغانسك خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، فيما أصيب خمسة مدنيين في منطقة دونيتسك، ولقي أربعة حتفهم وأصيب 11 بمنطقة خاركيف.
وفي خاركيف، ثاني أكبر المدن الأوكرانية، كان السكان يزيلون الركام الناتج عن القصف في اليوم السابق. وطردت أوكرانيا القوات الروسية الشهر الماضي من ضواحي المدينة، لكن روسيا ما زالت تقصفها بشكل متقطع.
وفي السياق، أكد وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا أن بلاده ليست بحاجة لاتفاق سلام يجمد الصراع الراهن، أو لا يأخذ بعين الاعتبار مصالح البلاد. ونقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن كوليبا القول لصحافيين في كييف إنه لن يتم الالتفات لأي اتفاقيات لا تلبي مصالح أوكرانيا. وقال: «أوكرانيا ليست بحاجة إلى مينسك- 3» في إشارة إلى اتفاق سلام سابق. وأضاف أنه لن يتم القبول «بخطوط تقسيم أو وقف لإطلاق النار يجمد الوضع لسنوات ويزيد أمد الألم والمعاناة».
كتاب الجلادين
وفي الأثناء، قال زيلينسكي إن بلاده ستصدر في الأسبوع المقبل ما أطلق عليه اسم «كتاب الجلادين» ليروي بالتفصيل جرائم الحرب الروسية. وذكر المدعي العام الأوكراني، أمس الأربعاء، أن بلاده فتحت أكثر من 16 ألف تحقيق في جرائم حرب محتملة ورفعت ثماني دعاوى قضائية وحددت 104 مشتبهين بهم. وتنفي روسيا استهداف المدنيين في أوكرانيا وترفض اتهامات بأن قواتها ارتكبت جرائم حرب.
وللصراع تأثير ضخم على الاقتصاد العالمي. فأوكرانيا أحد أكبر الدول المصدرة للحبوب في العالم وتتهم دول غربية روسيا بالتسبب في احتمال مواجهة العالم لمجاعة من خلال إغلاقها لموانئ أوكرانيا على البحر الأسود.
وأفادت وكالات أنباء روسية أن الإدارة التي نصبتها روسيا في الجزء المحتل من منطقة زابوريجيا في جنوب أوكرانيا تعتزم إجراء استفتاء في وقت لاحق من هذا العام بشأن الانضمام إلى روسيا. كما أعلن المسؤولون الذين نصبهم الروس في مقاطعة خيرسون الواقعة إلى الغرب من زابوريجيا عن خطط مماثلة. وتعتبر أوكرانيا وحلفاؤها الغربيون أي استفتاءات في المناطق المحتلة غير شرعية ودليل على أن الهدف الحقيقي لروسيا هو احتلال الأرض.