1- إله
هبَ نًسيمٌ من البحر،
والهلال شاخص كقرنٍ صافٍ،
ووراء العتبة،بعد شارع القرية الطويل،
وقع ظل من بيت الفلاح،
كان البيتُ أبيضاً- باهتاً.
هبَّ نسيمٌ جنوبي،
وباتَ الليلُ دافئاً.
في المضاحل، على شاطئ خفيف الانحدار،
التقت الموجةُ، الصخبُ، مع الإله،
من غير أن ترفعَ الجبينَ الوسنَ.
انزاح الهلالُ نحو وهْدَة مظلمة،
وحزيناً أضاءَ على الصخرِ والمقبرةِ.
أما الإله فكان بيّناً، بهيجاً وعادياً.
كان في الريح هو، وفي روحي الشَّريدة-
وفي كبد السماء اللازوردية، الصافيةِ والرَّحبةِ،
هزَّ سنا النجومِ الأزرقِ.
7-6-1908
2- رُفات مقدسة
الغبار، الذي مشا عليه جبريل،
عند منتصف الليل،
في الطريق الخفي بين القبور
يُشفي ويُحيي الموتى.
الرّفات التي سالت عليها
دماء شهداء معركة الحرية،
ملهمة الشعب الحكيم،
تبجيل وحب.
التصق بها،
وبارك لحظة رؤية المُقدس
وانهض مثل زوبعة الصحراء
في معركة الثأر والحب.
3- قابيل
عَمّرَ قابيل بعلبك إبان جنونه (رواية سورية).
الجنس البشري يحل ويرحل،
أما الأرض، فباقية إلى الأبد…
أجل، إنه يبني، يعمر
حرم القبائل الخالدة- بعلبك.
رغم أنه- قاتل، ملعون،
خرج وبجرأة1 من الجنة.
ورغم رعب الموت الذي طوقه،
هو أول من حملق في وجه الردى.
الناشد، بشراهة، عن الله
هو أول من تطاول 2 على الإله.
وما أن بلغ العتبة، حتى هوى مدحوراً
من رؤية- الظلام.
لكنه وحتى في الظلام
لا يمجد سوى المعارف والعقل والنور-
وللشمس شيد برجاً
قَعَّرَ في الأرض أثراً راسخاً.
من الغيظ، أضرمت
عيون العملاق دماً أحمراً،
ووديان لبنان تئن
من وطأة الثقل العظيم.
أسمرٌ داكن، ذو شعر رمادي متجعد هدل،
مَقْدودٌٌ من الصحراء والقيظ.
وزرته فروة،
فروة أسد، كثّة ذهبية.
عَجلٌ هو، يقذف،
يُكوّم الحجر على الحجر،
يرتعد، يكاد يموت،
على أنَّ، يثأر، يثأر من الباري!.
1- أو خطا وبجسارة.
2- حرفياً لعن الإله.
4- سُلانُ* النّبيِّ
ثمة ممالك وبلاد كثيرة في العالم،
نحن نحب حصائر القصب،
نحن لا نرتاد المقاهي، إنما ندخل المساجد،
في الأفنية المشمسة الهادئة.
لسنا تجار بازار، ولسنا بسعداء
عندما تحلُّ القوافل الغبرة
بدمشق المقدسة ورياضها وأسوارها،
لسنا بحاجة لصدقة الإنجليز.
نحن صابرون عليهم، ولا نريد أن نرى
لا الثياب البيضاء ولا الخوذ البيضاء.
كُتب؛ لا تصنع الشر للغريب،
ولا ترفع بصرك عليه.
القي التحية، وتذكر؛ أنك في الأخضر
وعندما يجيئون أنظر إلى السّرو،
أنظر إلى اللازورد، ولا تكن كالحرباء
تلوح على الحائط صعوداً ونزولا.
1912-8
*جمع سليل. وسليل الشَّخص: ابنه، أو واحد من نسْله.
5- بدوي
وراء البحر الميت- غبار القمح
وبالكاد تتراءى الجبال. ساعة الظهيرة، الغداء.
حَمَّمَ الفرسَ في نهر الأُردن وقعدَ يُدخن.
الرّمل كعسلٍ دافئ.
وراء البحر الميت، في الضباب المشمس،
ينساب السّراب. في الوادي- قيظ ونور،
وهديلُ الحمام البري. على الغرنوفي،
وعلى الدفلة- زهر الربيع الأرجواني.
وإذ هو يدمدم ناعساً، انشد؛
القيظ، الدفلة، الغرنوفي، الأثل.
قاعدٌ كما الصقر. وعن الكتف
هدلت عباءة رقطاء…
ها هو ذا الشاعر، السّالب، الراعي1.
يشعل سيجارةً- ومغتبطاً يقارن، شعرياً،
بين الدُخان الرفيع وقمم ما وراء السيديم2 .
20-08-1908
1- وتعني أيضاً الملك
2- سيديم واد في فلسطين على صلة بقصة النّبيّ لوط.
6- (تغيبُ الشمسُ، تغيبُ جمرةُ الفحم،)
تغيبُ الشمسُ، تغيبُ جمرةُ الفحم،
وراء الصحراء طيفٌ رمادي أزرق،
ينام رأس البرانتي1 ويميل. وها هي الساعة تدنو؛
نحن نودع الشمس، ننزع الأحذية
ونؤدي صلاتنا تحت السماء، ذات النجوم،
العتمة، الزرقاء، الرحيمة.
يا رعاة الصحراء، ما الذي نعرفه!
نحن، ومثل حكايات الطفولة،
نتذكر مآذنَ بلدان أهلنا.
هيا، أُيها الخالد، ابسط على الصحراء،
على مساء السماء الأزرق- الغامق
كتاب نجوم السموات- قُرآننا!
وبعد أن نُحني الركاب،
نغمض العيون في ذعر عذب،
ونتيمم بالتراب الأكثر برودة.
ونرفع الصوت، ومع الدعاء
نطفحُ أمامك في الغبار،
مثل موجة على شاطئ البحر.
1- برانت قبيلة تركية رحالة.
* باحث وأُستاذ جامعي روسيا
ترجمة: ناظم مجيد حمود