القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية المعززة وحدها تُمكّن اسرائيل من مواجهة العواصف الآتية والتوصل لتسويات سلمية حقيقية عندما يحين الوقت

حجم الخط
0

نتعرض في الاونة الاخيرة لموجة من الابداع السياسي، والمشاريع الكثيرة التي تطرح للتسوية الدائمة ومن ضمنها مشروع الرئيس شمعون بيريس الذي تبوأ مكانه الي جانب مشروع رامون والي جانب مشروعي تسيبي لفني وايهود اولمرت.

لم نشهد أبدا مثل هذه الوفرة من المشاريع التي تراهن علي وضع نهاية للصراع، وفي بعض الاحيان يبدو أنه كلما أصبحت الظروف السياسية والواقع أشد صعوبة ووطأة من ناحية احتمالية التوصل الي التسويات، كلما تزايدت الدافعية واقتراح البدائل الجديدة. بما ان اغلبية مؤيدي هذه المشاريع يعترفون بأنفسهم بأنها بعيدة عن ارض الواقع وغير ذات صلة بالواقع الراهن، ما زال السؤال الذي يُسأل دوما مطروحا: ما الذي يدفعهم رغم ذلك الي صياغة الخطط وتسريبها وكأنها جديدة حديثة.

من الممكن أن يكون الدافع الأساسي هو دافعية تصالحية تغذي الخطط الجديدة في كل مرة، هذه الخطط التي تفرط في التنازلات أكثر من سابقاتها. وهكذا يعود الآن الرئيس الي خطة جنيف التي أوغلت في تنازلاتها. منطق هذه الدافعية التصالحية واضح وهو سائد بصورة خاصة عند من يعتقدون ان اسرائيل هي الجانب المعتدي أصلا وان الاحتلال هو أساس كل الخطايا. لذلك ما لا يمكن تحقيقه من خلال التنازلات المفرطة سيتحقق بالتأكيد من تنازلات أكثر تفريطا.

ولكننا قد شهدنا جميعا قصر عمر هذه الدافعية.

هناك ايضا ادعاء يقول بأن الوضع القائم ليس مسألة لا يمكن تحملها، وأن من الضروري ملء الفراغ بالأفكار حتي لا يبقي هناك فراغ سياسي. من هنا تأتي دافعية الفعل التي تدعي بأن من الممكن تصنع حدوث نشاط يُشغل الجميع حول بضاعة قديمة ومرفوضة، علي سبيل المثال، المبادرة السعودية.

وهناك أخيرا الدافع الأكثر هزلية من بين كل الدوافع والذي يُعوّل علي ان المخلوقات علي الارض تحتاج الي الأمل الذي يثير الآمال حتي لو كانت فارغة، ليقطف الثمن السياسي المترتب علي ذلك. أضرار مثل هذا التفكير ما زالت حية في أذهاننا من الماضي القريب والبعيد.

مع ذلك، الشعور بعدم وجوب التسليم بغياب الفعل هو مسألة صحيحة بالتأكيد. من الضروري التحرك، إلا ان الفعل المطلوب ليس بث خطط وهمية هذيانية، لا يوجد لها شريك حقيقي. كما أن الفعل يجب أن لا يكون تجندا من اجل تعزيز قوة الخصم الفاشل من خلال الاعتقاد بأنه سيتحول الي شريك بعد ذلك. العمل المنطقي الوحيد الذي نمتلكه كله في أيدينا هو ذلك الذي يرمي الي تعزيز وضعنا نحن.

اسرائيل مطالبة بتعزيز قوتها حتي تتمكن من مواجهة الهزة التي تقترب منها. هناك الكثير مما يمكن فعله، وادراك ذلك بحد ذاته هو مدعاة للتفاؤل. وحدها أوضاع العجز وانعدام امكانية الفعل، هي التي تتسبب باليأس. عندما يكون هناك مجال واسع للفعل والعمل، ليس من الممكن عدم النظر الي ذلك كتحدٍ ايجابي.

لم يتبق أمام اسرائيل إلا أن توجه جهودها وطاقاتها نحو الداخل لتعزيز عناصر قوتها والخلاص من الدونية السياسية التي وقعت فيها، وتحسين مميزاتها النوعية والعسكرية في مواجهة الخصوم. التعاظم المطلوب يجب ان يحدث في كافة المجالات والمسارات. وزير الدفاع ايهود باراك، قد تحدث منذ حين عن الأمور المختلفة في قدراتنا العسكرية التي يتوجب الارتقاء بها وتطويرها. كما ان لجنة بروديت قد أحسنت صنعا عندما طالبت بزيادة الميزانية الأمنية متعددة السنين. جيش الدفاع وجهاز الأمن سيضطران اذا الي زيادة نجاعتهما وقوتهما، اذا كنا ننوي الاستجابة الملائمة عسكريا واستراتيجيا للتحديات التي تواجهها الدولة.

ولكن تعزيز قوة الجيش والأمن ليس كافيا. هناك ضرورة لتعزيز الاقتصاد في المقابل، ليس فقط من اجل زيادة الأرباح والرفاه والازدهار وانما كذلك من اجل تمويل القوة العسكرية المطلوبة. هذا ما أوضحه مثلا بنيامين نتنياهو قبل اسبوع خلال لقائه مع اعضاء الكونغرس الامريكيين الذين زاروا البلاد: حث الاقتصاد من خلال الاصلاحات الهيكلية الجديدة هو الذي يُتيح تعزيز عناصر القوة الاخري المطلوبة لتوفير المنعة القومية، كجهاز التعليم مثلا.

الجهود المطلوبة تستوجب السرعة والاستعجال القومي، اللذين لا يمكن ان يتوفرا من خلال بث الشعور بأن الامور تسير كالمعتاد ومن خلال طرح المشاريع السياسية الوهمية. يبدو أن سياسة الوحدة القومية فقط من خلال الشعور بالاستعجال والطواريء، هي التي تتيح شد العزيمة والقوة المطلوبة.

القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية المعززة هي وحدها التي تُمكّن اسرائيل من مواجهة العواصف الآتية، والتوصل الي تسويات سلمية حقيقية عندما يحين الوقت.

عوزي ارادكاتب في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 12/8/20

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية