القول شعبي والفعل نخبوي: أومبرتو إيكو

من التساؤلات الجوهرية التي تشغل جموع المثقفين والراغبين في الإسهام في رقي المجتمعات هي: هل يجب أن يكون العمل الأدبي والنقدي مكتوبا بأسلوبٍ يفهمه العامة والخاصَّة؟ أم يجب ألَّا يكون العمل سهل الفهم وغارقا في الإغراب حتى يكثر تأويله وتُثار حوله الأقاويل؟ ومن ناحية أخرى، هل تنطبق المعايير نفسها على العمل الفلسفي؟
وللإجابة على ذلك ينبغي معرفة أن الأعمال الفلسفية ذات طبيعة خاصة؛ لأنها تنبع من عقول ناقدة قارئة، سَهُل عليها فهم أشد النصوص تعقيدا، ولذلك فإن إنتاجهم الفكري الفلسفي يضاهي درجات فهم الموضوعات، لكن لا يعني ذلك أن أعمال الفلاسفة لا يمكن للعامة فهمها؛ بل على العكس، فإنها تخاطب جميع المستويات، لكن قد يلتبس على العامة أو يغيب عنهم بعض الأفكار، في حين يمكنهم فهم الأطُر الأساسية للموضوعات. وهذا الأمر ينطبق على الأفكار الفلسفية والنقدية في جميع دول العالم، لكن مصدر الاختلاف أو الصعوبة يكمن في الحديث عن حضارة لها إشاراتها الضمنية ورواياتها الشعبية وخلفيات قد تكون بعيدة كل البعد عن ثقافة وحضارة القارئ.
بيد أنه قلَّما ينطبق المنظوران على كاتب ومفكِّر واحد، ومن هؤلاء الفيلسوف ومؤرِّخ القرون الوسطى وعالم السيموطيقا والروائي والناقد الثقافي والمعلِّق السياسي والاجتماعي البروفيسور الإيطالي أومبرتو إيكو Umberto Eco (1932-2016) الذي كان أيضا موهوبا في تعلُّم اللغات فور سماعها، وكانت له من الآراء النقدية والفلسفية التي استطاعت لفت أنظار المجتمع العلمي والفلسفي العالمي. ولقد أثرى إيكو الساحة الفلسفية بآرائه في النظرية النقدية؛ وأحد أهم إسهاماته، كتابته العديد من المقالات التي تتناول نظريته عن «العمل المفتوح» (1962) التي يجادل فيها أن النصوص الأدبية ينبغي أن تصبح مجالا للمعنى مفتوحة، لكن يشترط أيضا في ذلك أن تكون ذات ديناميكية داخلية وملتزمة نفسيا، على عكس الأعمال الأدبية السائدة التي أصبحت مجرَّد سلاسل للمعنى؛ حيث أنها تحصر فهم المرء في سطر واحد ذي معنى محدد، وهي بهذا تحصر مجال الاحتمالات والتأويل. وتلك الأعمال هي عبارة عن نصوص مغلقة لها هدف ونتيجة محددة، وبذلك تصبح مكافأتها للفكر محدودة. على النقيض، فإن النص المفتوح يمتاز بالحيوية؛ لأنه يزجي الفكر ويعمل على تحفيز العقل للربط بين النص والمجتمع والحياة بوجه عام.
وفي عام 1964 واصل إيكو استكشاف الثقافة الشعبية من خلال تحليل ظاهرة الاتصال الجماهيري، والإعلام من منظور سوسيولوجي، الذي تطوَّر لديه بعد محاولة سبر أغوار الثقافة المرئية، التي غزت العالم حينها، واستخدم في ذلك مصطلح «حرب العصابات» الذي أطلقه على كل أنواع الاتصال المرئي؛ فهناك حرب العصابات التي تشنَّها الإعلانات، لما لها من قدرة على تغيير ثقافات أمم؛ بسبب ما تحتويه من رسائل ضمنية قد تعمل على تدمير شعوب. أضف إلى ذلك، تعرَّض نقده الاجتماعي إلى ظاهرة «حرب عصابات التلفزيون» والمقصود بها استخدام كاميرات الفيديو خارج استديوهات التصوير، والعمل على تسجيل أفلام وثائقية من خلال التصوير في الشوارع بطريقة تلقائية، علما أنه بدأ الكتابة عن حرب عصابات الاتصال المرئي في (1965-1975) التي لم يستبشر فيها خيرا من الرسائل الإعلامية الموجهة التي قد تؤدي إلى خلق حالة من التشويش الثقافي ونشر الكثير من الزيف والأكاذيب لدرجة الإيمان. ومن الواضح أن تعليقه على الثقافة المرئية من ذاك المنظور كانت صائبة، فتأثير الثورة التكنولوجية على الاتصالات المرئية قد عمل بالفعل على تغيير المجتمعات، وعلى نشر كم هائل من المعايير والقيم الزائفة والمدمرة. وبسبب آراء أومبرتو إيكو النقدية والفلسفية القيِّمة، أصبح أحد المعالم الثقافية البارزة في إيطاليا؛ لأنه استطاع أن يحفر اسمه بين الأسماء الغربية البارزة في المجال نفسه.

لقد استطاع أومبرتو إيكو، أن يوحِّد في جميع ألوان كتاباته عوالم صغيرة ببراعة لا يماريه فيها أحد من أسلافه، لكنه في الوقت نفسه قدَّم نصوصا مفتوحة لكل المستويات، على نقيض الغارقين في الإغراب النقدي بألفاظ طنانة، لكنها في حقيقة الأمر قعقعة لا طائل منها، لأن الهدف الوحيد من كتابتها بذلك الشكل هو إضفاء هالة زائفة من الثقافة التي لا أساس لها من الصحَّة.

واهتمامه بالقرون الوسطى والتأريخ للثقافة الشعبية كان جليّا في ما كتبه من روايات؛ فقد اهتم بإعادة إحياء القصص الشعبية التي بنيت عليها الحضارة الغربية، والتي كانت سائدة خلال حقبة العصور الوسطى، لما لها من أهمية تراثية، تكشف النقاب عن كيفية تطور الحضارة الغربية، وكذلك تميط اللثام عن أنماط الفكر السائدة في ذاك الوقت، بالإضافة لذلك، فإن اهتمام إيكو بالقصص الشعبية ينجم من الإيمان بأن التاريخ ما هو إلَّا لوح كبير يشتمل على قطع صغيرة من القصص، وتجميعها بهذا الشكل يصنع أعظم ألوان السرد التاريخي. وكما يؤمن إيكو، وكذلك جميع المشتغلين في مجال التأريخ والنقد الأدبي، فإن القصص الشعبية والأساطير هي عبارة عن سجلَّات ومعلومات عن الأسلاف لم يستطع تدوينها أحد. ففي الماضي، كان التأريخ يوضع في الميزان مع الأساطير، وجميعها حكايات تحتوي على خلاصة حكمة الأسلاف، انتقلت لنا من خلال القصّ الشفاهي، وأمَّا التاريخ الذي انتقل لنا من خلال النصوص المكتوبة، فقد حفظته جدران المكتبات والأديرة، على الرغم من أن التاريخ المذكور بها يشتمل على الكثير من الأكاذيب التي تحوِّل حدثا عاديا إلى تاريخ جلل قد تقف عنده البشرية.
وروايات إيكو تعد بوتقة وتعبيرا صريحا لأفكاره السيموطيقية والنقدية والفلسفية والتاريخية، ولعل رواية «باودولينو» Baudolino (2000) خير دليل على ذلك؛ فالرواية تحكي عن مغامرات رجل يدعى «باودولينو» عاصر القرن الثاني عشر الذي تميَّز بتزايد النزعة المسيحية، التي صاحبها انتشار الأساطير. ورواية «باودولينو» هي نص مفتوح يمكن تأويله حسب أنماط مختلفة، وكذلك يمكن قراءته على عدَّة مستويات. فالمستوى الظاهري يتناول قصة حياة الفتى «باودولينو» الذي باعه والده، وكان محظوظا أن اشتراه الإمبراطور الروماني المقدَّس فريديريك بارباروسا Frederick Barbarossa الذي حكم إيطاليا وألمانيا، فقام بتعليمه وإرساله للجامعة لما وجد به من ألمعية واضحة، وأهمها أنه قادر على تعلُّم اللغات فور سماعها. لكن «باودولينو» يؤكِّد أنه يكذب كثيرا وأن ما يسرده من مغامرات تختلط فيها الحقيقة بالخيال، وإيكو بذلك يشير إلى أن كتب التاريخ تحتوي على حقائق مشوبة بالأكاذيب. أمَّا المفارقة الكبرى فهي أن «باودولينو» البالغ من العمر حين بدأ الرواية فكان 49 عاما، قد جعل مهمته إنقاذ مؤرِّخ شهير يعمل في بلاط الإمبراطور، وذلك خلال زمن الحملة الصليبية الرابعة، التي بدلا من أن تتوجه لدول الشرق لتحارب المسلمين وتُعلي من شأن المسيحية، قامت بحصار القسطنطينية التي كانت تدين بالمسيحية، وعملت على نهبها. وبتلك النبرة الساخرة الجليَّة من تلك الحملة والتي توضح أن أهداف تلك الحملات لم تكن دينية، أو بالأحرى تُدِينْها، تسري أحداث القصة في إطار كوميدي يثير حيرة القارئ العادي. وأمَّا على مستوى النخبة، فالنص شديد التعقيد لما يحتويه من إشارات ضمنية كثيرة لشخصيات تاريخية حقيقية وأخرى مستمدة من القصص الشعبية والأساطير في العالم الغربي، وكل ذلك يمتزج بشخصيات خيالية اختلقها إيكو ليثير أكثر حيرة المثقَّف الذي قد يقف طويلا أمامها ويعتقد أنها بالفعل أساطير تاريخية، حيث إنه من الصعب الإلمام بجميع الإشارات التاريخية والقصص الشعبية التي جمعها إيكو من حضارات غربية مختلفة، خلال العصور الوسطى دون بحث وتنقيب، وهو في ذلك يضاهي بطل قصته «باودولينو».
لقد استطاع أومبرتو إيكو، أن يوحِّد في جميع ألوان كتاباته عوالم صغيرة ببراعة لا يماريه فيها أحد من أسلافه، لكنه في الوقت نفسه قدَّم نصوصا مفتوحة لكل المستويات، على نقيض الغارقين في الإغراب النقدي بألفاظ طنانة، لكنها في حقيقة الأمر قعقعة لا طائل منها، لأن الهدف الوحيد من كتابتها بذلك الشكل هو إضفاء هالة زائفة من الثقافة التي لا أساس لها من الصحَّة.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية