عام 1920 أعلنت مملكة فيصل العربية في دمشق. وفي نفس العام أعلن مصطفى كمال أتاتورك إنهاء الخلافة الإسلامية، فانقطع دابر القوم الذين يرومون الإصلاح ضمن إطار الوحدة الإسلامية وفي نفس العام تم تقاسم المشرق العربي بين بريطانيا وفرنسا باتفاقية سان ريمو، دعمت بريطانيا مشروع فيصل القومي وارتأت فيه مكسباً استراتيجياً يفصل العلاقة بين العروبة والإسلام، أي يفصل وحدة المصير بين المستعمرات البريطانية في الهند والشعوب العربية بالإضافة إلى أن العائلة الهاشمية المتصدرة لقيادة المشروع القومي كانت تحت النفوذ البريطاني حالها حال أغلب النخب المناوئة للانتداب الفرنسي على سورية.
أما فرنسا التي سعت لترسيخ وجودها عبر الامتيازات التي حصلت عليها منذ القرن السابع عشر لحماية المسيحيين وخاصة الكاثوليك في بلاد الشام من السلطنة العثمانية، فقد حقق لها الانتداب الهيمنة المباشرة لتحقيق مشروعها بفصل العروبة عن الإسلام وتفتيت بلاد الشام إلى دول طائفية، مارونية في جبل لبنان، درزية في جبل العرب، علوية على الساحل الشمالي، ودولة دمشق وحلب ذات الأغلبية السنية مع سن قوانين تشريعية واجتماعية أضعفت الزعامة الدينية الإسلامية، واقتصادية أدت إلى تفتيت بنيتها التحتية المادية (الأوقاف) وضرائب أعطت طبقة الكومبرادور المسيحي امتيازات اقتصادية وجمركية سمحت لهذه الطبقة بضرب الصناعة الوطنية وأصبحت ممثلة لرؤية وثقافة المستعمر الفرنسي. الصراع البريطاني – الفرنسي على النفوذ، المعزز بالطموحات الهاشمية، وجدت في الحالة الوطنية المناوئة للانتداب امتدادها التاريخي والطبيعي، وتلاقت مع النخب المطالبة بالاستقلال بعيد عن النفوذ الهاشمي، مع حرص فرنسا على عدم الظهور باكثر من دولة منتدبة، وحريصة على تطبيق مبادىء الانتداب المستمدة من مبادىء ويلسن، مما دفعها، الى البحث عن نخب تستطيع التاثير في الشارع، ولا تشكل حالة راديكالية تجاهها كقوة منتدبة.
فيما لم تجد القوى الإسلامية أي تناقض بينها وبين القيادات الوطنية كمشروع وطني للتحرر من الاستعمار، فشكلت رديفا داعماً لهذه القوى وفوضتها لقيادة المشروع الاستقلالي.
في 17/4/1946 استقلت سورية باسم الجمهورية العربية السورية، بإرث من مؤسسات وقوانين صممت لخدمة الانتداب، وبجيش قوامه الأساسي جيش المشرق والدرك اللذان هيئا إيديولوجياً وركبا من الأقليات لضرب حركات المقاومة وقمع النضال ضد الفرنسيين.
دخل هذا الجيش ممثلا للجمهورية السورية المستقلة حديثا في جيش انقاذ فلسطين (1948) الذي كان تحت إمرة قائد الجيش الأردني (غلوب باشا) الضابط البريطاني لينجلي غبار المعركة عن تحقيق المشروع المتفق عليه بين الحركة الصهيونية والإمبراطورية البريطانية وليتوج الأمير عبد الله ملكاً بضم الضفة الغربية إلى إمارة شرق الأردن وتصبح المملكة الأردنية الهاشمية في الشرق ودولة إسرائيل في الغرب.
وكان أثر ذلك على الساحة السورية اتهام العسكر للقيادة السياسية بالتخاذل أمام العصابات الصهيونية، فقام الزعيم حسني الزعيم مسؤول الدرك الفرنسي السابق في 30 /3/1949 بأول انقلاب عسكري مفتتحاً عهد الانقلابات العسكرية تحت شعار تحرير فلسطين والوحدة العربية، وابتداء اختصار الحياة السياسية الى قومية المعركة مع التغييب لحرية الاحزاب السياسية وقمع المطالب أو التحركات المطلبية، فأصبح انتقال السلطة في سورية يتم عبر الدبابات، والبيان رقم واحد من الاذاعة – قبل نعمة التلفاز – يعلن أن انقلاباً عسكرياً قومياً قد حدث، حتى الانفصال كان بيان الانقلاب الاول دعوة لتصحيح الوحدة واختصرت المؤسسة العسكرية الحاكمة بإفرازاتها الأمنية مفهوم الوطنية، فالوطني هو ما تقرر مؤسسات الدولة أنه وطني وكل منتقد لأي حالة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية فهو متهم بالتواطؤ مع الرجعية العربية أو بالعمالة للقوى الأجنبية وبأحسن الأحوال بإضعاف الروح القومية. وبقي هذا الأمر يلقى قبولاً في أغلب الأوساط الجماهيرية لأن الهم القومي كان هو الشعار السائد منذ الاستقلال ولأنه يحقق كل القضايا الحياتية إن تحقق. فلا مانع من التضحية ببعض القضايا المطلبية والذاتية في سبيل الهم القومي.
ومع إشعال البوعزيزي التونسي جسده والثورة المصرية وحركات الاحتجاج في المنطقة العربية أصبح تساؤل الجماهيري هل الهم القومي مبرر لعدم الشروع بالإصلاح الداخلي؟ وهل استطاعت الأحزاب القومية خلال هذه الفترة التاريخية إنجاز مشروعها القومي؟
لذلك إن مجمل الشعارات المطروحة في الساحات المنتفضة لا تتضمن شعارات قومية بل مطالب اصلاحية قطرية، فهل نحن أمام تراجع المد القومي لصالح القطري، وأمام بروز إيديولوجيات لا تتبنى الخطاب القومي؟
عبد الحفيظ محمد – سورية