القوميون العرب في زمن الشعوب.. عن أسباب الإرتباك

حجم الخط
0

شحاتة عوض لا أحد يستطيع المجادلة بأن ثمة حالة من الإرتباك أصابت مواقف الكثيرين من أنصار ومنتسبي التيار القومي العروبي من رياح التغيير التي تجتاح المنطقة العربية وما تشهده من إنتفاضات شعبية.

فبينما كان القوميون حاضرين ومرحبين بقوة باندلاع الثورتين التونسية والمصرية ومن أكثر المحتفين بسقوط الطاغيتين مبارك وزين العابدين، فـــان الأمر بدا مختلفا كليا عندما إنتقلت رياح الثورة إلى ليبيا ومن بعدها سوريا، فقد أخــــتفي ذلك الحماس لحق الشعوب في التغيير، في حين علا صوت الحديث عن مؤامرة خارجية تستهدف الاطاحة بانظمة الممانعة والمقاومة في المنطقة. وإرتكن القوميون في موقفهم هذا من الثورتين الليبية والسورية إلى مخاوف وشكوك اعتبروها مشروعة تقوم على أن ثمة مخططا يتم تدبيره لاعـــادة رسم خريطة المنطقــــة وتقسيـــمها مجددا. لكن هذه المخاوف التي ساقها هولاء لتبرير موقفهم من إنتفاضة الشعبين الليبي والسوري، بدت غير مقنعة للقطاع العريض في الشارع العربي لا سيما وأن هذا الموقف الملتبس ظهر مناقضا لموقفهم من الثورتين التونسية والمصرية ناحية، ومن ناحية أخرى أعتبر فاقدا لأي غطاء أخلاقي كونه ظهر مبررا لقمـــع الشعوب واستباحتها لمجرد أنها طالبت بحـــقوقها المشروعة في الإنعتاق والحرية والكرامة التي غابت طـــويلا تحت أحذية العسكر والعسس والعصابات.

وفاقم من هذا المأزق الأخلاقي أن النــــظامين الليبي والسوري بممـــارساتهما البشعة لم يمنحا أحدا من المتعاطفين معهما أي مساندة لموقفهم هذا. بيد أنه وبعيدا عن أي منطلقات أخلاقية أو مبدئية، فان حالة الإرتباك تلك التي وسمت مواقف قطاع عريض من التيار القومي من الثورتين الليبية والسورية، وهذه الإنتقائية الظاهرة في المواقف من ثورة إلى أخرى، ربما تكون مفهومة / ليست مقبولة بالضرورة/ بالنظر إلى مجموعة من الأسباب والدوافع منها:

أولا: أن رياح التغيير طالت نظامين كانا يعتبران نفسيهما من أركان القومية العربية وسدنتها، عبر ما رفعاه من شعارات وعناوين قومية، والمقصود هنا ليبيا وسوريا، ومن ثم فإن بعض القوميين في تشكيكهم في حقيقة ما يجري ومساندتهم لهذين النظامين القمعيين في مواجهة شعبيهما، إنطلق من فكرة أن المستهدف ليس نظام القذافي أو نظام الاسد ,أنما فكرة القومية العربية في حد ذاتها وما تمثله من قيم التحرر والاستقلال ومقاومة الاستعمار وأدواته، غير أن هذه القراءة تطرح سؤالا حول مدى سلامة هذا المنطق؟ في ظن كثيرين يبدو ذلك قياسا فاسدا وخطيئة كبرى، ذلك لأنه أوقع القوميين العرب الذين ذهبوا ذلك المذهب، في ورطة عظيمة في مواجهة رأي عام عربي كاسح يبدو في تلك اللحظة التاريخية منحازا كليا لقيم الحرية وكرامة الشعوب على ما عداها من قيم اخرى / على أهميتها/ . ومن هنا وجد القوميون الذين ناصروا النظامين الليبي والسوري، أنفسهم في موقف المدافع عن أعمال القمع الوحشية وجرائم القتل التي أرتكبها هذان النظامان في حق المواطنين العزل الذين لم تكن لهم من جريرة سوى أنهم تجرأوا وطالبوا بالحرية والكرامة بعد عقود من القهر والمهانة.

وزاد من ضعف حجة هذا الموقف حقيقة ساطعة مفادها أنه لايمكن لأحد مخلص لعروبته أن يرى في النظامين السوري والليبي وممارساتهما ما يمكن أن يكون تطبيقا حقيقا وأمينا لما سعى اليه وإبتغاه المؤسسون الاوائل للقومية العربية، فهذان النظامان إرتكبا من الأخطاء والخطايا باسم القومية العربية والمقاومة ما لا يمكن حصره وانتهى كلاهما من نظام قومي يفترض أن يكون معبرا عن الشعوب وتطلعاتها وملتحما مع نبض الشارع إلى نظام إقرب إلى تنظيم العائلة أوالعصابة أوالشركة / أختر ما شئت منها/ . ثانيا: أما العامل الاخر لحالة الارتباك التي أصابت بعض القوميين العرب فكان عقدة الغزو الامريكي الغاشم للعراق الذي إستباح هذه الدولة العربية المركزية وأسقط نظامها السياسي الذي كان أحد أهم عناوين القومية العربية، تحت شعارات الحرية والديمقراطية وهي نفس الشعارات التي ترفع في اللحظة الراهنة وهنا ربما يمكن تلمس بعض العذر أو الكثير منه / حسمبا شئت/ بالنظر إلى الكوراث الكبرى التي حلت بالعراق والجرائم التي اإرتكبت فيه باسم الديمقراطية.

وقد كان حضور الغرب بآلته العسكرية المتمثلة في حلف الاطلسي في المشهد الثوري الليبي عاملا إضافيا لانصار التيار القومي لاستدعاء المشهد العراقي مجددا والتحذير من أن ما يحدث هو تكرار لما تعرض له العراق وأن ما يراد لمعمر القذافي هو نفس السيناريو الذي تم تنفيذه في صدام حسين. وإمتد هذا القلق إلى المشهد السوري وإحتمالات تكرار السيناريو مجددا لا سيما في ضوء حالة الانسداد السياسي التي وصلت اليها الامور هناك.

إلا انه وإن كان صحيحا أن دخول حلف الاطلسي على خط الثورة الليبية أفقدها الكثير من براءتها وسلميتها، كما قال الاســــتاذ محمد عبد الحكم دياب في مقالته المهمة في “القدس العربي”، لكن هذه الحقيقة وتلك المخاوف المشروعة لدى القوميين في هذا المقام لا يجب أن تسقط حقائق اخرى مهمة منها:- أن السياق يبدو مختلفا بين السيناريو العراقي و وما جرى في ليبيا، فالتدخل الغربي هذه المرة كان محدد الاهداف والمهام وليس غزوا عسكريا صريحا كما جرى في العراق، وبينما لم يكن هناك غطاء قانوني لاحتلال العراق، فان تدخل الاطلسي في الثورة الليبية جاء بغطاء قانوني عربي لمجلس الامن.

وإذا اضيف إلى ذلك بالغطاء الأخلاقي وهو حماية المدنيين من حرب أبادة أعلنها القذافي صراحة على شعبه، فإن ذلك ربما يفسر غياب أي رد فعل ملموس في الشارع العربي ضد التدخل الغربي في ليبيا على عكس ما حدث مع العراق.-أن حجم الجرائم التي ارتكبها نظام القذافي أوالتي كان سيرتكبها في حق شعبه والتي كان ستصل الى حد الابادة وغياب أي قدرة للعرب على منع هذه المذبحة بحق الشعب الليبي، ربما تبدو كافية من الناحية الاخلاقية لتبرير الإستعانة بحلف الناتو للقيام بهذه المهمة في حماية الشعب الليبي، مع التأكيد على أن ذلك لا يعني أن يصبح تقليدا أو حتمية تاريخية ينبغي تكرارها عند كل أزمة، ولعل هذا ما يبدو واضحا فيما يخص الثورة في سوريا، فلا أحد يطالب بالتدخل الخارجي رغم حجم الجرائم التي يرتكبها النظام بحق الشعب السوري.-أن الثوار الليبيين وعناوينهم السياسية، في غالبيتهم، يبدون أكثر حسما في مواقفهم / المعلن منها على الأقل/ في رفضهم لأي وجود عسكري غربي على اراضي ليبيا وفي تأكيد حرصهم على إستقلال القرار والارادة السياسية الليبية من أي ضغوط خارجية، ومع ذلك يبقى هذا رهن الاختبار العملي في الفترة القادمة ما بعد سقوط القذافي.

ثالثا: الدافع الاخر لهذا الموقف من جانب بعض منتسبي التيار القومي من الربيع العــــربي، يعود إلى الصعــــود اللافت للتيار الاسلامي وتصدره للمشهد في الدول التي شهدت وتشهد انتفاضات شعبية، على الرغم من حقيقة أن هذا التـــيار ليس صاحب الفضل في هذه الثورات التي تجاوزت فيها الشعوب كل العناوين والقوى السياسية بما فيها الاسلاميــــة. . حدث ذلك في مصر حيث يتــــقدم الاخـــوان المسلمون صدارة المشهد السياسي، والامر نفسه في تونس وصعود حركة النهــــضة، والشــىء ذاته في ليبيا حيث لعب الثوار الاسلاميون دورا مــــهما، والأمر عينه في اليمن وسوريا على الطريق. ومن هنا فإن هذا الصعود لدور الاسلاميين في الثورات العربية إذا اضفنا اليه تاريخ العلاقة بين التيارين القومي والاسلامي وما يحمله من عدوات وخصومات بل وثارات أحيانا، فان ذلك يشكل سببا منطقيا لحالة التوجس والمخاوف التي يبديها القوميون من هذه الانتفاضات العربية.

رابعا: لا شك أن الدور التركي المتعاظم وإنغماس تركيا الاردوغانية الظاهر في ملفات المنطقة الساخنة وما لعبته أنقرة في ليبيا باعتبارها عضوا فاعلا في حلف الاطلسي وما تقوم به حاليا في الملف السوري، يثير مخاوف وهواجس عميقة لدى كثير من القوميين العرب ويثير في الذاكرة أحداثا وحقائق تاريخية هي أن القومية العربية كانت في أصل نشأتها موجهة ضد الاستعمار التركي للبلدان العربية، ومن هنا فان هذا التأييد التركي اللافت للثورات الشعبية العربية لا سيما في ليبيا وسوريا، ورغبة تركيا الظاهرة في تعظيم نفوذها في هذه المنطقة التي تبدو في هذه اللحظة بدون عنوان أو قائد حقيقي، كل ذلك يقدم سببا أضافيا لمخاوف القوميين العرب وشكوكهم تجاه كل ما يجري من إنتفاضات وثورات، وهي شكوك تدفعهم لحد الاعتقاد بامكانية عودة الامبراطورية العثمانية للعالم العربي تحت عناوين جديدة. خامسا: لا يجب أغفال حقيقة أن الحريات السياسية لم تكن أولوية لدى التيار القومي فكرا وممارسة منذ نشأته، حيث كان أكثر انحيازا واعجابا بالتجربة البسماركية الالمانية في أوربا ومن ثم فإن الاولوية وفقا لهذا المنظور هو بناء وتوحيد الأمة وإمتلاك كل أدوات القوة التي تمكنها من الدفاع عن مصالحها ومكانتها في مواجهة المخاطر والتحديات. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا ظهر كثيرون من القوميين العب غير قادرين على إستيعاب صرخات الشعوب المطالبة بالحرية والكرامة، وبدا الامر بالنسبة لهم جزءا من مؤامرة كبرى وليس تغيرا جذريا في أمزجة وأولويات الشعوب التي باتت تضع قيم الحرية والكرامة الانسانية في صدارة مطالبها.

هذا التباين في ترتيب القيم وأولوياتها ربما يساهم في تفسير حالة الالتباس في موقف بعض القوميين من ربيع الثورات العربية، غير أن العلاقة بين الفكر القومي ومفهوم الاستبداد هي أحدى النقاط المهمة جدا والتي لا يتسع المقام هنا للافاضة في الحديث عنها ومن ثم فان هذا الموضوع ربما يكون محور مقال قادم بإذن الله.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية