القوى الإقليمية التي أشعلت الحريق الليبي تمنع رجال الإطفاء من إخماده

رشيد خشانة
حجم الخط
0

تطرح الانتصارات التي حققتها قوات حكومة الوفاق أسئلة عن مآل الصراع العسكري مع قوات حفتر، ومدى تأثير محاولات استئناف الحوار السياسي في الحد من تدهور الوضع العسكري.

الأرجح أن الأعمال الحربية ستستمر، لمنع قوات حفتر من التقاط أنفاسها ومعاودة تنظيم صفوفها، بُغية منع سقوط مدينة سرت في أيدي قوات الحكومة الشرعية. وترتدي سرت أهمية خصوصية، لكونها ظلت مؤيدة لمعمر القذافي خلال انتفاضة 17 شباط/فبراير 2011 ما يعني وجود حاضنة اجتماعية لقوات الجنرال حفتر، وهو أحد الأسباب التي تفسر طول المعركة من أجل السيطرة عليها. إلا أن الخبير العسكري محمود مزوغي أكد أن حرب المدن مُعقدة وصعبة، بسبب وجود أحياء آهلة بالسكان. واعتبر أن أحد العناصر التي جعلت حملة حفتر على طرابلس تُخفق، بعد أربعة عشر شهرا من القصف الجوي والمدفعي، الخسائر الكبرى في صفوف المدنيين، وما أثارته من احتجاجات وإدانات دولية.

وأوضح العميد المتقاعد مزوغي لـ”القدس العربي” أن ميزان القوى العسكري كان متكافئا نسبيا بين الطرفين خلال حصار طرابلس، إلا أن دخول تركيا الحرب بكل ثقلها، قلب ميزان القوى العسكري لصالح حكومة الوفاق. واعتبر أن “الطرف المقابل لم يستشرف مستقبل معركة طرابلس ولم يستعد للتكيُف مع تغيير الموازين العسكرية، في أعقاب ميلان الكفة لصالح خصمه الوفاق”. وعلى الرغم من أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أعلنت الأربعاء انخراط وفدي حكومة الوفاق وحفتر بشكل كامل في الجولة الثالثة من محادثات اللجنة العسكرية المشتركة (المعروفة بـ5+5)، فإن القتال لن يتوقف على الأرجح، لأن القوى الإقليمية التي أضرمت الحريق الليبي ستمنع رجال الإطفاء الألمان من إخماده. وهذا ما لاحظته بعثة الأمم المتحدة للدعم، التي أكدت أن التقارير التي تلقتها، أظهرت “تحشيدا وتصعيدا في مدينة سرت وما حولها” ما يثير قلقها الذي تعمق بعد الكشف عن المقابر الجماعية التي تركتها قوات حفتر بعد انسحابها من ترهونة.

من هنا ربما تكون معركة سرت غير قصيرة، لأن معارك المدن شائكة ومعقدة، وتُسبب ضحايا كثرا بين المدنيين. وإذا ما استطاعت قوات “الوفاق” استعادة المدينة، فإن السؤال الذي يُطرح هو التالي: هل ستُكمل الطريق إلى بنغازي؟ وجواب الخبراء العسكريين أن السير نحو عاصمة برقة، لن يكون سهلا بسبب طول المسافة (أكثر من 700 كلم)، الذي سيجعل خطوط التموين والإمدادات صعبة، وسيُنهك الجُند، فضلا عن العقبة المتمثلة بالكثافة السكانية. وهذا يعني أن مسودة اتفاق وقف إطلاق النار، الذي قدمته بعثة الأمم المتحدة إلى الطرفين في 23 شباط/فبراير الماضي، يمكن أن تبقى حبرا على ورق. ويتوقع مزوغي أن تكون معركة بنغازي عسيرة لثلاثة أسباب أولها أن القوى الإقليمية التي تقف وراء حفتر لن تقبل بسهولة بالهزيمة، بعدما استثمرت الكثير في مشروعه، وثانيها أن قوات حفتر ستسعى إلى التقاط الأنفاس من أجل إعادة تنظيم صفوفها، أملا بوقف الهروب الكبير، وثالثا لأن بنغازي قريبة من الحدود مع مصر، بما يجعل الأخيرة قاعدة خلفية تعتمد عليها قوات حفتر لمجابهة قوات “الوفاق” المدعومة تركيًا. وقد تستدرج قوات حفتر القوات الموالية لـ”الوفاق” إلى المنطقة الشرقية، حيث توجد أكبر القواعد التي يسيطر عليها حفتر، لإحداث انقلاب في مسار الحرب.

استرجاع الحقول والموانئ

بموازاة المسار العسكري الذي أبقى زمام المبادرة حتى الآن، بيد “الوفاق”، وجدت حكومة السراج نفسها أمام تحدٍ كبير يتمثل بحاجتها لاستعادة الحقول والموانئ النفطية من قوات حفتر. لكن ما أن أعلنت “مؤسسة النفط الوطنية” (قطاع عام) إعادة فتح حقلي الشرارة، وهو أكبر الحقول الليبية بـ300 ألف برميل في اليوم، والفيل بـ70 ألف برميل في اليوم، حتى اقتحمتهما جماعة مسلحة وسيطرت عليهما مجددا. وتدخل السفير الألماني لدى ليبيا في الأمر، إذ أثار الموضوع في سلسلة من اللقاءات المنفصلة جمعته، في الأيام الأخيرة مع حفتر وعقيلة صالح. وصرح السفير إثرها بأنه تبادل وجهات النظر معهما حول متابعة مؤتمر برلين و”سبل رفع الحصار عن البنية التحتية النفطية ليستفيد منها كافة الليبيين”. وتُعتبر معاودة تصدير النفط من أهم الأولويات لدى حكومة الوفاق حاليا لإفشال خطة الخنق المالي، إذ يُقدر خبراء اقتصاديون ما خسرته في أعقاب 142 يوما من الحصار، الذي كان مضروبا على الحقول والموانئ بأكثر من ستة مليارات دولار.

هدف روسيا

ارتدت المعارك التي تكسبُها قوات حكومة الوفاق الليبية، مُتقدمة نحو الشرق، وخاصة إذا ما استعادة مدينة سرت وقاعدة الجفرة، أهمية كبيرة، لأن استرجاعهما يقطع الطريق أمام آمال موسكو بإقامة قواعد فيهما، مثلما يُخطط الروس. وأكد بيان أصدرته حكومة الوفاق في الأيام الأخيرة، لإيضاح أسباب اعتقال الروسيين مكسيم شوغالي وسامر سعيفان، أن “الهدف الإستراتيجي للعمل الجاسوسي هو الظفر بقاعدة عسكرية روسية في ليبيا، ومنع الولايات المتحدة من إقامة قاعدة لها، والسيطرة على صناعة البترول والغاز الليبي” حسب البيان. ويعمل شوغالي وسعيفان في شركة “فلفسكي استروف” المملوكة لرجل الأعمال الروسي يفغيني بريفوجين، صاحب الشركة الأمنية “فاغنر” والصديق الحميم لفلاديمير بوتين.

أما الخاسرون في الحرب، من مصر إلى الإمارات إلى فرنسا، فيخشون من استثمار تركيا تفوقها العسكري في ليبيا، للمضي في تنفيذ مشروع التفتيش عن النفط والغاز في شرق المتوسط. وأبدى خبراء ومحللون غربيون، وخاصة في فرنسا، مخاوف كبيرة من “تحويل المتوسط إلى بحيرة تركية”، بالنظر للعلاقات الجيدة التي تربط أنقرة بكل من الجزائر وتونس، فضلا عن إزاحتها روسا من سباق النفوذ في شرق المتوسط.

وتستثمر روسيا دعمها القوي للجنرال المتقاعد حفتر، من أجل وضع قدم ثابتة في السواحل الليبية، التي لا يقل طولها عن 1700 كلم، وهي الأطول في المتوسط، بعدما عززت حضورها في الموانئ السورية، وخاصة في قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية، المخصصة للمروحيات. وتمتلك روسيا في سوريا قاعدتين عسكريتين، الأولى هي حميميم ، والثانية قاعدة طرطوس البحرية، وهي القاعدة البحرية الوحيدة للروس في المتوسط، ولذا فهم يسعون إلى إقامة قاعدة أخرى في طبرق شرق بنغازي، القريبة من الحدود الليبية المصرية.

وكان الرئيس بوتين أصدر مرسوما، الشهر الماضي، أوعز فيه لوزيري الدفاع والخارجية الروسيين، بإطلاق محادثات مع الجانب السوري، بُغية تسليم العسكريين الروس مزيدا من المنشآت، وتوسيع حضورهم البحري في سوريا. وأتى المرسوم تكملة للاتفاقية المبرمة في آب/اغسطس 2015 بين موسكو ودمشق، والمتعلقة بنشر قطع من سلاح الجو الروسي في سوريا.

الحصاد التركي

في المقابل كسب الأتراك من وراء انتصارات حلفائهم في حكومة “الوفاق”، على أكثر من صعيد، فهم أثبتوا فعالية الأسلحة التي تم استخدامها في معركة طرابلس، والتي تفوقت على السلاح الروسي. كما أن الحرب التي حسمت مصيرها الطائراتُ المُسيرة، أظهرت نجاعة طرازي “بيرقتار” و”أنكا” التركيين اللذين سيطرا على الأجواء الليبية. وبدا البيت الأبيض مرتاحا للدور التركي في منع الروس من السيطرة على طرابلس، واستطرادا على ليبيا، مثلما رشح من المكالمة الأخيرة بين ترامب واردوغان. فبالرغم من أن اردوغان قرر خوض معركة طرابلس من دون التنسيق مع أمريكا، التي انسحبت من المسرح الليبي منذ فترة، فإن الأمريكيين لا يمكن إلا أن ينظروا بعين الرضا، لتحرير العاصمة الليبية من قبضة حفتر والروس، بدعم حاسم من تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي. وأتى الرفض الأمريكي المُبطن لـ”المبادرة” المصرية في مثابة دعم للدور التركي في الحرب. ومن غير المستبعد أن تلعب أمريكا دورا أكثر حيوية في المسار السياسي، لإنهاء الصراع، بتنسيق أكبر مع تركيا، مثلما رشح من التصريحات الأخيرة لمساعد وزير الشؤون الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر، الذي قال مُعلقا على “المبادرة” المصرية، إن واشنطن تعتبر أن العملية الأممية ومنصة برلين تشكلان إطارا أكثر فعالية (من المبادرة المصرية) لإطلاق المفاوضات من أجل تحقيق تقدم في مسألة وقف إطلاق النار.

مصر والجزائر وتونس

ولوحظ أن الموقف الجزائري لم يكن بعيدا عن الموقف الأمريكي في طريقة رفض “المبادرة” المصرية، إذ شدد الجزائريون مجددا على استمرارهم بـ”الوقوف على مسافة واحدة من الأشقاء الليبيين” وبذل الجهود في مختلف الأصعدة من أجل التوصل إلى تسوية سياسية. هل يدل بيان الخارجية الجزائرية على أن جهودا جديدة ستُبذل للسير في طريق المفاوضات السلمية؟ وهل أن هذا الموقف الجزائري متكاملٌ مع دور محتمل لدول الجوار، وخاصة تونس التي تتولى رئاسة فريق العمل الخاص بحفظ السلام، بمجلس الأمن، المختص بمتابعة سير عمليات حفظ السلام في العالم وتطويرها؟ من غير الممكن الحديث عن مبادرة آتية من دول الجوار (مصر والجزائر وتونس) لأن القاهرة تخلت عن المبادرة الثلاثية منذ فترة بعيدة، وهي منحازة انحيازا كاملا لأحد الطرفين المتصارعين، مثلما أكدت ذلك “مبادرتها” الأخيرة. وعلاوة على ذلك، حرّكت أخيرا رتلا من الدبابات إلى حدودها الغربية، ما يُشكل تهديدا لقوات الوفاق في حال استكملت زحفها نحو الشرق.

أما تونس التي كانت أيضا طرفا في المبادرة الثلاثية فاتجهت إلى مجلس الأمن مباشرة لتُقدم “مقترحات ومبادرات في شأن الأزمة الليبية”، قبل اجتماع المجلس، التي هي عضو غير دائم فيه. ويرأس الاجتماع وزير الخارجية الفرنسي جون ايف لودريان، المعروف بكونه مهندس الدعم الفرنسي، العسكري والدبلوماسي، لحفتر، منذ كان وزيرا للدفاع في عهد الرئيس السابق فرانسوا أولاند.

صفقة مع أمريكا؟

وفي ظل تباعد مواقف دول الجوار من الصعب أن يكون لها موقف موحد لدى مناقشة الأزمة، وهو وضع سيكون في صالح الأتراك والروس، الذين سيقبضون على مفتاح الحل، في إطار سعيهم المشترك لإخراج الأوروبيين من اللعبة، على غرار العلاقة القائمة بينهما في سوريا. وتحدث الرئيس التركي اردوغان، بشكل صريح، عن “إمكانية عقد صفقة مع الولايات المتحدة في ليبيا” خلال مكالمة هاتفية جرت يوم الإثنين بينه والرئيس الأمريكي ترامب. وحسب موقع “بلومبيرغ” لم تعترض إدارة ترامب على التدخل العسكري التركي في ليبيا، على أمل أن يؤدي إلى توجيه ضربة لطموحات روسيا في هذا البلد، حيث تُمني النفس بالحصول على موقع متقدم في مشاريع إعادة الإعمار، وغيرها من العقود المدنية والعسكرية مع الحكومة الليبية بعد نهاية الحرب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية