القيادات الفلسطينية في مكة المكرمة: وماذا عن القدس الشريف؟

حجم الخط
0

القيادات الفلسطينية في مكة المكرمة: وماذا عن القدس الشريف؟

صبحي حديديالقيادات الفلسطينية في مكة المكرمة: وماذا عن القدس الشريف؟الأبصار، الفلسطينية والعربية قبل تلك العالمية، شاخصة إلي مكة المكرّمة حيث تواصل قيادات فتح و حماس البحث في جنس الملائكة (أو: حكومة الوحدة الوطنية)، وأمّا أبصار العاملين علي الجرّافات الإسرائيلية فإنها شاخصة إلي محيط المسجد الأقصي، حيث الحفريات علي قدم وساق قرب باب المغاربة . الأدهي من هذا أنّ البصائر منشغلة بما سيوافق عليه، أو سيرفضه، السادة الفلسطينيون في رحاب الكعبة، أكثر من خشية الضمائر جراء عواقب الهدم الإسرائيلي في محيط الأقصي.في المقابل، لا يبدو أنّ الشارع الإسرائيلي يكترث بمباحثات مكة أكثر من اكتراثه بما تفعله الجرّافات عند باب المغاربة ، وهذا ما تشدّد عليه افتتاحية صحيفة هآرتس الإسرائيلية ليوم أمس، فتسجّل أنّ معركة باب المغاربة عند الفلسطينيين ومسلمي العالم انقلبت إلي موقعة أرماغيدون عند الإسرائيليين ويهود العالم، إذ كيف يقاوم المرء إغراء الانخراط في نزاع ديني ـ قومي يجسده جبل الهيكل، وهذا نزاع جرت مقارنته بقنبلة موقوتة ذات طاقات تدميرية قيامية ؟ ولكن، أهي مصادفة محضة هذه الصلة العجيبة بين الحرم المكّي والحرم المقدسي؟لعلها كذلك، شريطة أن نذعن إلي خصوصية عالية تكتنف هذه المصادفة اللافتة، حتي تكاد تُسقط عنها طابع التزامن العشوائي فتجعلها أقرب إلي توقيت مطابق ملائم، خير من ألف ميعاد! ذلك لأنّ الدولة العبرية لا تحتاج إلي فرصة سانحة كي تمرّر مشروع مستوطنة، أو تمدّ الجدار العازل إلي مساحة إضافية من أرض فلسطين، أو تحفر وتهدم وترمّم هنا وهناك في جغرافيا التوراة… فكيف إذا سنحت الفرصة في غمرة اقتتال الفلسطينيين تحت رايات محمد دحلان ونبيل عمرو وياسر عبد ربه وسعيد صيام وموسي أبو مرزوق ومحمد نزال؟ وكيف إذا بلغ الاقتتال حافة الهاوية فاقتضي من القيادات الفلسطينية أن تذهب إلي الحرم الشريف الأول (وتتناسي، مؤقتاً علي الأقلّ، الحرم الشريف الثاني)، فتقسم علي القرآن الكريم أنها لن تغادر ديوان خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز إلا بعد الاتفاق علي تصنيع حجر الفلاسفة (أي: تشكيل حكومة وحدة وطنية)!التاريخ يعلّمنا، مع ذلك، أنّ حجر الفلاسفة لا يُصنع إلا في شروط خاصة وفريدة وعسيرة المنال توفّرها الخيمياء، لأنها وفق الأسطورة الشائعة أعظم فاعلية من الكيمياء المعتادة، وأقرب إلي السحر منها إلي العلم، فهي تحوّل المعدن الخسيس إلي ذهب، أو تستنبط ترياق الخلود الذي يطيل العمر إلي ما لا نهاية. وذات يوم غير بعيد أعلن ميرون بنفنستي، الكاتب والمؤرخ الإسرائيلي ـ الليبرالي، كما يحلو له وصف نفسه ـ أنه ما من خيمياء عتيقة أو جديدة يمكن أن تجترح معجزة لتقسيم القدس بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولا مناص من تطبيق علوم أكثر حداثة وأوسع نطاقاً وأبعد أثراً. وبالطبع، كان بنفنستي الليبرالي يسير حذو أيّ متدّين إسرائيلي أو متشدد ليكودي في تجاهل الحقيقة الأبسط بكثير من هذا كلّه: أنّ القدس مدينة محتلة، وليس استنهاض المعجزة الفلسفية الأسطورية هو الأنسب لحلّ وضعها الدنيوي البشري العالق المتفجّر.وفي أهمّ أعماله عن مدينة القدس، كتابه مدينة الحجر: تاريخ القدس الخفي ، اعتبر بنفنستي أن صهيونية الفلسطينيين شبيهة بصهيونية الإسرائيليين من حيث الإصرار علي ذاكرة القدس بوصفها مدينة الفردوس المفقود: كلا الصهيونيتين تتصارعان من أجل الهوية، وتقيمان الحداد علي الكارثة الفاجعة، ولا تمييز عندهما بين الديني والسياسي، وبين السلام عموماً وسلام القدس منفرداً. والنتيجة؟ يقول بنفنستي: إما أن يكون السلام، وإما أن تكون القدس. ولا مجال للحصول علي الإثنين معاً . ولكنّ الرجل كان نائب عمدة القدس الأسبق تيدي كوليك، وكان بذلك علي إطلاع تام ويومي بكلّ تفاصيل عمليات التهويد، وليس من الإجحاف القول إنّ كتابه أشبه بوثيقة نعي لتاريخه الشخصي في مجلس بلدية القدس، وإشهار لعجزه عن تفكيك العلاقات الداخلية المعقدة لضغط التاريخ علي الجغرافيا في مدينة لا ينقلب فيها حجر دون أن يثير معضلة تاريخية.والحجر هنا ليس من نوع المعادن الخسيسة التي يحلم الخيميائيون بتحويلها إلي ذهب (أو إلي سياسة، وحلول، وتسويات)، بل هو بالضبط ذلك الحجر التاريخي العتيق الذي يستعصي علي كامل عمليات الخيمياء والكيمياء والسيمياء: الحجر الأثقل في معادلات رسم نهاية سعيدة للصراع العربي ـ الإسرائيلي، والحجر الوحيد الذي لا ينقلب إلا لكي يفتح بوّابات التاريخ علي أكثر مصاريعها حساسية وترميزاً، والحجر الذي سوف يرفض الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أن يلقي به أرضاً عند أقدام الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في كامب دافيد 2000.ومن المفارقة أن بنفنستي نفسه كان قد أعلن أن اتفاق أوسلو الأوّل أخذه علي حين غرّة، هو الذي ظلّ يؤمن أن المآزق اللاهوتية والعاطفية أشدّ تعقيداً من أن تفسح المجال أمام تقدّم السلام. وفي مقال مشبوب شهير عشية توقيع اتفاقيات أوسلو، تساءل بنفنستي منذ العنوان: هل كنت علي خطأ؟ نعم، أجاب بحكمة الليبرالي الذي ينحني أمام جبروت السياسة البراغماتية، واعترف أنه بالغ في تضخيم دور العوامل العاطفية والتقليل من دور السياسة والدبلوماسية. المدهش أنه احتاج إلي أقلّ من ثلاث سنوات لكي يدرك أنه لم يكن مخطئاً أبداً، وهاهو اليوم يقول ما كان قد قاله مراراً وكلما وقف إلي يمين العمدة كوليك: الصراع من أجل هوية القدس لن يسفر عن ظافر ومهزوم، ما دام باطن الأرض يقذف حممه إلي السطح، فيصيب الصهيونيتين معاً، وبالتساوي كما يبدو.وفي كتاب سابق، عن القدس أيضاً، تحدث بنفنستي عن إمكانية تطبيق الشعار الأولمبي أعلي، أسرع، أقوي علي التاريخ المعماري للمدينة، أو تاريخ بنائها علي الأرض مثلما في المخيّلة والنصوص الدينية، منذ المعماري اليبوسي المجهول وحتي الأب الروسي الأرثوذكسي أنطونين، مروراً بسليمان وهيرود وهادريان وقسطنطين وعمر بن الخطاب. الأديان الثلاثة تبارت في إعلاء صروحها طيلة قرون، ولكن بنفنستي لا يحتاج إلي مَنْ يذكّره بأن تاريخ المدينة يحتشد بمعدلات ضاغطة لا تتسع لها الجغرافيا، وأنّ مملكة داود لم تكن تتجاوز العشرين أكرة (مقابل 72,000 أكرة تحتلها الدولة العبرية اليوم!)، وأنّ الملك هذا جاء إلي فراغ إسرائيلي مقابل امتلاء كنعاني يمتد ألف سنة علي الأقل، قبل أن يقرر تحويل القدس إلي بديل عن الخليل وبيت إيل.وهكذا ترتدّ مدينة القدس إلي خصوصيتها الفريدة التي عجزت جميع الشعوب والديانات والعقائد والقوي الكونية الجبارة عن تبديلها: خصوصية المدينة المسكونة بالتاريخ حيث لا ينقلب حجر إلا ويتكشف عن صفحة غابرة تضيء الماضي ثم تمتدّ إلي الحاضر، وتستطيل أخيراً لكي تخيّم علي المستقبل أيضاً. إنها البقرة المقدسة عند القومية الإسرائيلية والقومية الفلسطينية كما قال ليبرالي إسرائيلي آخر هو الكاتب والمؤرخ عاموس عيلون، بل هي تصبح أكثر من بقرة لاهوتية مقدسة حين يصطدم تهويدها بعبوة بشرية ناسفة من النوع الذي انفجر مراراً في قلب فلسطين الممسوخة إلي جغرافيا توراتية، أو حين تتدخل الأبدية في قرار الكنيست الذي اعتبر القدس عاصمة أبدية موحدة لشعب إسرائيل. وحين هندس مناحيم بيغين هذا القرار، توجّب أن تجري هندسة تالية علي سطح الأرض وفي حوليات السجلّ التاريخي، وتوجّب علي باطن الأرض أن يقذف الحمم بين حين وآخر… الحمم التاريخية بدورها، الأكثر التهاباً وسخونة.وعاموس عيلون يتذكّر، بمزيج من الذعر العلماني والتهيّب الجيو ـ سياسي، أن الجمعة الأخيرة من شهر رمضان 1997، سنة القياس بالنسبة إليه، شهدت زحف 250 ألف مسلم فلسطيني إلي الحرم الشريف، وكانت خطبة الجمعة المنبعثة من مكبرات الصوت تذكّر بالخطاب القديم الذي تعالي حين وفدت أولي الحملات الصليبية إلي فلسطين، وكانت تمزج الدين بالسياسة واللاهوت بالتاريخ وقدسية المدينة بدنيويتها كعاصمة للدولة الفلسطينية القادمة. وكان التناظر علي الطرف الصهيوني الآخر يقتضي أن يتذكر عيلون أن بضعة أيام قليلة انصرمت علي هذا الاحتشاد الاسلامي قبل أن يسارع 17 من النواب الإسرائيليين إلي تهديد رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، بنيامين نتنياهو، بإرسال البلدوزرات إلي جبل أبو غنيم علي الفور، لتدشين مستوطنة في خاصرة القدس تماماً، وإلا فعلي حكومة الائتلاف السلام.ومن جانبنا نتذكر بدورنا أن عمدة القدس السابق ـ إيهود أولمرت، رئيس الوزراء الحالي… دون سواه ـ وقبل أيام قليلة من تلك الأزمنة المشهودة، استضاف رجل الأعمال اليهودي الأمريكي إرفنغ موسكوفيتز، الملياردير الذي تتكدّس ملايينه كل يوم عبر آلات القمار، والذي جاء لتقديم الكفارة التوراتية إلي أورشليم القدس كما يصرّ علي القول. وفي النفق الشهير الذي أشعل النيران سنة 1996، وعلي مرمي حجر من المجارير الهيرودية، شكر موسكوفيتز مضيفه والمحتفين به، وتبرّع بملايين إضافية لشراء المزيد من الأراضي والبيوت، وقال: السيطرة اليهودية علي أورشليم، علي الهيكل والحائط الغربي، أهمّ من السلام. واليهود علي مرّ العصور لم يصلّوا من أجل السلام مع العرب، بل من أجل بسط السيطرة اليهودية علي أورشليم .ولم يكن موسكوفيتز في حاجة إلي إيضاح ما يقصده حين تحدث عن علاقة اليهود بمدينة القدس تحديداً، لأن تسعة أعشار هؤلاء يتساوون في هذه الحكاية: الديني المتشدد مع العلماني المعتدل، واليميني المستنير مع اليساري الليبرالي، وعمدة القدس الحالي أوري لوبوليانسكي (عضو حزب يهودية التوراة ) مع سلفه إيهود أولمرت (الليكودي الصقري) والسلف الأسبق تيدي كوليك (الليبرالي الحمائمي). أكثر من ذلك، كان الأخير هو المسؤول عن عمليات التهويد الأولي، مباشرة بعد احتلال القوات الإسرائيلية للشطر الشرقي من المدينة. آنذاك بدأ كوليك بإلغاء عبارة حائط المبكي لأن زمن الدموع قد ولّي إلي غير رجعة، والجدار يخدم الآن في استذكار الخلاص والإنعتاق والحرية. بعد ذلك انتقل العمدة الليبرالي إلي تنظيف الفضاء الجغرافي المحيط بالحائط الغربي، فهدم حيّاً عربياً بأكمله بين ليلة وضحاها، وأقام الساحة الحالية لكي تخدم أغراض العبادة والسياحة، ولكي يتاح للجنود الإسرائيليين حمل المشاعل والطواف من حول الجدار قبيل تخرجهم وزجّهم في معارك إسرائيل.شتان، إذاً، بين هذه الصهيونية المتشبثة بـ أورشليم القدس بالأسنان والراجمة والمدفع والقاذفة والجرّافة، بعد التوراة باديء ذي بدء، وأيّ طراز راهن من الانخراط الرسمي الفلسطيني (لكي لا نقول، مع بنفنستي: الصهيونية الفلسطينية!) في التشبث بالمدينة الفريدة علي غرار ما فعل عرفات مثلاً، أو فعل قبله كبار رجالات القدس من أمثال يوسف الخالدي، فيضي العلمي، سليم الحسيني، عارف الدجاني، موسي الحسيني، راغب النشاشيبي، حسين الخالدي، ومصطفي الخالدي. يكفينا من القيادات المحتشدة في مكة أن تحقن الدم الفلسطيني، الذي لا يُراق إلا لإدامة شهوات السلطة أو الإيغال في الفساد والنهب، بعد الإمعان أكثر في الاستسلام والاستكانة وتضييع حقوق الشعب الفلسطيني ونسف ثوابته.وبئس اتفاقات تنجزها هذه القيادات الفلسطينية في أفياء لا تغيب عنها الظلال الثقيلة التي تبسط نفوذ الولايات المتحدة وإسرائيل وطهران، حتي في قلب مكة المكرّمة. والقيادات التي تدير الظهر للحرم الشريف الثاني، كيف يمكن لها أن تتشرّف بالحرم الأوّل؟ وكيف رسخ في روعها أنها يمكن أن تخدعنا… بقراءة الفاتحة!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية