القيادة في مصر وتونس ومرض ‘التوحّد’

حجم الخط
0

منذ رحيل الرئيس الخالد جمال عبدالناصر أصيب النظام المصري بمرض التوحّد، بينما النظام التونسي ولد متوحداً وغرد خارج السرّب العربي محاولاً الإلتصاق بالغرب وإتخذ مواقف عدائية من الوحدة والقومية وفلسطين، ومن مقولات بورقيبة ‘لو خُيرت بين الجامعة العربية والحلف الأطلسي لاخترت الأخير’، منذ تلك الفترة إنفرط عقد الأنظمة العربية من عقالها وأصيبت بذات المرض.

القيادات الجديدة في مصر وتونس تختلف عن سابقتها ولغاية الآن لم تدعي العظمة وقيادة الأمة، ولا صلة لها بالدبابة والمدفع، ولا علاقة لها بالهزائم التي حولها المنافقون الى إنتصارات، ولا تستهوي رموزها المواكب والبهرجة المصطنعة، وتحاول ممارسة حياتها بشكل طبيعي.

التركيبة الإجتماعية القبلية في ليبيا واليمن حالت دون إقصاء بعض رموز الأنظمة السابقة ولم يستقرّ الوضع لغاية الآن، فالرئيس عبدربة هادي نُصب كحل وسط ضمن صفقة لتجنيب البلاد مخاطر ما حدث في ليبيا وما سيحدث في سورية، ومصطفى عبدالجليل مُسيرّ من الشرق والغرب وغير قادر على الصمود في الداخل، ومستقبل ليبيا اقرب ما يكون الى مستقبل العراق، إذ تم اللجوء لنفس الأدوات لإسقاط النظام.

مبارك وبن علي كانا مسكونين بهاجس الخوف والرُعب شأن كل القيادات العربية على عكس خلفهما والتي تجمعهما ظروف متشابهة، فالدكتور محمد مرسي والمنصف المرزوقي من مضطدي العهد السابق، آتوا للحكم بإرادة شعبية وبالكاد حصلوا على ما نسبته 51′ + كسور من الآصوات، ولم تُمهر اوراق الإقتراع عند إنتخابهم بالدم، ولم يُنصّبوا من مُحتل عند إنسحابه وترعرعوا بحمايته، ولا عن طريق إنقلاب عسكري، ولا على ظهور الدبابات الغازية، ولا بإنتخابات مزورة بنتيجة 99,99’، ولا اعتقد ان لديهم طموح او ان تسمح لهم الظروف بإعادة إنتاجهم مرة أخرى.

الرئيسان اكدا على عروبة بلادهما ويرفضان التبعية، الرئيس مرسي إعتز بالجامعة التي تخرج منها وعمل فيها، والرئيس التونسي وشركائه ليسوا معنيين بفرّنسة تونس وسلخها عن محيطها العربي، ولم تتلطخ آيديهم بدماء الأبرياء، ولم تمتد للمال العام، ولم يزجوا بمعارضيهم بالمعتقلات، ولن يجلبوا آبنائهم وآقاربهم وآصدقائهم الى الحكم، شكروا معارضيهم قبل مؤيديهم، ومدوا إليهم آيديهم. الرئيس محمد مرسي يؤدي الصلاة في المسجد الذي لا يزوره أمراء المؤمنيين والروؤساء والسلاطين والأمراء والشيوخ إلا فيما ندر من المناسبات، يفضل البقاء في منزله على الإقامة في القصور، ولم تكنى زوجاتهم بالسيدات الأوّل، ولن يكون لهن دور سياسي او إقتصادي او إجتماعي إلا في إطار الحزب الذي تنتميان إليه، الدكتور مرسي إعتذر لطلاب جامعة القاهرة عن تأجيل الإمتحان بسبب الزيارة، ولم يصطفوا على جوانب الطرق للتصفيق والصفير والزعيق عند قدومه، مثل هذا التصرف غير معهود وزيارة السلطان لمكان تعتبر تشريف له ولمن فيه.

الرئيس المنصف المرزوقي فعل الشيء نفسه وقرر بيع القصور الرئاسية بإستثناء قصر قرطاج، يظهر على طبيعته بدون قشور زائفة، ولدى زيارته المغرب في شباط الماضي خرج عن البروتوكول، وذهب للإقامة في منزل شقيقته ناديا في مراكش.

هذا النمط من السلوك لا يروق لكثير من الحكام والمواطن العربي غير مُعتاد عليه، فالحاكم العربي ليس من البشر، هبة من السماء، مُستخلف وعائلته على الأرض ومن فيها، خارق وتجاوز حدود المعقول واللامعقول، معصوم عن الخطأ، حامي الحمى، قائد الأمة وباني نهضتها وعزّها ومجدها وآملها، هو الماضي والحاضر والمستقبل والأول والآخر، وعند مخاطبته يُستجار وتستعار كل عبارات التبجيل والتفخيم والتعظيم الى حد التأليه.

الغريب انه لا زال بيننا من يترحم على العهد السابق ممن إرتضوا لأنفسهم حياة العبودية، ونسمع بعض المهووسين يتحدثون عن الكاريزما، والقائد الضرورة، صاحب الشأن والهيبة والجلال والعظمة، آية الله، يعلم السرّ وما يخفى، لا دام ظلهُم ولا قُدس سرّهُم، وذات مرّة سمعت آحدهم يصف آحد هؤلاء بعبارات لم تقال في الأنبياء ,,النور يشعُ من وجهه! تيحط به هالة! والمهابة تسعى إليه!

الأنظمة العربية مصابة بداء ‘التوحد’، ومفهوم الوحدة مشطوب من قاموسها، ولم يعُد وجود للوطن العربي إلا على الخرائط وفي وجدان الشرفاء فقط بسبب الخلافة غير الراشدة القائمة على التسلط والفردية المطلقة، والحقيقة الأكيدة ان الربيع العربي آتى على بعض الدكتاتوريين وتابعيهم الى غير رجعة على الرغم من آلآم المخاض، تعافي مصر وتونس وغيرهما سينعكس إيجاباً على باقي الدول العربية. المحامي عبدالوهاب المجالي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية