طالبت الجبهة الثورية ممثلة في حركة تحرير السودان بقيادة مناوي ضرورة تأجيل المفاوضات مع الحكومة السودانية لمدة أسبوعين بغرض حشد الدعم الدولي وتجديد التفويض السابق من قبل الاتحاد الافريقي، لكنه وافق مبدئيا على ان يكون مقر التفاوض جوبا، وذلك حسب القيادي في الجبهة الثورية أبو عبيدة الخليفة التعايشي ورئيس الوفد التفاوضي لحركة تحرير السودان في مسار دارفور في حوار مع “القدس العربي” من جوبا الذي نفى رغبتهم في نقل التفاوض إلى دولة الإمارات لكنه قال حال عدم الإيفاء بمطالبهم وشروطهم سيبحثون نقلها إلى مقر آخر.
كما تمسك فيه أن تكون دارفور إقليما واحدا يضم داخله عددا من الولايات وشدد على ضرورة العدالة الدولية ومحاكمة البشير وأعوانه المطلوبين في محكمة الجنايات الدولية ليكونوا عظة وعبرة. وأكد التعايشي على ضرورة تطوير تحالف نداء السودان وكذا الحرية والتغيير لمواجهة المرحلة المقبلة. وفي ما يأتي نص الحوار:
*خرجتم من اجتماع مع الوسيط توت قلواك لمناقشة مسار دارفور في التفاوض، ما هي أبرز ما خرجتم به؟
**أكدنا له موافقتنا المبدئية لتكون جوبا مقرا لمفاوضات السلام في مسار دارفور، وهناك بعض المطالب وبعض الشروط التي يجب توفيرها في ما يتعلق بتحديد الوساطة. وكما تعلم ان اليوناميد هي من تتولى هذا الملف الآن، وكذلك مسألة التفويض لدولة جنوب السودان من مجلس السلم والأمن الافريقي، وضرورة حشد المجتمع الدولي، والدعم الدولي لأي اتفاق قادم، وكذلك مسائل الإعمار في دارفور، واللاجئين والنازحين كلها تحتاج إلى شراكة دولية وإقليمية، خاصة مسائل التعويضات للمتضررين، وكذلك طبيعة الضمانات الدولية لتنفيذ ما سيتم الاتفاق عليه، وطالبنا كذلك برفع المحادثات لفترة ما بين 15 يوما إلى شهر.
*ستجلسون اليوم مع الحكومة السودانية، ما هي طبيعة هذا اللقاء وهل نتوقع توقيعا لمطالب السلام؟
**الجلسة مع الوفد الحكومي جلسة طبيعية وهم شركاء لنا، وظهر هذا بوضوح، منذ إعلان جوبا الشهر الماضي، ونحن نثمن دورهم، سواء كانوا في مجلس السيادة أو الحكومة، ونحن نعتبر هذا الاجتماع مهما جدا حيث سنراجع كذلك مدى تنفيذ إعلان جوبا، وهذا يثبت الرغبة في العمل من أجل السلام، واؤكد على أن الإرادة تتوفر لدينا.
*ما هو الدعم الدولي الذي تطلبونه، وكيف تنظرون لوجود قرارات وتفويض أممي سابق لقضية دارفور لكنه ساري المفعول، بمعنى هل تريدون تفويضا جديدا أم ماذا؟
**نعم نسعى لتفويض جديد، كما تعلم من التفويض السابق إلى الآن حدثت مستجدات منها سقوط نظام المخلوع عمر البشير، الذي كان شريكا في التفويض السابق، إلى جانب متغير قيام ثورة ديسمبر المجيدة التي غيرت كثيرا من المفاهيم، وبالتالي حدث تحول كبير بالنسبة لقضية السلام، وهذا التحول نعتبره إيجابيا، فانا لا أعتقد أن هناك اشكالية، ومع ذلك نسعى لتفويض جديد من الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي على الأقل.
*هل طلبتم فعلا في حركة تحرير السودان نقل المفاوضات من جوبا إلى دولة الإمارات حسب ما يشاع؟
**هذا غير صحيح تماما، نحن ما زلنا مواصلين في جوبا، ومشكورين الأخوة في جنوب السودان لاستضافتهم للمفاوضات، وبما انه ستكون هناك قترة زمنية حسب طلبنا لتجويد أداء التفاوض، وضمان حصولنا على سلام حقيقي إذا ليست هناك مشكلة لعدم استضافة دولة الجنوب للتفاوض، لكن إذا ما حدث أي نوع من عدم إكمال هذه الشروط التي وضعناها، يمكن حينها أن نبحث عن منبر آخر، لكن إلى ذلك الوقت نحن ملتزمون بمنبر جوبا.
*طالبتم بالتأجيل لمدة 14 أو 30 يوما وسبق أن مضى شهر منذ تشكيل الحكومة، وعطفا على أن فترة السلام في الوثيقة الدستورية 6 أشهر، هل تعتقد ان الأربع أشهر المتبقية المقبلة كافية للوصول إلى سلام حقيقي؟
**طبعا أحب أن اؤكد أن هناك تأجيلا كبيرا لجدول السلام، الذي كان من المقرر يبدأ يوم 14 تشرين الأول/اكتوبر وينتهي يوم 13 كانون الأول/ديسمبر، صحيح ان دولة الجنوب قامت بتبني التفاوض بجرأة لتحقيق السلام في هذه الفترة الزمنية الضيقة، وهو ما توافق مع المتغيرات السياسية في السودان، الداعية لضرورة الوصول لسلام عادل، وحل القضية الاقتصادية وقيام الانتخابات وبالنسبة لحديثك صحيح حدث تأخير، ولكن إذا تمت الاستجابة لمطالبنا الإجرائية، وشروطنا بسرعة، فان المفاوضات لن تطول، وفي فترة وجيزة يمكن نوقع اتفاق سلام، لكن مع هذا من المهم أن تتوافر الإرادة السياسية، مع تأكيدي ان السلام تعيقه الآن القضايا الإجرائية التي أوضحتها لك.
*الثورة قامت من أجل العدالة التي كانت أحد شعاراتها، كيف تنظرون لهذه القضية ما بين العدالة الانتقالية والعدالة الجنائية، ما هو الأفضل لضحايا دارفور؟
**العدالة مفهوم كبير، لكن للأسف كان السودان تغيب عنه هذه القيمة، ليس ذلك اليوم أو أمس، ولكنه غياب على مر التاريخ، لكن مع هذا فان ثورة كانون الأول/ديسمبر أفرزت منظورا واهتماما جديدا بقضية العدالة، ومع العلم ان جرائم التطهير العرقي والابادة الجماعية التي ارتكبت في دارفور هي جرائم أدانها المجتمع الدولي، وبموجبها حولت قضية دارفور للمحكمة الجنائية الدولية التي تابعت الاتهام إلى ان وصلت لطلب البشير وعدد من قادة النظام البائد للمحاكمة، ونحن متمسكون بالمحكمة الدولية على أساس ان موضوع التطهير العرقي خطير وموضوع إنساني أيضا في أحد أوجهه، ويهمنا في السودان كما كل العالم أيضا محاكمة هولاء المجرمين ليكونوا عبرة ودرسا لكل من تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه الجرائم، حتى نجعل هذه المحاكمة الدولية في ذاكرة العالم، لتمنع أي حاكم من ارتكاب مثل هذه الفظائع.
لكن مع هذا هناك من ارتكبوا جرائم أو مخالفات لا تقع في إطار محكمة الجنايات الدولية، وهولاء يمكن محاكمتهم داخليا أو عبر المصالحة التاريخية والعدالة الانتقالية، لكن بالنسبة للبشير وأعوانه المطلوبين نحن متمسكون بالمحكمة الدولية.
*بالنسبة لكم في حركة التحرير كيف تنظرون لعلاقة دارفور بالمركز هل تريدونها إقليما واحدا أم 5 ولايات كما هو عليه الحال الآن؟
**نحن نطالب بان تكون هناك أربعة مستويات للحكم، مستوى محلي، وولائي، وإقليمي، ومركزي وما زالت مطالبنا مستمرة ان تكون دارفور إقليما واحدا، فضمن وحدة الإقليم نحن نضمن الحفاظ على النسيج الاجتماعي، وعلى الدوام ظل المطلب التاريخي هو ان تكون دارفور إقليما واحدا، إضافة إلى مجموعه من الأسباب تجعلنا نتمسك بهذا المطلب، خاصة ان نظام الحكم البائد، استخدم سياسة فرق تسد، وجرائم التطهير العرقي، أبرز مثال لهذا النهج، ومن دراستنا لأسباب الصراع، توصلنا إلى ان التدخلات المختلفة من المركز هنا أو هناك وبصور مختلفة قادت لهذا الوضع البائس، وبالتالي نحن نطالب بان تكون دارفور إقليما واحدا، وصاحبة برلمان واحد وولايات متعددة، لكن مع حكومة واحدة للإقليم.
*اليس هذا انتقاص من الدولة القطرية؟
**أبدا غير صحيح، العلاقة المتوازنة بين الإقليم والمركز ليست منقصة، وهناك دول كثيرة تعيش تحت ظل النموذج الذي نطرحه، بالنسبة للولايات الآن كما تعلم انها كانت ثلاث في الآصل والآن صارت خمس، ولكننا سنقوم بدراسة حالتها الاجتماعية والاثنية والاقتصادية، لكن ضمن إطار الإقليم الواحد. ليست هناك مشكلة لآن تكون هناك ولايات متعددة، لكننا غير متحمسين للنظام الحالي، حيث نريد إقليما واحدا يتعامل مع المركز من قوته السياسية والاقتصادية.
*بالنظر لتحالف نداء السودان هل انتهى أمر هذا التحالف، خاصة انكم كان من المفترض أن تعينوا رئيسا جديدا، ولكن هذا لم يتحقق إلى الآن؟
**نعم لم يعين شخص بديل للإمام الصادق المهدي، ولكن المشاورات جارية بين كل المكونات لتأمين المرحلة القادمة بشكل أساسي، ونداء السودان تحالف يمر بمرحلة جديدة بعد اسقاط نظام البشير، ولكننا نؤكد أنه يحتاج لتقوية، ونحن سنساعد على تقويته وتطوير برامجه ليتلاءم مع المرحلة الانتقالية المقبلة، ونحن نرى أن التحالفات في السودان مسألة مهمة جدا، ويجب ان تجد الاهتمام الكافي ويتم تطويرها، لانها طريق وحيد لإصلاح حال السودان، كما انها ضرورية لانجاز التحول الديمقراطي، بمعنى كل ما كان هناك تحالف عريض فهو يساعد للتوحد خلف قضايا عامة وكبيرة، وهذه الوحدة تخلق لنا قدرة لحل القضايا، لأننا حينها نكون كلنا مع بعض بدلا من ان يسعى كل تنظيم لحل نفس القضايا لوحده.
والتحالفات الناجحة ضرورة للمرحلة السياسية القادمة، خاصة وان تحالف نداء السودان كان في الأصل لإسقاط النظام، لكنه الآن يحتاج لتطوير برامجه، وتحديثها ليواجه مهمة تنفيذ الفترة الانتقالية بنجاح، ونحن نهجنا في الحركة كان على الدوام هو أن نمضي في مشروعنا ضمن كتل سياسية كبيرة.
*بالنظر لتحالف الحرية والتغيير، هل عاد صالحا للفترة القادمة لو كان ذلك بالنسبة لكم في الجبهة الثورية أو نداء السودان؟
**هذه التحالفات جميعها مرتبطة ببعضها البعض، ونحن في الجبهة الثورية سبق وان تقدمنا بمقترح لتطوير الحرية والتغيير، بما يجعل الجبهة الثورية مكونا مستقلا داخلها، وليس تابعا، ولكن كل هذه المشاورات والمقترحات اصطدمت بوضع عراقيل أمامها، لكن في المنظور العام، تظل هذ التحالفات مهمة للسودان، مع إقرارنا ان هذه التحالفات تمر بمشاكل حقيقية ومنهجية الآن، لذا نحن نحتاج لتطوير مكونات الجبهة الثورية، ومن ثم تطوير وجودنا داخل نداء السودان، وبعد ذلك نمضي لتطوير تحالف الحرية والتغيير. ونعي جيدا ان هذه التحالفات في حد ذاتها تتعرض لمشاكل تتعلق بطبيعة مكوناتها والأجسام الصغيرة التي تأخذ مساحة عريضة، كما ان الاهتمام بالقضايا الآنية يأخذ حيزا كبيرا وهو ما يخلق خللا يجعلها تسير بخطوات وئيدة، لكن بصورة عامة نعتقد في أن التحالفات مهمة ومفيدة كما أسلفت.
*بوصفك اقتصاديا كيف تنظر لتحديات حكومة حمدوك في ظل عدم رفع اسم السودان من لائحة دول الإرهاب التي قادت لتعثر الدعم الدولي وكيف الخروج من هذه الأزمة؟
**قبل الحديث عن قائمة الإرهاب، السودان مشكلته الأساسية لتعثر الاقتصاد هي الحرب التي تأخذ ما بين 70 إلى 80 في المئة من ميزانية البلاد، ووقفها يوفر للبلاد على الاقل 50 في المئة من جملة الميزانية، وهذه مبالغ كبيرة. ولكن ما يجعلني مطمئنا أن حمدوك معترف بهذا الأمر، وأرى الانتقالية متشجعة لوقف الحرب، وهناك أيضا الفساد الحكومي الذي يخرب الميزانية الموضوعة بشكل كبير، حيث ظل الفساد الحكومي الواقع أيام الحكم البائد يستهلك جزءا كبيرا جدا من الميزانية الموضوعة للتنمية والمشروعات.
ومن ناحية إحداث التغيير الاقتصادي، نجد السودان بلدا غنيا جدا بكل ثرواته لكنه محتاج لسياسات اقتصادية جديدة وجادة وشفافة تعمل لصالح المواطن والبلد، وإذا عملت هذه السياسات أنا في تصوري السودان سيتجاوز مشاكله الاقتصادية ويكون في مصاف الدول المتقدمة ويصل لدرجة معقولة من الرخاء، وما عندنا من ثروات مائية ومعدنية وزراعية وحتى سماء بلادنا الواسعة يمثل ثروة. والشيء الغريب أن يكون السودان بلدا فقيرا، في ظل ثرواته المتعددة، وهناك دول أفقر مننا بكثير ولكنها تطورت بفعل السياسات الناجحة والاستثمار الأمثل للموارد.
مشكلة السودان ليست في نقص الموارد بل إدارتها، ومشكلتنا كانت في الفساد السياسي وانعدام الحريات وغياب الديمقراطية وهذه مشكلة السودان الأساسية إذا حلت هذه المشكلة سيعبر السودان باذن الله.