لا يريد القيادي العراقي جاسم الحلفي في تحالف “سائرون” – تحالف الحزب الشيوعي وجماعة السيد مقتدى الصدر الذي حصد المركز الأول في الانتخابات البرلمانية – أن يعكس صورة قاتمة للوضع في العراق ولأمل التغيير والإصلاح الذي يقرّ بأنه ليس سهلاً وربما مستحيلاً، متحليا بواقعية سياسية تدفعه إلى الحديث عن حاجة لمرحلة انتقالية.
يبدو متفاجئاً بخضوع رئيس الوزراء عادل عبد المهدي لتأثيرات وإرادات بعيدة عن المعايير التي جرى الاتفاق عليها بين كتلة “الإصلاح والإعمار” التي تنتمي إليها “سائرون” وبين كتلة “البناء” التي يشكّل عمادها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي والمكوّنات السياسية والعسكرية المتماهية بقوة مع إيران. ففي رأيه أن استمرار تمسّك كتلة “البناء” بالقيادي في “الحشد الشعبي” صالح الفياض لحقيبة الداخلية سيؤول إلى خلق أزمة جديدة لا يستطيع العراق تحمّلها، وقد يؤدي بالحركة الاحتجاجية التي عادت يوم الجمعة إلى ساحة التحرير في “رسالة قوية” إلى وضع المنظومة السياسية برمتها في قائمة أهدافها وليس فقط مطالب الإصلاح وتأمين حاجات الناس والتنمية. لكنه في آن يظهر تفاؤلاً ومجالاً واسعاً للتفاهم حول استكمال تأليف الحكومة مستبعداً نشوء أي اقتتال شيعي – شيعي ما دام المسلحون ينتمون إلى بيئة واحدة.
يرى أن العقوبات الأمريكية على إيران سيصل تأثيرها على العراق بشكل أو بآخر، وأن المطلوب هو التقليل من وقعها على البلاد، مسجلاً موقفاً سلبياً ضدها لأن انعكاساتها تكون على الشعب وليس على النظام، وهو ما خبره العراقيون سابقاً.
وهنا نص الحوار:
* من ساحة التحرير وساحات الحراك الشعبي إلى الندوة البرلمانية، أصبحتم في قلب الحلقة السياسية المقررة، كـ “تحالف سائرون” ما الذي تغيّر؟
** نحن حصلنا على 54 مقعداً تشكل 17 في المئة من تركيبة البرلمان. تقدمنا على الكتل الأخرى، ولكننا كتحالف “سائرون” لم نفز بالأغلبية، لذلك أنجزنا تحالف “الإصلاح والإعمار”، وهو أوسع بعد انضمام قوى أخرى إليه، وبتنا نشكّل استقطاباً ذاتياً مهماً اليوم في البرلمان. نحن نتبنى برنامج الإصلاح الذي تظاهرنا من أجله في الساحات وهو يرتكز على: “إصلاح النظام السياسي وإعادة بنائه وفق المواطنة، توفير الخدمات لا سيما تلك المتصلة بحياة الناس ومعيشتهم وكرامتهم، معالجة ملفات الفساد، صون القرار العراقي، بحيث يكون عراقياً خالصاً وألاّ يبقى رهناً للتأثيرات الإقليمية والدولية”. هذا موجز لرؤيتنا وبرنامجنا الذي اتفقنا عليه بعد نتائج الانتخابات وتمت المصادقة عليه في “تحالف الإصلاح” التي نعتبرها الكتلة الأكبر التي يفترض أن تُشكّل الحكومة. ولكن بعد الخلاف مع كتلة “البناء” كتحالف منافس على من هي الكتلة الأخرى، تم التوافق على اختيار شخصية حيادية، لا تمت بصلة لا لـ “البناء” ولا لـ “الإصلاح” الذي نحن جزء أساسي منه، ووقع الخيار على عادل عبد المهدي لرئاسة مجلس الوزراء.
* تكليفه كان بموجب أطر مُلزمة؟
** التكليف كان ضمن حزمة شروط: أن لا يتمّ توزير النائب، والتركيز على أن يكون الوزراء من التكنوقراط المستقلين البعيدين عن التجاذبات الطائفية والحزبية حيثما أمكن، وأن لا نُعيد أي من الوزراء السابقين المُجرّبين مرّة أخرى إلى الحكومة، وأن تكون الوزارات الأمنية كوزارتي الدفاع والداخلية بعيدتين بالمطلق عن الأحزاب وجميع الاستقطابات، وأن يكونوا مهنيين ومن داخل وزاراتهم، خصوصاً أن لدينا كفاءات عالية مؤهلة لهذه المناصب. هذا جوهر ما اتفقنا مع كتلة “البناء” ومع عبد المهدي أيضاً. ذهبنا إلى الجلسة الأولى للبرلمان. تم تمرير 14 من تركيبة 24 وزيراً، رغم ملاحظاتنا على عدد منهم. فالوقت كان يداهمنا إذ كنا على مسافة 3 أيام من انتهاء المهلة المحددة لرئيس الوزراء لتقديم تشكيلته الوزارية. أوقفنا التصويت على باقي الوزراء للتدقيق بوضعهم، ولا سيما في الوزارات الأمنية إذ اعتبرنا أن من بين الأسماء من هم محتزبون وغير مهنيين.
* ولا تزال الأمور عالقة حتى اليوم، وستستمر؟
** في فترة لاحقة تم إعادة اقتراح أسماء لكننا وجدنا أيضاً أن عدداً منهم لا يستوفي الشروط والمعايير التي اتفقنا عليها ومنها الاستقلالية والبُعد عن الاستقطاب الحزبي ولا يمكن بالتالي تمريرهم، فكسرنا “النصاب القانوني”. حاول الطرف الآخر، مرّة ثانية، بعدما حشَدَ النصاب الكامل للمجلس النيابي، لكنه فشل في ذلك ومالت الكفّة إلى صالحنا وتم كسر النصاب مرّة أخرى. الآن يوجد صراع بين إرادتين، الأولى تريد فرض الوزراء الأمنيين من ضمن الاستقطابات التي تحدثنا عنها، والأخرى ترفض رفضاً قاطعاً إلا أن يكونوا مهنيين ومستقلين.
* ما هي خياراتكم إذا بقي الإصرار على فرض الوزراء الأمنيين؟
** لا أظن أن عملية فرض الوزراء الأمنيين دون موافقة “سائرون” ستحظى بالنجاح. أعتقد أن “سائرون”، التي هي جزء من كتلة “الإصلاح والإعمار”، تمثل قوّة برلمانية واسعة ولها امتداد شعبي كبير، لذلك لا بدّ من أخذ وجهة نظرها بعين الاعتبار.
* أنتم ككتلة لجأتم إلى التسوية في الأصل بشكل يتناقض وأحكام الدستور، تفادياً للاصطدام واحتواءً له، بمعنى أن الكلمة ليست للدستور بل لمنطق القوة؟
**صحيح أن الدستور يتحدث عن أن رئيس الجمهورية يُكلّف الكتلة الأكبر ترشيح رئيس الوزراء لكن هذا لم يتمّ، وذهبت الأمور باتجاه التوافق. ولكن لماذا؟ في تلك الفترة كانت هناك اهتزازات أمنية واسعة، لا سيما في البصرة، التي هي “أم الخير” في العراق، ومصدر الثروة النفطية، تمثلت بمظاهرات واحتجاجات واسعة على سوء الخدمات في قطاعي الكهرباء والمياه. الصراع كان يدور حول مَن هي الكتلة الأكبر والناس موجوعة ومتألمة ومحتاجة وحالات التسمّم من مياه الشرب بالمئات، فرأينا أن هذا النقاش ليس في محله، واتفقنا على أن تكون الكتلة الأكبر هي “العراق”، وأن نتسامى فوق جميع الصراعات الحزبية والسياسية، لا سيما وأن المطلب العام هو إصلاح الأوضاع. هذا هو مبرر التسوية.
*منطق الدستور وضمان نتائج اللعبة الديمقراطية لا يتماهى مع “التبرير” الذي تقدمه والذي فيه الكثير من الدبلوماسية أو تنميق الكلام. أليس ما جرى اليوم يُشابه ما حدث عندما تمّ استبعاد كتلة أياد علاوي بعد انتخابات 2010 رغم أنها كانت الأكبر؟ بمعنى أن فائض قوّة النفوذ الخارجي أو السلاح هو الذي يُشكّل، المسألة لا تتعلق بوجع الناس؟
** أنا لا أنفي هذا الاستنتاج، فهو موجود ونشعر به وله تأثيراته، ولكننا نحمل مشروعاً وطنياً وهمّ الاستقرار. شعارنا اليوم أن قرارنا يجب أن يكون عراقياً، وقد أصبحنا على مفارق تميّزه عن الآخرين. نحن مع القرار العراقي واحترام خصوصيات البلدان الأخرى. نعم ذهبنا إلى التوافق السياسي رغم أنه كان يجب علينا أن نحسم موضوع الكتلة الأكبر. قرار المحكمة الاتحادية الذي حكم سابقا لصالح نوري المالكي وليس لصالح أياد علاوي، رغم أن كتلة علاوي كانت هي الأكبر، كان يقول إن الكتلة البرلمانية الكبيرة تقاس بعدد الكتل وليس بعدد الأعضاء. هذا القرار ينطبق علينا اليوم، ولكن رغم هذا لم نذهب إلى المحكمة الاتحادية كي ننفّذ هذا الحق، وذهبنا إلى التسوية السياسية التي تراعي الظروف الحالية. صحيح أن العراق يعاني دائماً من نقص الخدمات، ولكن هذه المرة الوضع أصبح سيئاً للغاية ولم يعد يطاق، وخاصة في البصرة، فالتظاهرات أخذت طابعاً عنفياً، بعد سقوط شهداء وإحراق مقرّات.
* هذه أدوات ضغط. هناك من يعتبر أن التسوية أو التوافق الذي ضغطت في اتجاه المرجعية الدينية (النجف) هدفه احتواء الأمور تفادياً لصدام شيعي-شيعي أو تأخيراً له .
** نعم، صحيح هو لحقن دماء العراقيين وعدم خلق صراع جديد وأزمة جديدة. لقد تنازلنا عن حقنا بأن نكون الكتلة الأكبر انطلاقاً من ثقتنا بإيجاد حلول عملية. هذا يثبت مصداقيتنا بأننا تعالينا عن نتائج الاستحقاق الانتخابي الذي يعطينا الحق بأن نشكل الحكومة. أعطينا الحق لرئيس الوزراء باختيار وزرائه بمواصفات الاستقلالية والقدرة والكفاءة والابتعاد عن الحزبية.
* لكن عبد المهدي يقول إن الحقائب المتبقية تحتاج إلى توافقات سياسية حتى يستكمل التأليف؟
** للأسف، كان من الممكن أن يمضي بما توفر لديه من إمكانيات لاختيار شخصيات كفوءة وبعيدة عن الاستقطابات، لا سيما في الوزارات الأمنية، لكنه خضع لإرادات وتأثيرات بعيدة عن المعايير والشروط التي اتفقنا عليها.
* ألم يكن هذا متوقعاً؟
** في الحقيقة، لم نتوقع هذا الأمر، ولو توقعناه لما أقدمنا على هذه الخطوة والتنازلات الكبيرة من أجل الاستقرار والتنمية وإعطاء الفرصة الكاملة له. تأمّلنا منه أن ينظر إلى حاجات للإصلاح.
*هل وصلتم اليوم إلى طريق مسدود أم لا تزال هناك إمكانية للحلول وما هي؟
** الحل بالرجوع إلى الاتفاق الأساسي لإنقاذ العراق من أزمة جديدة لا يستطيع تحمّلها، والحل هو بترشيح شخصيات مستقلة كفوءة خصوصا في الوزارات الأمنية.
*إذا بقي إصرار “كتلة البناء” (القريبة من إيران) على توزير فالح الفياض (رئيس هيئة الحشد الشعبي سابقا) في حقيبة الداخلية وانتم مصرون على شخصيات مستقلة، فأمام أي مشهد سيكون العراق؟
**سيكون العراق أمام أزمة جديدة لا يستطيع تحمّلها. استمرار هذه الأزمة هو أحد عوامل الحراك الاجتماعي والاحتجاجي. الناس هذه المرة لن تقف عند حدّ معين في احتجاجاتها، بل ربما ستكون المنظومة السياسية برمتها في قائمة أهدافها، لأن تلك المنظومة لم تكترث إلى معاناة الناس وحاجتهم للإصلاح والتنمية.
* هل هذا مشروع صدام مسلح لا سيما أن هناك قوى من “الحشد الشعبي” لا تلتزم بقرار الدولة وسبق أن تخوفتم من أن لا تكون هناك قدرة بعد انتهاء خطر تنظيم “داعش” من ضبط القوى المسلحة الموجودة لدى كل الأطراف؟
** نسعى ونأمل ونعمل على إضعاف كل القوى المسلحة غير النظامية عبر الإصلاح السياسي.
*”الحشد الشعبي” في جزئه الذي يُدين بالولاء لإيران يضغط بكل الوسائل، خاصة في مناطق جنوب العراق، فهل هناك مخاوف فعلية من صدام شيعي – شيعي؟
** أستبعد تماماً حدوث صِدَام من هذا النوع، لأن المسلحين – على اختلاف انتماءاتهم – ينتمون إلى بيئة واحدة، سواء أكانوا من “الحشد الشعبي” أم من القوات الأمنية النظامية أم من “سرايا السلام”. سنجد مجالاً واسعاً للتفاهم حول استكمال الحكومة، وأنا لست متشائماً.
* في “جردة حساب”، ماذا خسر جاسم الخلفي وماذا ربح بعد انتقاله من موقع القيادة في الحزب الشيوعي العراقي إلى الندوة البرلمانية؟
** أعتبر نفسي متبنياً لبرنامج الإصلاح والتغيير. نحن لا نعتبر أنفسنا جزءاً من السلطة التنفيذية. نحن في البرلمان، والبرلمان هو لتمثيل الشعب. نحن أعطينا مجالاً للدكتور عبد المهدي يتراوح بين ستة أشهر وسنة لنراقب عمله، فإذا كان عمله جيداً سنستمر في دعمه، وإن أدار ظهره للإصلاح، فبالتأكيد سنكون في صفوف المعارضة. لغاية الآن نحن لم نترك الشارع، منذ يومين (الجمعة) نظمنا فعالية كبيرة جداً في ساحة التحرير أكدنا فيها على برنامجنا الإصلاحي وكيفية تصوّرنا لتشكيلة الفريق الحكومي. نحن لم نغادر موقعنا إلى أي موقع آخر، لم نترشح ولم نقبل بأي وظيفة وزارية أو غيرها، وإنما همّنا الأساسي هو الدفاع عن هذا المشروع، ولا أشعر بأي فرق في توجهاتي. وجودنا في البرلمان لم يغيّر شيئاً من سلوكنا وحركتنا، بل أعطانا زخماً أكبر للتأثير والتغيير.
*فعالية “ساحة التحرير” هل هي استعراض للقوة بالطرق السلمية ورسائل؟
** فعالياتنا عبارة عن رسائل نؤكد من خلالها على أن قوى الإصلاح وامتدادها الشعبي وحاجات الناس هي الأولوية وما زلنا نحملها، وكذلك للتأكيد على أن الأسلوب الاحتجاجي ووجودنا بالشارع حاضر دائماً، لذلك نحن نحفز القوى ونضغط عليها من أجل سماع صوت الإصلاح، والمضي في طريقه. بالتأكيد هي رسالة قوية نريد أن نرسلها إلى القوى السياسية.
الشعب يواكب تحركاتنا بقوة، وهذا ما ظهر في ساحة التحرير حيث كانت الاستجابة غير متوقعة رغم قصر فترة التحشيد. ما أراه أن هناك رغبة من الناس في إيصال رسالة إيجابية الهدف منها القول إن “حركة الإصلاح” أكبر من أي إطار سياسي، ولها امتداد شعبي كبير وعندها رؤية واضحة وتصوّرات متكاملة، وهي تطالب بأن تكون الوزارة قوية وفعالة وقادرة على تنفيذ برنامج إصلاحي يحفظ كرامة العراق والعراقيين.
*وماذا ستفعلون حين تصطدمون بحقيقة أن القوى الأخرى التي تحمل رؤى مختلفة عن رؤى الحركة الاحتجاجية الشعبية التي شهدتها ساحات العراق قبل الانتخابات، هي متجذرة وقوية جداً؟
**نظرة المرء إلى الأمور من الخارج هي غير ما يُشاهده من داخل الصراع والحراك السياسي. بالتأكيد أرى الأزمة أوسع، وأرى تعقيداً وتمسكاً للأطراف الأخرى بمصالحها الحزبية والفئوية، وجهوداً تبذلها لإعادة إنتاج سلطتها وترسيخ وجودها، وأرى أن التغيير ليس سهلاً، بل في بعض الأحيان يكون في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً، وكذلك أرى أن هؤلاء لا ينظرون إلى الوضع إلا من خلال مصالحهم الضيّقة والأنانية، وأرى كذلك أنه حينما يضعف أو يتراجع النشاط الاحتجاجي يرفعون أصواتهم، وحينما يشعرون بأن هناك نشاطاً شعبياً احتجاجياً يتنازلون عن كثير من الأمور.
بالنسبة لنا، رغم حصولنا، ككتلة سياسية، على أكبر عدد من المقاعد، لكن في الوقت نفسه هذا لا يمنحنا المجال الكافي لطرح برنامجنا كما نودّ. كنا نتحدث عن الإصلاح، وربما الآن نتحدث عن مرحلة انتقالية لنضع أسس الإصلاح والتغيير المطلوب والخطوات اللازمة لذلك وتهيئة الأجواء لها.
*وكأنك تتعامل بـ “واقعية سياسية” قوامها أن التغيير ليس سهلا، ويحتاج إلى مرحلة انتقالية تعيش على ضفتيها جبهتان متراصتان بمشروعين متقابلين؟
** طبعاً لا مناص من الواقعية السياسية. الأماني شيء والواقع شيء آخر، ولكن يبقى الطموح والحافز لوضع سقوف أعلى مما يمكن أن يحدث حالياً كي نمضي بوتيرة متواصلة. لا نريد التعاطي مع الأمور بتسرّع ولكن في الوقت نفسه لا نريد التباطؤ. نعم اليوم الإمكانيات التي عندنا لا تؤهلنا لأن نحقق برنامجنا الذي نتمناه، لبناء نظام سياسي وفق المواطنة، ولكننا نضرب بقوة أسس وجذور المحاصصة الطائفية، وبالتأكيد نقلص من مساراتها، ونحدّ من اتجاهاتها التدميرية باتجاه تغيير موازين القوى لصالح قوى الإصلاح والتنمية، وكذلك نضيّق، قدر الإمكان، على طغمة الفساد التي تسعى لإعادة إنتاج السلطة التي تحافظ على مكاسبها.
* هل أصبحت عودة النازحين إلى مدنهم وقراهم جزءاً من عملية التجاذب السياسي؟
** موضوع النازحين في غاية الأهمية، وكما نعرف أن الحل الأمثل لمشكلتهم يتمثل بتأمين عودة آمنة لهم ودعمهم لترميم أرزاقهم التي تعرّضت للتخريب. هذا يحتاج إلى جهد استثنائي من الحكومة التي – حسب اعتقادي – لن تملك القدرة على القيام بذلك، لذلك لا أتصوّر أن عودتهم ستكون قريبة، رغم أنها أولوية لا بدّ منها وهي غير قابلة للتأجيل والمساومة. إذ من غير المعقول أن تبقى الأمور على حالها من السوء، رغم انقضاء عام على دحر “داعش”، ولا أعتقد أن أحداً من رجال السياسة العراقيين يسعى لجعل قضيتهم مرتعاً للتجاذب السياسي.
*عند كل تأزم سياسي، يرتفع منسوب الحديث – التهديد عند هذا الفريق أو ذاك بالحكم الذاتي والذهاب إلى الأقاليم، الآن عدنا نسمع ذلك.
**الشعب العراقي بمجمله يرفض فكرة الفيدرالية على أساس طائفي، هذا أمر مؤكد، ونظامنا هو نظام لا مركزي، وعندنا مجالس محافظات ومجالس بلدية، وتجرى لها انتخابات، فلو تمت إعادة تقييم لصلاحياتها مع توجّه جاد لتوزيع الثروة والسلطات بعيداً عن أي نزعة تهميش واستحواذ، لساهمت هذه الأمور في تعزيز النظام السياسي. أقولها بصراحة، الشعب اليوم يحتاج إلى الخدمات وإلى الأمن والسلام والتنمية وفرص العمل وهذا ما يشغله. تغيير شكل النظام السياسي آخر ما يُفكّر به. طبعاً هناك نزعات فيدرالية للبصرة أو لأماكن أخرى، لكنها ليست رغبات جامحة أو أولوية لدى الناس حتى يرفعوها ويدافعوا عنها، إذاً المطلب الأساسي هو توفير ضمانات العيش الكريم.
*العراق هو الحديقة الخلفية لإيران التي تتعرض للعقوبات الأمريكية، وواشنطن تستثني بغداد جزئياً ومؤقتاً، هل بإمكان العراق أن يواجه العقوبات الأمريكية إذا انتهت فترة السماح له؟
**أولاً، نحن نتمسك بالقرار العراقي. فنحن أكثر الشعوب حساسية تجاه العقوبات بالمفهوم العام، لأنه تمت تجربتها على الشعب العراقي، وتأذى منها الشعب وليس الحكّام. نحن أصلاً ضد العقوبات المفروضة على إيران لأنها عقوبات ستثقل كاهل الشعب ولن يتأثر بها النظام السياسي وأقطابه. أما هل ستمتد تأثيرات العقوبات على العراق؟ بالتأكيد نعم، بهذا الشكل أو بشكل آخر، ولكن جلّ اهتمامنا وتركيزنا هو التقليل من آثارها علينا، وهذا ما نعمل عليه وما نتحاور من أجله مع القوى السياسية المحلية، والحكومة بالتأكيد تتحاور مع الأطراف الدولية.