المصطفى المصدوقي في معرض حديثه عن الأزمة المالية، كتب الأستاذ عبد الباري عطوان في مقال تحت عنوان (الحرب في مالي.. والجزائر الهدف) قائلا: ‘النفط هو عنوان كل التدخلات العسكرية الغربية في دول العالم الاسلامي، والتدخل في مالي لن يكون استثناء، صحيح أن مالي فقيرة في النفط، لكنها مجاورة لأكبر حقول النفط في افريقيا، أي في الجزائر ونيجيريا’.ربما لا يجادل أحد في كون أمريكا ومعها الدول الغربية تسعى للسيطرة على منابع النفط في العالم، لكن ما يجب التأكيد عليه هو أن البترول لا ينظر إليه باعتباره مادة اقتصادية وإنما بعلاقة مع أسلوب حياة معين، وحين نقول أسلوب حياة نعني القيم. واستدلالا على ذلك نورد ما صرح به جورج بوش الأب في غشت (آباغسطس) 1991 (إن مناصب شغلنا وطريقة عيشنا وحريتنا … ستعاني الأمرين إذا سقط أكبر إحتياطي للبترول في العالم في يد صدام حسين.(إن الجملة كما نطقها بوش، تدل على أن الخطر الأكبر في نظره، ليس فقط من طبيعة سياسية وإقتصادية ولا حتى استراتيجية، وإنما هناك خطر كبير يتربص بقيم أمريكا وبأصدقائها وحلفائها الاقربين ونوعية حياة تستهلك النفط بكمية كبيرة، ولأجل الحفاظ على نمط الحياة الامريكية والغربية يجب الإبقاء على مراقبة انتاج النفط وتسويق البترول.إذن فالصراع لم بعد متمحورا حول النفط أو المواد الخام أو الاستراتيجية العسكرية بقدر ما أصبح صراع قيم وحضارات: القيم المسيحية اليهودية من جهة والقيم العربية الاسلامية (ضمن اخرى) من جهة ثانية .’إن أسباب الصراعات المستقبلية ستكون بالأساس ذات طبيعة ثقافية، إذ ان الـــهوية الثقافية ستصبح مصدرا متــــزايدا للصراعات بين الشعوب وداخل بعضـــها البعض’ يقول عالم المستقبليات الدكتور المغربي المهدي المنجـــرة، قبـــل ان يضيف ‘فالحروب المقلــــبة، إذن، ستكون حروبا حضارية ثقافية فيها المصالح الحضارية أكثر مما هي إقتصادية سياسية.’وفي هذا السياق، فإن الدول الغربية وأمريكا مستعدون للتدخل عسكريا من أجل دعم وبقاء نسق من القيم ‘وأسلوب في الحياة’ بأي ثمن، بإستقلال عن إنعكاسات ذلك التدخل على الاخرين.فالقضية قضية قيم، وإبان حرب الخليج، اتضح بأن المسألة ‘مرتبطة بقيم وأسلوب حياة’ بمعنى أن أمريكا والغرب جاؤوا للدفاع عن منظومة قيمهم واسلوب حياتهم. إذن القيم أصبحت شرطا أساسيا للبقاء.لقد تبين أن الغرب أحس بالخطر على حضارته وسيادة قيمه فأعلن الحرب على العراق دون إكثرات بالقيم الحضارية والثقافية للتواصل بين الشعوب لبناء السلام، فلا يمكن ان نبني السلام دون إحترام قيم الاخرين .لذلك يعتبر الدكتور المهدي المنجرة أن حرب الخليج (1991) هي الحرب الحضارية الأولى، وقال انذاك إنه مسلسل سيتواصل وسيأخذ أوصافا أخرى، ‘الحرب الحضارية مسلسل، ففي أي مكان في العالم حدث فيه تفوق علمي وتكنولوجي، ستكون هناك أسباب لمحاربته بأي وسيلة كانت، وتحت غطاء محاربة الارهاب أو غيره’.ونحن نعيش حلقة جديدة من هذا المسلسل، تتمثل فيما تواجهه إيران، لجهة إعتمادها على ذاتها لبناء قوة معتمدة على التقدم العلمي والتكنولوجي، ومحو الامية ليصبح شعبها من أقل الشعوب العالم الثالث أمية، ولقوة إيران الحضارية كمهد للثقافات وكأرض للذاكرة الاسلامية. لذا نجد أن الرؤية الغربية لإيران مبنية على الخوف من هذا المد الحضاري الذي ستشكله كأساس حضاري للأمة الاسلامية. ولهذا يسعى الغرب لمنع النمودج الايراني (ومن قبله العراقي) من الانتشار لأنه سيخلق بيئة سياسية وحضارية في العالم العـــربي والاسلامي ستنتقل عدواها الى باقي دول العالم الثالث.إن الدول الغربية ومعها أمريكا أصبحت مستعدة لخوض الحرب ليس بسبب الدفاع عن القيم فحسب، إنما لفرض نمودج لنوعية الحياة. وهذا ما سبق لابن خلدون أن اوضحه بخصوص النزاع بين القبائل، الذي يقول بأنه لما تتغلب قبيلة على أخرى، فأول شيئ تقوم به القبيلة المنتصرة هو فرض قيمها على القبيلة الخاسرة، وهذه الاخيرة تظن أن قوة الاخرى في لباسها ولغتها وسلاحها ويصير نوع من التقليد. وهذا بلغة العصر هو العولمة، فالعولمة ليست حركة خاصة بالاقتصاد واللبيرالية، بل كيف يمكن ان افرض عليك قيمي .لكن إذا كان كل من الدكتور المهدي المنجرة وصامويل هانتنغتن يتفقان بخصوص طبيعة الحروب، كونها أصبحت حروبا حضارية، فهناك فرق كبير بين الموقفين.فموقف د. المهدي المنجرة وقائي، بحيث يحذر بان أغلب النزاعات المسلحة ستصبح ثقافية حضارية والحل الوحيد لتفادي هذه الحروب هو توفير جو أفضل من التواصل الثقافي. لكن هانتنغتن جاء بفكرة أخرى مغايرة تماما، فبعد أن أقر بان الحروب ستكون حضارية، فرض حلا مسبقا ووصف علاجا وحيدا لا ثاني له. إذ قال ‘حقيقة إن الحروب المقبلة ستكون ثقافية وحضارية… لكن اين يكمن الخطر؟ من اين سياتي؟’ ثم اجاب ‘الخطر ات من العالم غي اليهودي- المسيحي’. اي انه اعطى للقيم اليهودية- المسيحية الاولوية، وهذا معناه انه ليس هناك حلولا، فالحل الوحيد الممكن هو فرض تلك القيم اليهودية المسيحية على بقية العالم، واي جزء من العالم سيرفض تلك القيم هو مكمن الخطر وسببه الرئيسي، وبالتالي منه ستنطلق الحرب.و لتفادي هذا الخطر، اضحى من الضروري القيام بحروب وقائية واستباقية، لذلك انطلقت الحرب على العراق، وهذه هي الاطروحة التي اطرتها . ويبقى التواصل الثقافي هو الالية المثلى لعلاج اشكالية النزاعات المسلحة، غير أن هذا التواصل الحضاري الثقافي بين الغربي وغيره صعب جدا، لأنه دائما ينتظر من الاخر أن يعرف لغته وموسيقاه وجغرافيته وتاريخة. فهذا طاغور الشاعر الهندي الكبير يصف في كتاب له زيارته لبرلين في يوليوز سنة 1930 ولقاءه باينشتاين، فقال له طاعور: عندكم في الغرب كذا وكذا، وسيمفونية بيتهوفن التاسعة تتميز بكذا.. وبسرعة وبساطة يرد اينشتاين: بالنسبة لي أجد صعوبة لفهم الموسيقى الشرقية لصعوبة بنيتها .وعليه، يمكن القول بأنه يجب إدخال إشكالية الصراع الحضاري وصراع القيم لفهم ما يدور حاليا من حروب وما سيدور في المستقبل.كاتب مغربيqmdqpt