الكاتبة اللبنانية كاتيا الطويل: الأدب الخالد لا يحمل إجابات

بيروت ـ حوار: هدى مرمر
حجم الخط
0

لم يعد الإبداع الروائي مجرد استرسال في السرد، وتدوين تسجيلي لوقائع الحياة بل يتطلبُ إنجاز العمل الروائي وعياً بالتحولات التي شهدها هذا النوع الأدبي على مستوى المضمون والخطاب، ولا يكتسبُ العمل الإبداعي هويته، دون تمكن صاحبه من تطويع خلفيته الثقافية وحسه النقدي في تحديد إطار متماسك للمادة المروية، وبدورها أدركت الكاتبة والروائية اللبنانية كاتيا الطويل ضرورة الاهتمام بظاهرة تضخم الرواية وهيمنتها على المشهد الثقافي، وهي بصدد كتابة أطروحة دكتوراه عن النقد الأدبي، بموازاة مساعيها الدوؤبة لإضافة عناوين جديدة إلى رصيدها الإبداعي أخيراً، ففقد تجاوزت الطويل عقدة الرواية الأولى، وأنجزت عملاً جديداً «الجنة أجملُ من بعيد» وكان لـ«القدس العربي» حوار مع صاحبة «السماء تهرب كل يوم» حول خياراتها في الكتابة الروائية والأفكار الجوهرية في عملها الروائي الصادر حديثا من دار أنطوان.
□ هل الكتابة، كما الحبّ والجنّة، أجمل من بعيد؟
■ قد تكون الكتب، قراءةً وكتابةً، هي الأمر الوحيد الذي يبقى جميلاً من قريب، ويزداد توهّجاً كلّما اقتربنا منه. يشعر الإنسان أحيانًا بأنّه يريد أن يعرف صديقاً أو حبيباً أو كاتباً عن قريب، لكنّ الإعجاب عموما يندثر عندما تزول المسافات، يزول الوهم ومعه يزول الحبّ. يؤمّن البعد برأيي استمرار كلّ العلاقات، سواء أكانت علاقات مع الأشياء أم مع البشر.
□ هل اختيارك للكاتبة الخالقة مؤنّثة ينحصر بالنفحة النسويّة التي تناقض سرديّة الخلق الذكورية؟
■ لا أؤمن كثيرًا بتصنيف الكتابة النسويّة، فليس أدبا نسويّاً كلّ أدب تكتبه امرأة، أو كلّ أدب يعالج قضايا المرأة، هذا ظلم ومحاولة لعزل أدب المرأة الكاتبة في زاوية بعيدة. لقد اخترت أن تكون الخالقة في روايتي امرأة، لأنّ الخالق في عالمنا الحقيقيّ وفي أدياننا السماويّة الثلاثة، يُشار إليه بضمير الغائب المذكّر دوماً، فأردتُ قلب هذا الاستعمال اللغويّ لتكون عناصر الفضاء السرديّ كلّها مقلوبة في روايتي. فبما أنّ الكاتبة تصبح قارئة في روايتي، والقارئ يصبح الشخصيّة، والشخصيّة تتحوّل إلى ناسجة الخيوط الروائيّة كلّها، لمَ لا أشير إلى الخالقة بصيغة المؤنّث بدل المذكّر؟هي تقنيّة سرديّة وظّفتها، وليست ثورة على الذكوريّة الأدبيّة. الثورة في الأدب لا بدّ أن تكون ثاقبة ومبطّنة وليست مرميّة بهذا الوضوح.
□ في روايتَيك نرى تخبّطاً عبثياً لقلم يبحث عن الأبعاد اللاهوتية والفلسفية للخالق وعملية الخلق، ويتساءل عن جدوى الحياة ما بعد الخلق، هل كما يقول المثل «اللي خلق، علق»؟
■ أنا في مرحلة من حياتي أتساءل فيها عن سبب وجودنا كبشر في هذه الدنيا. لماذا خُلقنا؟ لماذا نعمل ونتعب ونتنافس؟ لماذا ولمن نصلّي؟ وهل الخالق الأعظم الذي خلق هذا العالم موجود ومبالٍ ومتابع لأخبارنا؟ ولماذا نُخلق ونتعذّب لنموت فتتمّ محاسبتنا؟ لماذا هذه الحلقة الهائلة من الأحداث؟ أسئلة كثيرة ما زالت تحرّكني وحمّلتها لشخصيّاتي، ضرب من العبثيّة التي تسكنني وتؤرق نفسي. لكنّني أظنّ أنّني في روايتي المقبلة سأحاول أن أتوجّه إلى الرواية الواقعيّة بطريقة من الطرق، فهذا فنّ رائع يحاكي الواقع ويحمل همّا إنسانيّاً وقضيّة بشريّة، وبعد قراءاتي الكثيرة لغولدمان ولوكاش وغيرهما من النقّاد أتمنّى أن أدخل هذا التيّار من الكتابة الروائيّة.
□ هل ساعدتك كتاباتك على العثور على أجوبة لأسئلتك أم العكس؟
■ الكتابة التي تقدّم إجابات للقارئ أو للكاتب هي كتابة ساذجة لا تدخل روائع الأدب العالميّ. الأدب الجميل، الأدب الخالد إنّما يحمل رؤيا، يحمل همّاً، يحمل قضيّة، لكنّه لا يحمل إجابات. يمهّد الأدب لإيجاد إجابات ربّما، يمهّد لصقل شخصيّة القارئ والكاتب ربّما، يبني على الأرجح، لكنّه لا يقدّم على طبق من فضّة. أردتُ لروايتي أن تكون زاخرة بالأسئلة تماما كما هي نفسي. أظنّ أنّني في اليوم الذي سأتوقّف فيه عن طرح الأسئلة هو اليوم الذي سأعجز فيه عن الكتابة، وسيكون على الأرجح آخر يوم في حياتي.
□ هل الكتاب كرسي اعتراف الكاتب على مثال روايتك الأولى «السماء تهرب كلّ يوم»؟
■ الكتابة بشفافيّة أمر مستحيل، حتّى عند كتابة السيرة الذاتيّة يحتفظ الكاتب لنفسه بشيء من تفاصيله الحميمة، فهناك دوماً طيف القارئ الساكن خلف الكلمات. مهما ادّعى الكاتب الصدق والشفافيّة فهناك دوما حيّز من الكتمان. وأنا شخصيّاً أجد أنّ الكاتب يجب أن يكون كاذباً. لا يمكن أن يتعرّى الكاتب أمام قارئه تماما، وهنا تكمن الحنكة الروائيّة. تماما كالمرأة الجميلة، لا يمكنها أن تقدّم كلّ شيء للحواس بسهولة، يجب أن تترك شيئاً منها غامضاً لتحرّك الخيال. ما زلتُ شخصيًّا أخجل من طرح مواضيع كثيرة، وما زلتُ أخجل من فضح أوراقي تماما، ربّما لأنّني ما زلتُ في بداية مسيرتي، وربّما لأنّني لم أحدّد مكاني في الحقل الأدبيّ بعد. قد تكون الرواية الأخيرة في حياتي الاعتراف الأكبر، إنّما ليس بعد.
□ هل الشخصية الروائية والكاتبة الهوائية في رواية «الجنة أجمل من بعيد» يشكّلان الإيغو والألتر- إيغو لديك أو لدى الكتّاب الوجوديين بشكل عام؟
■ لا أدري تماما ما موقف الكتّاب عموما، لكنّني في روايتي جعلتُ الشخصيّة المتمرّدة تمثّلني، حمّلت الشخصيّة العاجزة المسيّرة العبثيّة، هموماً وسوداويّة تملؤني أنا شخصيّاً، وجعلتها تطرح على خالقتها الأسئلة التي كنتُ أتمنّى أن أطرحها على خالقي. أظنّ أنّ العبثيّة هي أكثر ما حرّكني في روايتي هذه، شعور بالضعف وعدم القدرة على التغيير. لا أؤمن بالوجوديّة تماماً ولا بحرّيّة الإنسان، وهذا أمر مؤسف ومقلق بمكان. قد أجد يوما ما أيديولوجيا أو عقيدة أو رؤيا تقنعني وتريحني، ولهذا أنا أحسد الناس الذين لا يطرحون على أنفسهم أسئلة كثيرة ويسيرون في الحياة كما يسير قطار على سكّته: بثبات وثقة.
□ «الجنة أجمل من بعيد» هي سيرة آخر رجل حزين في العالم. ماذا بعد هذا الحزن في جعبتك؟
■ لا شيء سوى الحزن! وروايات أناس حزانى أكثر بعد.. أرى أنّ الإنسان كائن حزين، والحزن أصدق المشاعر، أصدق من الحبّ وأصدق من الإيمان. نحن البشر ندرس ونعمل ونجمع المال ونُغرم ونتزوّج وننجب ونصادق كثراً يشبهوننا، في محاولة منّا للهرب. نحاول أن نهرب من الموت والضعف والمرض والوحدة، نحاول أن نضع بيننا وبين الفراغ جدراناً كثيرة، إنّما عبثاً. قد يكون كلامي متشائماً أو سوداويّا، لكنّه للأسف حقيقيّ بالنسبة إليّ، وأجد أنّ الأدب والروايات، أو السرد بشكل عامّ، يمنح الإنسان شيئاً من الدفء والحبّ. السرد برأيي يمنح الإنسان الثقة بأنّه ليس وحده في ما يشعر به، يجسّد له وجوهاً وقصصا تشبهه وتزيل عنه شيئاً من الخوف الذي يملؤه. برأيي إنّ السرد وحده ينقذ الإنسان من الوحدة، لكنّ الحزن لا فرار منه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية