الكاتب الاردني غسان العلي: روايتي تصفية حساب مع الطفولة وتتقاطع مع السيرة الذاتية
بمناسبة صدور روايته الثانية أهرميان الكاتب الاردني غسان العلي: روايتي تصفية حساب مع الطفولة وتتقاطع مع السيرة الذاتيةعمان ـ القدس العربي : ظهر اسم الروائي الأردني غسان العلي خلال الألفية الجديدة مع صدور روايته الذئب عن منشورات أمانة عمان، وقد لفتت الانتباه الي هذه الموهبة التي طلعت في الساحة الأدبية الأردنية ناضجة من دون مقدمات ،وبدا للقراء أن صاحبها كان غائبا يحضر لأعماله بكل هدوء لتظهر بشكل مفاجيء، لكن الاقتراب من عالم العلي كما يكشف عنه هذا الحوار يدل علي أن ظروف عمله هي التي أخرت ظهور نتاجه علي الملأ، فالرجل طبيب درس في رومانيا واحترف الطب في القوات المسلحة، وعاش ربع قرن تقريبا ضمن نظام الجيش حتي جاء أوان تقاعده وانشغاله باصدار رواياته الخمس المخطوطة، وقد أصدرت له وزارة الثقافة مؤخرا روايته الثانية أهرميان ، وفي روايتيه يكتشف القاريء غني في المفردات والشخصيات والأمكنة ضمن صياغة سردية غير تقليدية، وربما يأتي هذا من قراءاته المكثفة للآداب في الرومانية وغيرها فهو عاشق للغات و يقترب من اتقان العديد منها.يحضر المكان الأردني والمفردات والأغاني ولهذا يمكن للقاريء أن يجد نكهة خاصة في روايات العلي، رغم أنه ينتقل بها الي أماكن أوروبية مثل كرواتيا ورومانيا أو أماكن عربية مثل المغرب، ومن الواضح أن تجربة العلي تقدم المعرفة مصفاة ومكثفة ومحمولة علي الحكاية، وعلي كل حال فما زالت تجربته بحاجة الي انتباه النقاد لاضاءتها كما ينبغي.هنا حوار مع العلي حول تجربته وهواجسه الكتابية : لنتحدث أولا عن ظهورك القوي والمفاجيء في الساحة الثقافية الأردنية، فما هي الظروف التي أجلت اصداراتك الروائية والدخول الي عالم الأدب ؟ لا شك أن طبيعة عملي، والذي التهم ربع قرن من الحياة، تحت ظروف جد قاسية كان حائلا بل معرقلا لهذا النوع من النشاط مع أني كنت أمارس الكتابة طيلة الوقت ،والنتيجة ؟ خمس مخطوطات روائية ترقد في بيتي علي أحد الرفوف. وذات صباح نظرت في المرآة، رأيت الشيب قد غزا مفرقي، والوهن يتسلل الي نياط القلب، وكتفاي عاريتين الا من عبء ثقيل، فحملت احدي المخطوطات وهرعت الي المطبعة. في روايتك الثانية أهرميان لاحظت اعتمادك علي تقنية اللوحات بدل الفصول، فهل لهذا علاقة بممارستك للرسم والتصميم الداخلي، أم هي رغبة في التجديد وكسر السرد التقليدي ؟ قدر للأجناس الأدبية والفنون أن تلتقي، طالما الالهام يفيض عن بؤرة واحدة في هذا الكون العميق، بالنسبة لي لا أجد كبير فارق بين لوحة تحكي قصيدة أو معرضا فنيا مشبوحا علي جدران احدي القصائد، أو مقطوعة موسيقية تبوح بنص مكنون، أو نصا يقطر موسيقي، وأعتقد جازما أن الشكل يتلاقح ابداعيا مع المضمون. الرواية نهاية مخاض طويل مضن، تأتي مسربلة بردائها الخاص فلماذا تنوع عنها بزتها وتخلع عليها عباءة السرد التقليدي؟ لو كان أهرميان نحاتا لجاءت فصول الرواية بالتماثيل بدل اللوحات، مع أن الراوي يلفت انتباهنا الي ضرورة البحث عن البعد الثالث في لوحة ذات بعدين فراغيين، وعن البعد الرابع (الزمن) في الأشكال المجسمة، فهل تحتمل أهرميان بعد هذا شكلا سرديا ذا بعد واحد؟ في أهرميان أيضا ثمة اشتغال علي التراث الريفي الأردني، سواء في الطقوس أو في الغناء أو ذكر المواد بأسمائها، فهل تهدف من ذلك الي بث روح أردنية في النص الروائي أم رغبت في تصفية حساب مع الطفولة وذكرياتها ؟بل تصفية حساب مع طفولة بعيدة، لا تني أزهارها الحارقة تتفتح في زمن مستقطع من العدم، لكني أعجب : أي ازهار سيحمل أطفالنا في أعماقهم؟ سألني طفلي مرة: ما تلك الحديدة الصدئة المعلقة علي الجدار ازاء سريرك ؟ انه مفتاح بوابة الحوش في دار جدك لأبيك. أجبت، قال الصبي: مفتاح كبير جدا، ثم استرسل: لثقب كبير جدا في باب كبير، فهل كان اللصوص كبارا يا أبي؟لا…. قلت، كانوا صغارا ينفذون من ثقب الباب، لم يكبر اللصوص الا بعد أن صغرت المفاتيح، ها هم ينفذون من الثقوب الواسعة في ذاكرة أطفالنا وأعجب أيضا: كيف سيرحل هؤلاء الي المستقبل بذاكرة مثقوبة! روايتك الأولي الذئب بدت مزدحمة بالمعارف واللغة الغنية والأفكار المكثفة اضافة الي الحكاية الشائقة فكيف حدث أن صغت كل هذا العالم الروائي الساحر، وبمن تأثرت من الكتاب العالميين أو العرب وأنت تكتبه؟ في الواقع فان رواية الذئب قد تلت أهرميان لكن سبقتها في النشر والخروج الي النور، فيها الكثير من سيرتي الذاتية، حين فرغت من كتابتها أدركت كم كانت حياتي مزدحمة بالمعارف واللغات ، وكم صفقت – بلا رحمة – دماغي بشتي الأفكار… أنظر الي حياتي من خلال الذئب فأجدها سلسلة من حكايات شائقة تربط المعقول باللامعقول، الحزن بالفرح، القبح بالجمال، المجون بالرزانة، والحقيقة بالوهم شأن أي حياة أخري يصنع منها التضاد قيمة خالدة، ليس ثمة في الكون حياة تافهة أو حقيرة، حتي النملة اما أن تبثك خبر احتفائها بالحياة أو تنبيك عن جند سليمان، أما عن تأثرنا فيما نكتب بالآخرين فلسنا يا صديقي سوي أشجار نأخذ ما تعطينا الأرض ،ونقارع نزوة الريح ليطرح كل منا ثمرا خاصا ذا نكهة خاصة في حين تتشابك جذورنا في الأعماق تشابك وعينا الجمعي الموغل في القدم. في الذئب لاحظت اشتغالك علي العلاقة بين المشرق والمغرب من خلال شخصين يوسف الأردني والزرقي المغربي واشتغال أيضا علي العلاقة بين الشرق العرب والغرب رومانيا وكأن العلاقة تظل مبتورة وغير مكتملة فما رأيك؟ سمتنا الحقيقية – نحن البشر – التمايز، ولو كنا صنوا لاختفي الحب من الأرض وخمدت البراكين ،ولو وضعت الحرب أوزارها عن كوكب ميت. أبطال رواية الذئب لم يدركوا ذلك الا متأخرين. هو ذا يوسف سمور (العربي) ينظر في كفه ليجد القنبلة وقد تحولت الي ثمرة ليمون، وتلك هي ثندي (الغربية) تلقي في كف يوسف بثمرة ليمون فتتحول الي قنبلة، الليمون والقنابل يشتركان في خاصية واحدة: المقدرة علي علاج الصداع. أي خيار يبقي للانسان العربي حين يقف أعزل أمام صداع مزمن؟ وأي خيار يبقي ليوسف سمور حين يستبدل ليمون الغور بذلك النامي في جبال أطلس؟ من الواضح أن ثمة جزءا من خبراتك كطبيب في الذئب فالي أي مدي هناك تقاطع واضح ما بين السيرة الذاتية والسيرة الروائية لشخصياتك؟ السيرة الذاتية والروائية للشخصيات تلتقي بل تتماهي تماما، ولكي أكون أكثر دقة ليس تماما بالضبط، حين أعود بذاكرتي الي الوراء أجد خيمة للخيال ضربت فوق تلك الأحداث، وأجد حبالها وأوتادها العجائبية قد دقت بأرض الواقع ،فأهرع الي مبضعي أشرّح به ما يتراءي من ظواهر علني أقع علي التشخيص الصحيح وأجد نفسي متلبسة بمحاولة تفسير ما لا يفسر. يتساءل يوسف سمور في الرواية : كيف سيقتنع القاريء بصدق ما حدث؟ سأكتب يوما ما هذه التجربة الفريدة. سأكتب عن حياتي… وأخيرا كيف تنظر الي الحالة النقدية في الأردن وهل استطاعت أن تدرس أعمالك وتضيئها من الداخل أم تجاهلتها؟ لا بأس علي الحالة النقدية في الأردن. ثمة ناقدان فريدان قرآ الذئب كما أحب بل كما يجب أن تقرأ، أما أهرميان فقد أينع رأسها مؤخرا ولم يحن قطافه بعد..التقاه : يحيي القيسي 0