هذا هو علي حسين، الكاتب الظاهرة في الصحافة العراقية اليوم. كاتب ينطبق عليه ما جاء في العنوان بدقة من حيث أنه حول قراءاته المتراكمة والمتواصلة بدأب نادر إلى مشروع للكتابة المثمرة أنتج من خلاله في هذه المرحلة من سني عمره المديد حتى الآن الكتاب الرابع «غوايات القراءة».
فقد نشأ قارئاً محباً للكتب، مقلباً لها، حاملاً إياها فكان أنْ أغدقت عليه بتنويع معارفه كما أغدق عليها بماله ووقته وانكبابه عليها، حتى صارت كل خزينه والرفيق الملازم له. تأمل عند الشروع بأحدث كتبه «غوايات القراءة» الصادر عن دار أثر للنشر والتوزيع السعودية ودار الكتب العلمية العراقية مطلع 2019 في خزينه ليس على نحو كمي، وإنما بطريقة نوعية فكان أنْ صنفه وعزل ما فيه وبلوره ليكون مادة تفيد منها أصناف متنوعة من القراء من حيث العمر والمستوى التعليمي والاجتماعي وما إليها.
قال فيه الناقد العراقي ياسين النصير في تعقيب على مقالة نشرها على صفحته بتاريخ الخامس والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2018: ما أروعك لست مستغرباً هذا الانثيال الرائع والدقيق فمنذ عرفتك كنت منغمساً حد اللعنة في صفحات كتاب حجب وجهك عنا. أغبطك على هذا الدأب وأعتبرك معلماً للأجيال الجديدة التي لم تقرأ ما قرأت». يقدم علي حسين اليوم كتابه الجديد «غوايات القراءة»، ليتخفف من عبء ما يحمل في ذاكرته من خزين معرفي وكأنني به يعمل وفق العنوان الذي وضعه للحلقة الثالث عشرة في هذا الكتاب، التي جاءت بعنوان «كيف يمكننا أنْ نرى ذاكرتنا مسطرة على الورق». والغواية انقياد للهوى حسب قاموس اللغة وهو منقاد إليها فعلاً ـ القراءة ـ التي يبدو جلياً أنها تنقاد إليه أيضاً.
يقدم علي حسين اليوم كتابه الجديد «غوايات القراءة»، ليتخفف من عبء ما يحمل في ذاكرته من خزين معرفي.
تقرأ كل حلقة في هذا الكتاب التي بلغت خمساً وعشرين حلقة فتجدها قائمة بذاتها تتصف بوحدة الفكرة وتسلسلها، ما يشجع على تلقفها ومتابعتها من قبل القارئ بالشغف الذي كتبت فيه. لمن لا يعرف علي حسين فإنه يتكلم ويقرأ ويكتب بالانسجام والتناسق مع ما يقدمه من عمل. ينتاب متابعوه وقراؤه بعد أن يجزلوا عليه بكلمات المحبة والاحترام والإطراء شعوراً بأنهم استنفدوا كل ما لديهم فقد بلغوا معه منتهى ما يمكن أنْ يقال لكاتبهم المفضل. بيد أن غزارة إنتاجه وتنوعه سرعان ما يستدر مزيداً من الإطراء والثناء والإعجاب. فهو يؤسس لمدرسة في القراءات التنويرية والمختارة بعناية والتي يمكن أنْ تقود إلى صقل القدرة على الكتابة أو ما يسميه الناس موهبة الكتابة. يقدم علي حسين، من حيث يدري أو لا يدري دحضاً لهذه الفكرة الشائعة حول موهبة الكتابة. فالكتابة عنده حرفة تتطلب جهداً من المشتغل عليها لينظر فيها ويقلبها معيداً وصاقلاً حتى يصل بها إلى المنتج النهائي تماماً، كما يقوم الحرفي بنحت مصنوعة فخارية أم فضية أم ذهبية. يتوجه بهذا المسعى إلى جمهور واسع من الراغبين في خوض غمار الكتابة، ولكنهم يتراجعون بسبب شيوع فكرة الكتابة موهبة. فإما أن تكون صاحب موهبة أو لا تكون. المشكلة أن المتضررين من هذه الفكرة الخاطئة كثيرون، بل صاروا يزدادون عددياً مع ازدياد أعداد المتعلمين من خريجي الدراسة الجامعية والدراسات العليا في مختلف الاختصاصات العلمية في العالم العربي. يحتاج كل هؤلاء إلى إتقان الكتابة كصنعة لتقديم أنفسهم ومنجزهم أياً ما يكون. ويظهر علي حسين من خلال ما يقدمه من نماذج عملية ليدحض فكرة الكتابة موهبة من حيث أن أفضل طريق لتعلم الكتابة وممارستها والتمكن منها كما يقترح ضمناً أنْ تقرأ. ويقول في هذا المجال: لا وجود لكتاب غير مفيد أو غير ممتع، بل كل الكتب مفيدة وممتعة. بهذا الولاء والاندفاع والوفاء للكلمة المكتوبة قرأ علي حسين، ومن ثم كتب ليقدم لقرائه ومتابعيه كتباً حملت نكهة الماضي والحاضر بمسحة حداثوية.
لا وجود لكتاب غير ممتع، بل كل الكتب مفيدة وممتعة. بهذا الولاء والاندفاع قرأ علي حسين، ومن ثم كتب ليقدم لقرائه ومتابعيه كتباً حملت نكهة الماضي والحاضر بمسحة حداثوية.
يصف كتاب «غوايات القراءة» بالقول: إنه أشبه بخلاصة تجربتي في الحياة». وهو يقول عن هدفه من الكتاب «إنه ينبغي أن يكون قادراً على بث الشغف بالمزيد من القراءة من قبل الآخرين». يتعلم من هنري ميلر أن «الكتب التي لا تروق لك ربما تصبح في ما بعد مدخلاً لكتب أخرى ستحبها وتتعلق بها». ويحكي لنا عن سماعه للمرة الأولى عندما كان شاباً يافعاً لكلمة «العدالة» التي راحت ترن في أذنيه لتدفعه إلى التساؤل عن ماهيتها. يتعرف عليها في ما بعد في مرحلة متقدمة من قراءاته من خلال الاطلاع على أعمال أفلاطون، الذي يقود جدالاً ممتعاً ومحفزاً يبحث فيه عن الصلة بين القانون والعدالة، خاصة في أعقاب تنفيذ الحكم بالموت على أستاذه سقراط. ونلتقط في مكان آخر من الكتاب قوله: لم أقرأ من أجل المعرفة وإنما قرأت من أجل المتعة». وبلغ به الولع بالقراءة أنه وافق على العمل في مكتبة بدون أجر مادي واستبداله بالسماح له بقراءة ما يرغب بقراءته لفترة امتدت لعشر سنوات بين سن 15-25 سنة من حياته. وهذا ما حصل له ومعه.
سيكون من المفيد والمثمر أن يوضع هذا الكتاب «غوايات القراءة» إلى جانب أخوته الثلاثة السابقين: «في صحبة الكتب»، و«دعونا نتفلسف»، و«سؤال الحب»، في سلسلة متواصلة مصممة للتثقيف والتعلم. سلسلة يستطيع أنْ يفيد منها القراء على وجه العموم ممن هم بمستوى متواضع ومتوسط وعال على السواء. فهذه كتب تغني قراءها وتدفع إلى مزيد من البحث عما في ثناياها لسبر غورها، من خلال التشجيع للعودة إلى أصولها. وقد تكون سلسلة مفيدة كمقرر دراسي تعليمي مستحدث يمكن أنْ يشرع بها على مستوى الدراسة المتوسطة والإعدادية وحتى الجامعية كمادة للتثقيف والتنوير مع التدرج برفع حجم الواجبات المترتبة عليها وفق المستويات التعليمية المشار إليها. وهذا ما يحصل عادة في كثير من البلدان المتقدمة التي تهتم بالقراءة ليس فقط لذاتها وإنما باعتبارها وسيلة للتعلم أو المساعدة على تجاوز مشكلات التعلم لدى الأطفال والأشخاص أو لأغراض تنمية المهارات اللازمة لتسهيل أمر النجاح والتفوق الدراسي.
لعل القاسم المشترك في حلقات «غوايات القراءة» الخمسة والعشرين أنها تحث على القراءة وتعظمها وتعلي من مزاياها. فهي عنده كل حياته. وهي العالم الحي عند بورخيس وهي أن تعيش أكثر من حياة لدى أمبركو إيكو. وهي سفينة أفكار لدى نيرودا وهي الاكتشاف الأفضل لدى ماريو فارغاس يوسا. وهي ما نتذكره لدى شوبنهاور وهي طريقة من طرق التشاغل عن الموت وإطالة الحياة لدى دانيال بينال. وهي مبعث الطمأنينة والأمان لدى توماس دي كيمبيس. وهي حوار مثمر مع أفضل الشخصيات لدى ديكارت. وذاك فيكتور هوغو يشبه القراءة بإشعال النار في مكان بارد. وهي طاردة للجهل والخرافة لدى توماس جيفرسون. وهذا نيل غايمان يقول في القراءة: أقرأ ما يصفونه لك بالمفيد والتافه على السواء. أقرأ فحسب.
ويميز كافكا بين الكتاب الجيد والكتاب السيئ بالقول: إن الأول يوقظك، فيما الثاني يبث في نفسك مشاعر بالسعادة الخادعة.
تظهر القراءة بأشكال شتى في هذا الكتاب فهي هوس، وهي عمل منظم وهي محبة وولع والتزام وهي عقل نابض بالحياة وهي شخصيات ناطقة متحاور معها. ويميز كافكا بين الكتاب الجيد والكتاب السيئ بالقول: إن الأول يوقظك، فيما الثاني يبث في نفسك مشاعر بالسعادة الخادعة. من جانبه ولدأبه وحضوره على مستوى عمله الصحافي مديراً لتحرير صحيفة «المدى» العراقية في بغداد وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي فقد صنع علي حسين طبقات من المتابعين والقراء والدارسين له، بل وحتى المولعين بأعماله ومقترحاته ومقالاته التعريفية والتقديمية بشخصيات عراقية وعربية ودولية على مستوى الأدب والفلسفة والعلم، بدءاً من أفلاطون وأرسطو ومروراً بميكافيلي وهيغل وماركس وسارتر وكامو وميلر وفلوبير وتورغينيف ومارلين مونرو وبنتام وزافون وباموق وشافاك وماركيز وألتوسير وبرودل، إلخ . وعلى صعيد العرب يكتب عن عبد الرحمن بدوي وطه حسين وتوفيق الحكيم ويوسف زيدان وسمير أمين وجلال أمين وسمير عطا الله وحنا مينه والعراقيين غائب طعمة فرمان وعلي الوردي وطه باقر ومحمد مهدي الجواهري وزهير الجزائري ومنقذ شريدة ورمزي صوفيا وإسماعيل فهد إسماعيل وعبد الحسين السماوي وعبد الخالق الركابي ولطفية الدليمي وميلسون هادي وإنعام كججي وعلي الشوك وغيرهم. ويكتب عن السياسيين المرموقين الذين تميزوا بخدمة بلدانهم وقدموا أمثلة في العطاء والتفوق من أمثال تشرشل وديغول ولي كوان وميركل وترودو وآخرين. ألا يؤهله كل هذا الفيض إلى أن يعد «ظاهرة» في الصحافة العراقية وربما العربية! ظاهرة لم تأت من العدم وإنما جاءت عبر بوابة العمل والدراسة والدأب والتراكم وكأني به يقول مخاطباً الفرد أياً ما يكون: كل لحظة في حياتك مهمة وأن التلاعب بهذه اللحظة وعدم احترامها بعمل جاد استهانة بها وهدر لها. وهذا ما فعله كاتبنا المثابر والدؤوب علي حسين. لم يخزن العلم والمعرفة لأجل التخزين إرضاء لغروره الشخصي أو إثارة لإعجاب المقربين منه والمهتمين به وإنما قدمه على طبق واسع، من خلال النشر في الصحافة والكتب ووسائل التواصل الاجتماعي بجزالة وكرم. وحافظ وهو يفعل هذا على عقلية الباحث عن الحقيقة والتواق إليها مما أكسب كتاباته وأضفى عليها شخصية وهدفا. بقي القول إن كتاب «غوايات القراءة»، لا يقودك إلى محطة نهائية ونتيجة قطعية ولكنه يبث فيك الحماسة لتقرأ وتتعلم وتكتب لأن الحياة مستمرة والمناهضين لها مقضي عليهم لا محالة.