اجرى الحوار محسن أخريف: كان اللقاء الذي نظمته مؤسسة المورد الثقافي المصرية الرائدة بدولة البحرين سنة 2005 مناسبة لألتقي مجموعة من الكتاب العرب البارزين من جيلي؛ ويعد محمد عبد النبي الكاتب والمترجم المصري أحد هؤلاء، حيث راكم منجزا أدبيا مهما، فمن بين أعماله نذكر: ‘في الوصل والاحتراق’، و’أطياف حبيسة’، و’وردة للخونة’، و’بعد أن يخرج الأمير للصيد’، بالإضافة إلى عدد من الكتابات الموجهة للأطفال. وحول عمله ‘بعد أن يخرج الأمير للصيد’ يدور هذا الحوار. * جنست عملك ‘بعد أن يخرج الأمير للصيد’ بمتتالية قصصية. ما الذي تقصده بالمتتالية القصصية، وهل هنالك خصائص مائزة لتجنيسك هذا؟*أظن أن المتتالية المتوالية الحلقة القصصية هي نوع أدبي موجود ومتحقق بالفعل من عشرات السنين، ومن أهم من كتبوها في مصر إدوار الخراط، وكان مقصدي الخاص هو الخروج من هيمنة الأنواع الأدبية المستقرة مثل الرواية والقصة القصيرة بالصورة التقليدية لهما، وتوسيع أفق السرد من خلال الدوران حول النوع ذي الغرض الواضح والقسمات التي لا لبس فيها، عندما يكون النوع ملتبسا يسمح هذا بفتح أفق جديد للسؤال السردي، ويكون باب التجريب مشرعا على مصراعيه، وهذا تحديدا ما كنت أحتاجه في كتاب : بعد أن يخرج الأمير للصيد.* بهذا المعنى، هل هو تدريب على كتابة الرواية؟*كتابة قصة هي كتابة قصة وليست تدريبا على كتابة رواية، بل كل كتابة هي تدريب في داخل نوعها وفى داخل حدود وإمكانيات هذا النوع، تدريب بمعنى إيجابي، بمعنى اكتشاف احتمالات أخرى وآفاق جديدة. لا أعتقد أن المتتالية تدريب على كتابة الرواية، بل إن التدريب الوحيد على كتابة الرواية هو كتابة الرواية نفسها، وأنا لست ضد نوع الرواية، وهو طموح جميل أعيش به، لكنني أرفض الاستسهال الذي صارت تكتب به الروايات بين الأجيال الأحدث سنا من الشباب، لضمان الشهرة والتوزيع والجوائز وخلافه. مما يعد إهانة للنوع الذي يحاولون الانتماء له، ولو بالعافية / بالسيف.* تظهر في عملك تأثيرات واضحة للمكان، حدثنا عن هذا الأمر؟*المكان هاجس أساسي عندي، وربما كذلك عند فؤاد بطل المتتالية، ليس باعتباره الديكور الخارجي الذي يحيط بأحداث الحياة اليومية، ولكن باعتباره مكونا أول من مكونات الذاكرة والوعي، وباعتباره الرحم أو الوعاء الذي تتشكل فيه التجارب والخبرات، ويصل تعلق فؤاد ببعض الأماكن، المقدسة منها والمبتذلة، إلى حد أن يفترض في مناجاة ذاتية له بالمتتالية أن ‘كل مكان مقدس، بما هو بدنُ الأيام و الليالي الذي أحرق الشهوات وأشعل الكلمات في صمت كله كبرياء’. ومن اللافت أيضا بالنسبة لي أن أغلب الأماكن كانت خارجية، خلال نصوص المتتالية؛ ليست بيوتا ولا غرفا حميمة، بل شوارع وميادين وأماكن عامة. * إن قارئ مجموعتك يجد أنك تكتب بلغة رصينة، إذا ما قارناها بلغة كتابة جيلك، ما الذي تقوله بهذا الخصوص؟*ليس هناك كما أتمنى مستوى واحد للغة في نصوص المتتالية، بحيث يمكن أن نطلق عليه بضمير مرتاح أنه لغة رصينة أو قديمة نوعا ما، بل هناك مفردات تكاد لا تستخدم حاليا، رغم فعاليتها وأهميتها والجماليات الخاصة بها، جنبا إلى جنب مفردات نشيطة تنبعث من اللسان الدارج للتواصل كل يوم، واللغة التراثية الغنائية التي تحتفي بالإنشاد والطقوس موجودة في عناق مع لغة السرد الحديث العملية وخفيفة الوطأة ومع لغة التساؤلات والمونولوغات الذاتية الوجدانية لعل مغامرة الكتاب كانت في الانتقال بين المستويات المختلفة للغة، مع البطل فؤاد الأمير، الذي ينتقل من مستوى وعي وإدراك إلى مستوى آخر بخفة وبساطة كأنه فراشة داعرة، على حد تعبيره.