الرباط – «القدس العربي» : وصف الإعلامي والكاتب بوشعيب الضبار إصدار كتاب «السخرية والحرية… الكاريكاتير السياسي في الصحافة المغربية»، بـ»حلم استطعت تحقيقه أخيرا، بعد أن رافقني كمشروع قيد الإنجاز، لعدة سنوات»، موضحا أنه أنجزه «بكثير من الحب، لاسيما وأن كل رسامي الكاريكاتير، تقريبا، أصدقائي، أعرفهم جيدا، وسهّلوا ليّ المهمة، بتمكيني من سير حياتهم، ورسوماتهم وأرشيفاتهم الشخصية، وأنا ممتن لهم كثيرا».
الكتاب الواقع في 350 صفحة، الذي صدر عن منشورات دار النشر «الفاصلة” في مدينة طنجة (شمال)، بدعم من وزارة الثقافة والشباب والتواصل، تصدرت غلافه لوحة للفنان العربي الصبان، أحد رواد الكاريكاتير في المغرب، وبتقديم مفصل وموسع للكاتب والإعلامي عبد الرحيم التوراني. وتوزع محتوى الكتاب بين مجموعة من المقاربات والبورتريهات والسرديات الذاتية القصيرة، التي كتبها بوشعيب الضبار في مراحل متباعدة زمنيا، بعضها سبق نشره، وبعضها يطلع عليه القراء لأول مرة، واستقبل بحفاوة من طرف الصحافة المحلية، وعموم المشهد الثقافي، وكان حفل توقيعه في المعرض الدولي للنشر والكتاب في الرباط خير دليل على ذلك.
بالنسبة للمشهد من بعيد يبدو موضوع الكاريكاتير السياسي وتوثيق مساره مغامرة شبيهة بتسلق جبل شاهق من الإبداع، لكن بوشعيب الضبار يؤكد لـ»القدس العربي» أن الكتابة عن هذا الفن «هي مغامرة شيقة، قوامها الشغف الجميل، وهذا هو الحافز الأساسي الذي دفعني للحفر في تربة هذا الفن المشاغب، برموزه وعلاماته وعناوينه الكبرى، برواده الذين كان لهم شرف البداية، وبمخضرميه الذين واصلوا حمل المشعل، وبشبابه الذين اقتحموه مسلحين بالعلم وتقنيات العصر في الزمن الرقمي، مشبعين بشحنة أكبر من الجرأة في التناول». ويبرز الإعلامي الذي يعتبر أحد رواد الصحافة الثقافية والفنية في المغرب، أن الهدف من الكتابة عن الموضوع وإصدار هذا المؤلف، «كان فعلا، هو إعادة الاعتبار للرسم الساخر في الصحافة المغربية، والدعوة إلى إنصافه، كفن جدير بأن يأخذ مكانته إلى جانب مختلف التعبيرات الفنية في رصد نبض المجتمع، والدفاع عن حرية التعبير». وفي رأي الضبار، فإن تحقيق الهدف يبقى «رهينا بتقييم المتلقي، علما أن الكتاب محاولة متواضعة للتوثيق لفن الكاريكاتير، ولبنة جديدة تضاف إلى لبنات أخرى، رغم قلتها، تروم الإبقاء على هذا الفن حيا في الذاكرة، من خلال عطاءات ممارسيه ورواده الذين كرسوا حياتهم له بكثير من التضحية والسخاء، رغم ما واجهوه من مضايقات وصلت أحيانا حد الاعتقال والمحاكمة والمنع».
حجم الإقبال الكثيف على المؤلف الجديد لم يتوقعه بوشعيب الضبار، «إلى درجة نفاد الطبعة المتوفرة لدى الدار الناشرة (الفاصلة)، في المعرض الدولي للنشر والكتاب في الرباط»، مؤكدا أنه فوجئ كثيرا «بعدد من الرسامين والباحثين والأساتذة والإعلاميين، والقراء الباحثين عن المعرفة، يغمرونني بدفء محبتهم، وهناك من اقتنى في وقت واحد، عدة نسخ له ولأصدقائه بتوصية منهم، لتعذر حضورهم إلى المعرض».
يقول الضبار إنه «بقدر ما أسعدني نفاد الكتاب، فإنه في الوقت نفسه أحزنني ووضعني أيضا في موقف حرج تجاه أصدقاء وفنانين وأساتذة أكنّ لهم كل تقدير واحترام، وهذه فرصة لأعتذر لهم، ولقد تعهدت الدار الناشرة، بطبع كمية أخرى، هي الآن رهن الإنجاز في مطبعة في طنجة».
الغوص في تفاصيل موضوع هذا الكتاب يحيل على وضعية هذا الفن، حيث يؤكد الضبار أن «ثمة عوامل كثيرة جعلت الكاريكاتير في المغرب، يعيش (أزمة وجود) إن صح التعبير». ويتابع موضحا أن «مساحة نشره تراجعت بشكل كبير في الصحافة، نتيجة لوضعها المتدهور، وهي بيته ونافذته، وهمزة وصله الوحيدة مع القارئ، ليبقى الرهان مفتوحا على صفحات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى بعض المنابر والمواقع الإلكترونية، التي تهتم بشكل محتشم بالرسم الساخر، ولا تعطيه حقه من النشر». ويشير الكاتب متحدثا لـ»القدس العربي»، إلى أنه «حتى في وسائل الإعلام العمومي، فإن الكاريكاتير السياسي المغربي ممنوع فيها، ولا يسمح له بالظهور فيها، على عكس كل تلفزيونات العالم»، كما أنه «أيضا غير معترف به رسميا، ومحروم من نيل جائزة الصحافة، رغم أن رسامي الكاريكاتير المغاربة، ويا للمفارقة الغريبة، يحصدون الجوائز في مهرجانات الخارج، كل سنة».
كثيرون يقولون إن فن الكاريكاتير خرج من عنق الزجاجة ليدخل في تيه الحداثة، لكن بوشعيب الضبار يشدد على أنه «موقف ورسالة وفن راق، وفي المغرب يعتبر مرآة للواقع السياسي والثقافي والإعلامي الاجتماعي، وهو يتطور باستمرار على أيدي فنانين واعين، متّسمين بحس نقدي لاذع، ووعي فكري».
ويستطرد الكاتب قائلا إن «المشكل يكمن أساسا في الإقصاء والتهميش الذي يترصدهم دوما، ويحد من عطائهم، ويدفع بعضهم إلى الهجرة، بحثا عن أفق أرحب، ومن بين هؤلاء، على سبيل المثال تحضرني الأسماء التالية: خالد الشرادي في سويسرا، ومبارك أبو علي، وهشام عبسة، وسعد الراشد في كندا، ومحمد السعداني في بلاد العم سام».
الكتاب الذي أثار الحدث في معرض الكتاب، غلب عليه الطابع التوثيقي، وجاء في خمسة فصول أولها حمل عنوان «مقاربات»، ويتطرق بتفصيل إلى تجليات نشأة الكاريكاتير كفن صحافي، يروم معالجة قضايا الشأن العام، من خلال رؤية مطبوعة بلمسات ريشة السخرية وروح الدعابة.
أما الفصل الثاني فقد تطرق إلى محور الصحافة في زمن الرقابة، ووفق عنوانه فإنه يسلط الضوء على معاناة الصحافة في سنوات ما يصطلح عليها بـ»سنوات الجمر والرصاص»، عبر بعض التجارب الصحافية الرائدة، مثل «أخبار الدنيا»، الصادرة في الستينيات، التي أفردت المجال واسعا لنشر الكاريكاتير، وتعرض مديرها الصحافي الراحل مصطفى العلوي، بسبب ذلك، إلى سلسلة من المتاعب، قادته إلى الاعتقال والمحاكمة، الذي اعتبره الكاتب «أول ضحية للكاريكاتير السياسي في المغرب».
بالنسبة للفصل الثالث، فقد كان محوره موضوع المرأة والكاريكاتير، الذي يسلط الضوء على دخول الريشة النسائية لعالم هذا الفن، بعد أن كان وقفا على الرجال، واستحضر الكتاب مجموعة من التجارب والأسماء النسوية في الصحافة المغربية التي تمتهن الكاريكاتير محليا.
الفصل الرابع خصصه الكاتب لبورتريهات استعرض خلالها سيراً ذاتية لكل رسامي الكاريكاتير في المغرب، ويقدم خلاصات عن تجاربهم، وتسجيلا لمجمل الآراء والمواقف الصادرة عنهم بخصوص حرية التعبير في الصحافة.
وتحدث آخر فصل وهو الخامس عن حرية التعبير بريشات رسامي الكاريكاتير، وفيه يقول الكاتب، إن «الحرية المقصودة في حرية الصحافة، هي الحرية المسؤولة، والواعية، والبعيدة تماما عن التطاول على الآخرين، وعن التجريح الشخصي، وفي هذا الفصل نماذج لرسومات حول حرية التعبير قديما وحديثا».