يرى الكاتب والباحث الجزائري أحمد دلباني، أن التاريخ سيبقى دائما في موضع مسائلة كلما واجه عالم اليوم مشكلات تتعلق بالعيش المشترك والإعداد للمستقبل، على غرار حادثة مقتل جورج فلويد بالولايات المتحدة والنقاش الذي خلفته عالميا حول تاريخ العبودية ونفس الأمر مع تاريخ نابليون بونابرت بفرنسا، مشيرا إلى أن التاريخ الإمبراطوري أصبح اليوم في موضع مسائلة من طرف المستعمرات القديمة التي ترفع مطالب كالحق في الاعتراف واحترام ذاكرة العذابات.
وتوقف دلباني في حوار مع «القدس العربي» عند الجدل الذي خلفته تصريحات النائب الجزائري السابق نورالدين أيت حمودة نجل العقيد عميروش أحد أبرز القادة التاريخيين للثورة، بسبب تخوينه لرموز تاريخية من بينها الأمير عبد القادر، واعتبر ان التعامل مع قضية استسلام الأمير عبد القادر لا يمكن النظر إليها إلا من خلال البحث والتقصي التاريخي لأسبابها العميقة لا من خلال إهدار البُعد التاريخي ومشروطيتها السوسيو – سياسية، أو من خلال الاندفاع السياسوي الواضح الذي تمليه أجندات حزبية ضيقة، ودعا في السياق إلى ضرورة تحرير التاريخ من إرادة استخدامه لأغراض لا تخدمُ المعرفة العلمية الموضوعية.
ويرى أحمد دلباني في قضية حرب الذاكرة والقضية الفلسطينية، بأن مدينة القدس محتلة عسكريا من قِبل الدولة العبرية الصهيونية، بل هي أيضا مدينة يحتلها تاريخها الخاص، معتبرا بأنه لا سبيل إلى تحرير الحاضر من صراعاته إلا بتحرير الذاكرة من الأحادية والانغلاق والمذهبيات التي ولدتها سياقاتٌ تاريخية من المفروض أنها انتهت مع لحظتها.
وأحمد دلباني كاتب وباحث جزائري مهتم بقضايا الراهن الحضاري ومشكلات الإبداع والفن صدرت له العديد من المؤلفات.
○ هل تقتصرُ حرب الذاكرة على الدول التي عرفت مراحل استعمار في تاريخها؟
• هذا صحيحٌ إلى حدٍّ بعيد. فالتاريخ الأمبراطوري وجد نفسه لاحقا في مواجهة مكوناته العرقية والثقافية المركبة التي رفدتها مستعمراته السابقة وشكلت قوة العمل الرئيسية فيه فضلا عن الثقل السياسي والثقافي الذي مثلته وأصبح يجهرُ بمطالبه الحقوقية ومنها الحق في الاعتراف واحترام ذاكرة العذابات. لقد لاحظنا منذ سنةٍ تقريبا – بعد وفاة المواطن الأمريكي ذي الأصول الأفريقية جورج فلويد اختناقا على يد شرطي – كيف أنَّ هبَّة عالمية انتصرت للضحية، بصورةٍ مدهشة، وتولدت عنها مطالب بضرورة مراجعة التاريخ وتحطيم تماثيل الشخصيات القومية والتاريخية التي كان لها دورٌ واضح في الاستعباد وتكريس اللامساواة والاضطهاد والتمييز العنصري في التاريخ الغربي الحديث. رأينا هذا، بالطبع، في الولايات المتحدة نفسها وفي الضفة الأخرى من الأطلسي أيضا أعني في انكلترا وفرنسا بالأخص.
كان الأمرُ ذا دلالةٍ بالغة وقد دفع بالنقاش بعيداً في هذه البلدان ذات الماضي الاستعماري إلى طرح مشكلة السرديات الوطنية التي أصابها انشقاقٌ في العمق ولم تعُد ذات قدرة على توحيد الوعي بالانتماء إلى الأمة الواحدة. فبعضُ صفحات التاريخ لم تعُد مرجعية تؤسِّسُ للافتخار بالأمجاد القومية انطلاقا من وعي نقدي وتفكيكي حديث كشف عن تمركزها الثقافي وانحيازها العرقي وممارساتها المُستهجَنة وغير الإنسانية. في مقابل ذلك انتدب فلاسفة غربيون أنفسَهم – نظير لوك فيري أو باسكال بروكنر – للدفاع عن التاريخ الغربي، رغم المثالب الكثيرة، مركزين في العموم على كونه تاريخا تميَّز – لا بالاستعباد والبربرية الاستعمارية فحسب – وإنما أيضا بعِتق العبيد وتحريرهم والتمكين للقيم الإنسانية الحديثة شيئا فشيئا منذ «عصر الأنوار». لقد تحدث، مثلا، الفيلسوف الفرنسي آلان فنكلكروت أثناء دعوته في بيان دبَّجه في ذات السياق إلى «ضرورة عدم المساس بالتاريخ الفرنسي والحضارة الغربية» مُنبِّها إلى أنَّ «الثقافة الغربية هي وحدها التي عرفت ألمَ الشعور بالذنب» وإلى أنَّ الحضارة الأوروبية تملك وحدها أيضا «القدرة على وضع نفسها موضع تساؤل ومراجعة» مطالبا بعدم إسقاط هواجسنا وهمومنا النضالية الراهنة على الماضي. هذا يعني أنَّ مسائل التاريخ ستبقى دوما موضع استعادة وإعادة نظر كلما أفصح الحاضر عن بعض مشكلاته المتعلقة بالعيش المشترك والإعداد للمستقبل والتأسيس لحياة عامة ذات مرجعيات قادرة على احتضان تطلعات الجميع إلى الحرية والعدالة والمساواة والاعتراف.
لا يفوتني هنا، على سبيل التمثيل أيضا، أن أذكر ما عرفته فرنسا قبل نحو شهر خلال الذكرى المئوية الثانية لوفاة نابوليون بونابرت وكيف انقسمت النخبُ السياسية والثقافية والمجتمع المدني حول الموقف من هذه الشخصية الفرنسية الإشكالية والتي ظلت مدار إعجاب واستهجان كبيرين جداً منذ قرنين. لقد تجنب الرئيس ماكرون الاحتفال بهذه المناسبة وفضل إحياء الذكرى للاعتبار فقط، مُعتبراً نابوليون إرثا فرنسيا قدَّم الكثير لفرنسا ما بعد الثورة باعتباره قائداً عسكريا ومُشرِّعا ورجل دولة، ولكنه «خان روح الأنوار» بحسب تعبيره عندما نصَّب نفسه أمبراطوراً وأعاد العمل بنظام الرق والاستعباد في المستعمرات الفرنسية بعد أن ألغتها الثورة الفرنسية. ما أردت أن أقول هو أنَّ الحاضر يجب أن يولد فينا شجاعة مجابهة التاريخ ومسؤولية النظر إليه بمعزل عن لعبة التقديس والتوثين المجانية التي قد تخدشُ ذاكرة الأجيال اللاحقة في مجتمع متعدد لا يستقيمُ حاله ولن يعرفَ استقراراً إلا بالاعتراف بكل مكوناته مع ضرورة احترام ذاكرة الضحايا وخَلفِهم من الأجيال اللاحقة.
○ في أي نطاق يمكن أن نصنف الجدل الأخير الذي خلفته تصريحات النائب السابق نورالدين آيت حمودة حول شخصيات تاريخية جزائرية على غرار الأمير عبد القادر؟
• يُعتبرُ الأميرُ عبد القادر الجزائري – دون أدنى شك – شخصية كاريزماتية عظيمة على أكثر من مستوى. كما أنه يحظى بتقدير الجزائريين جميعا لارتباط اسمه ببداية المقاومة الشعبية المنظمة لجيوش الاستعمار الاستيطاني الفرنسي. وبالتالي فهو، من هذه الزاوية، يُعتبرُ رمزاً من الرموز التي رأت الدولة الوطنية الناشئة منذ الاستقلال أن تستثمرَ فيها مُعتبرة إياه – بنوع من المبالغة – أبا مؤسِّسا للدولة الجزائرية الحديثة في زمن سوسيولوجي قَبليٍّ لم تكن فيه مفاهيم الدولة والسيادة والمؤسَّسات من المفكر فيه. لقد رأت السلطة في الجزائر أنَّ الشرعية السياسية تبقى منقوصة إن ظلت بلا أساس ثقافي وتاريخي ونضالي؛ ومن هنا أرادت أن تلملمَ شتات الذاكرة من أجل أن تصنع منها سردية وطنية واحدة توَّجتها حربُ التحرير بالمعركة النهائية ضدَّ المحتل الفرنسي. نحن نفهمُ جيداً حاجة الجزائر إلى رواية تجعل منها وريثا شرعيا للروح القومية الوطنية وعبقريتها عبر التاريخ. فمن المعروف أنَّ الدولة الوطنية الحديثة، شرقا وغربا، اجتهدت في إنتاج وهم الاستمرارية التاريخية لـ «الذات الخالدة» من خلال سرديات رسمية تجعل منها كيانا ثابتا ومستمراً في التاريخ منذ لحظات الولادات المقدسة على يد الأبطال أو «الآباء المُؤسِّسين». هذا الأمرُ واضحٌ ومفهوم وهو يشكل جزءاً من ديماغوجية السياسة في «الدولة الوطنية» منذ عصر القوميات؛ ولكنَّ هذا الأمر يجب ألا يتجاوز حدودَ الاعتداد القومي الطبيعي من دون أن يقعَ في شرَك التخوين والنبذ والتضييق على الحريات المتعلقة خصوصا بالبحث التاريخي أو بمطالب التغيير التي يُفصحُ عنها الحاضر عندما يُنازعُ السلطة أحقيتها في احتكار الشرعية إن بدا أنها بدأت تتآكل ولا تمثل مجمل تطلعات الشعب الديمقراطية في لحظةٍ من لحظات التاريخ. إنَّ للرموز قُوَّتها وجبروتها باعتبارها مَعينا للشرعية السياسية خاصة إن تمتَّعت بنوع من القداسة كما هو سائدٌ عندنا. ولكن هل يمكنُ للمؤرخ والمفكر النقدي مثلا أن يمتنعا عن زيارة التاريخ ومساءلته بمعزل عن القداسة المكرَّسة سلطويا وشعبيا وثقافيا؟ هل يمكن للبحث التاريخي العلمي وللتأمل الفكري النقدي عندنا أن يسترجعا حقوقهما من خلال تحرير العقل من أسيجة السرديات المهيمنة التي تحتكرُ «الحقيقة الرسمية» وبصورةٍ فجة منذ عهد الأحادية الإيديولوجية؟ إنَّ التقديس وحق العقل في المراجعة وإعادة تأسيس المعرفة بالماضي يسيران على دربين متوازيين. ولكنني أستدرك، هنا، كي أشيرَ إلى أخطر ما يتهدَّدُ الحرية الفكرية من الجهات التي تحتكرُ الحقيقة الرسمية الديماغوجية: أعني بذلك التخوين. فالتخوين آلية بدائية تُضمرُ إرادة نبذ الآخر واستبعاده واعتباره غير شريك في بناء تصورات مشتركة عن المستقبل. التخوينُ، في كلمةٍ، آلية ردعية في يد من لا يملك أبجديات الثقافة الديمقراطية القائمة على التعدد والحوار والنقاش في الشأن العام وخاصة في العالم الشمولي الأحادي إيديولوجيا من جهةٍ، و»العالم الثالث» الذي حكمته الأنظمة العسكرية منذ استقلال الكيانات الوطنية في النصف الثاني من القرن المنصرم من جهةٍ أخرى. لقد رأينا – من خلال الأمثلة التي ذكرتها آنفا – كيف أنَّ الغرب لم يتصلب أمام قضية النظر إلى التاريخ وجها لوجه دون عُقدٍ وهذا تحت إلحاح الحاضر ومطالبه الحقوقية والسياسية والأخلاقية من أجل عيش مشترك يتمُّ فيه تحمل مسؤولية الماضي لا إدارة الظهر له.
أعود إلى قضية الأمير عبد القادر. لقد رأيتُ أنه من المُخجل فعلا أن تصدرَ تصريحاتٌ عن نائب جزائري سابق يتهمُ فيها الأمير بالخيانة والعمالة لفرنسا وينتقصُ من شأنه بصورةٍ متشنجةٍ وغوغائية وغير دقيقة نوعا ما. فمن السهل أن نلاحظ غيابَ الموضوعية في الحكم على هذا الرجل العظيم انطلاقا من إسقاط مفاهيم واعتبارات معاصرة على واقع آخر يعودُ إلى نحو قرنين من الزمن يوم لم تكن الجزائر موجودة باعتبارها كيانا سياسيا موحداً أو إقليما متجانسا يملك إدارة مركزية. فإسقاط هموم الحاضر الإيديولوجية والمساعي السياسية الراهنة على الماضي يُفسدُ التعامل مع الذات الجماعية، وقد يوقظ أشكالا من التضامن سابقة على انبثاق الدولة الوطنية الحديثة المستندة إلى «سردية وطنية» تشكلت بعد الاستقلال: أعني الانسلاخ من قيم المواطنة الواحدة التي ظلت هشة إلى اليوم.
لقد كان للأمير اجتهادٌ عظيم وعمل عسكري وتنظيمي مدهشٌ باعتباره مقاوما بأدوات وتصورات تلك المرحلة وإمكاناتها. أما قضية استسلامه فلا يمكن النظر إليها إلا من خلال البحث والتقصي التاريخي لأسبابها العميقة لا من خلال إهدار البُعد التاريخي ومشروطيتها السوسيو – سياسية، أو من خلال الاندفاع السياسوي الواضح الذي تمليه أجندات حزبية ضيقة تجدُ عسراً في احتضان تاريخنا الوطني بكل أطيافه وظلاله. ومن ناحية أخرى لا يمكن أبداً المرورُ بدون تقدير خاص لشخصية الأمير التي جسَّدت قيمَ التسامح والانفتاح والدفاع عن الحقوق الإنسانية كما يشهدُ لذلك العام والخاص. وربما كان هذا الأمرُ مناسبة سانحة من أجل التفكير جديا في إعادة بناء الذاكرة الوطنية المُشتركة باعتبارها فسيفساء ثقافية وتاريخية ونضالية لا يمكن اختزالها في بُعدٍ واحد أو النظر إليها من زاويةٍ ضيقة تحت ادِّعاءات تمثيل حقيقة التاريخ الجزائري. فالنظر الفاحص والنقدي في التاريخ وما يطرحه من مشكلات، في اعتقادي، لا يمكنه أن يكونَ مجالا لتصفية الحسابات كما لاحظنا مؤخراً، وإنما يجب أن يكون مناسبة لترميم الوعي المشطور إيديولوجيا ولفضح إيديولوجيات الإقصاء والتمويه ومزاعم الاستمرارية والوحدة المزعومة التي تختزل فسيفساءَ الهوية في الصوت الواحد والموقف الواحد. علينا العمل دائما على تحرير التاريخ من إرادة استخدامه لأغراض لا تخدمُ المعرفة العلمية الموضوعية والحقيقة المغيَّبة وتجعله أداة سلطوية أو جدولا صغيرًا يضمنُ لطواحين الهيمنة والسيطرة أداءَ عملها بإحكام.
○ السلطات اتخذت إجراءات ردعية من قبيل تعليق بث القناة التي أذاعت الحوار المثير للجدل؛ في حين أعلنت وزيرة الثقافة عن إحياء إنتاج فيلم حول الأمير عبد القادر. هل ترى أن مثل هذه الإجراءات كفيلة بمعالجة مثل هذه القضايا؟
• لا يمكنني أن أغتبط بإجراءات سنِّ قوانين ردعية تجرجرُ إلى المحاكم كل من يُدلي بتصريح يتعلقُ بالتاريخ الوطني أو الشخصيات الأثيرة. فالأفكارُ والمواقف لا مكان لها أمام القضاة وإنما في فضاء النقاش العام وبين أيدي الباحثين والمفكرين المُستقلين عن سلطة الترميز التي ترفدُ السلطة القمعية الفعلية. إنَّ ما يجبُ أن يكون مدارَ متابعة قانونية وقضائية هو الجهرُ بالنزوع العنصري والدعوة إلى الكراهية والعنف أو التمييز بين الجزائريين على أسس واهية. إنَّ هناك خيطا رفيعا بين المنع السياسي والمنع القانوني – الأخلاقي. ولنا، باعتبارنا جزائريين، أن نتذكر كيف أنَّ مجرد ذكر أسماء مصالي الحاج أو فرحات عباس أو كريم بلقاسم– رغم أهميتهم التاريخية العظيمة في مسار الحركة الوطنية وحرب التحرير – كان يجلب المتاعب والمضايقات إبان الستينات والسبعينات. فهل استوعبنا الدرس جيِّداً؟ هذا ما أردت أن أشيرَ إليه من خلال تأكيدي على ضرورة تحرير الذاكرة الوطنية من الاستحواذ السياسي الفج. وحدها الذاكرة المنفتحة قادرة على مصالحة الجزائريين مع أنفسهم في ظل الاعتراف بكل مكونات تاريخــــهم خلافا لتقلبات السياسة الظرفية وحساباتها وصراعاتها.
○ التاريخ دائما يكتبه المنتصرون. وفرنسا، بعد احتلالها الجزائر، دونت الكثير من محطات تاريخ الجزائر وفق وجهة نظرها ومصالحها. وما كتب خلال هذه الحقبة يعد مرجعا للكثيرين ويؤخذ على أساس أنه الحقيقة الكاملة. إلى أي حد لغمت حرب الذاكرة تاريخ الجزائر ولا تزال تلغمه إلى اليوم؟
• فعلا، أعتقدُ معك أنَّ التاريخ يكتبه المُنتصر. أو كما يقول محمود درويش إنَّ أهل طروادة المهزومة لم يكتبوا تاريخهم. هذا أمرٌ مؤكد. لقد لاحظ الراحل الكبيرُ إدوارد سعيد في مقدمة كتابه الأشهر «الاستشراق» أنَّ العلاقة بين الغرب الاستعماري والشرق كانت كمثل تلك العلاقة التي جمعت بين الكاتب الفرنسي فلوبير والغانية المصرية كشك هانم. فنحن لا نعرفُ عن هذه المرأة إلا ما كتبه فلوبيرعنها. الأمرُ نفسه حدث مع الاستعمار. فهو من كتب رواية «تحضير الشعوب المتوحشة» انطلاقا من خلفية ثقافية عرقية وعنصرية. ألم يكن قانون تمجيد الاستعمار الفرنسي يندرجُ ضمن نفس الانحرافات الإيديولوجية؟
هذا ما يُنيط بنا مسؤولية الإسهام في كتابة التاريخ الطروادي من منظور يتجاوز التحيز الغربي وإملاءات المركزية الحضارية للمُنتصر. إنَّ علينا، في هذه المرحلة، أن نُعيدَ قراءةَ التاريخ نقديا بمعزل عن كل أشكال المانوية الأخلاقية التبسيطية التي سرعان ما تتورَّط في تبرير ممارسات الماضي أو شيطنتها بحسب مقتضى الظروف والأحوال وهو ما وقفنا عليه، كما أسلفت، مع قانون 2005 والذي طرح مشروعَ تزييف حقيقةِ الاستعمار التاريخية في شمال أفريقيا للتصويت كما لاحظ ذلك المفكرُ تودوروف باستغراب واستهجان كبيرين. فهذا الماضي المُشترك بيننا وبين الآخر لا يزال ذاكرة ضاغطة تُلهمُ السياسة والفكر وتوقظ، أحيانا، نوستالجيا كولونيالية عند من لا يحب مواجهة نفسه وتاريخه في الضفة الأخرى من المتوسط مفضلا أن يرفعَ قدَّاسا جنائزيا لذكرى الفراديس المفقودة عوض التحلي بفضيلة الاعتراف وإعادة التأمل الفلسفيِّ في علاقة قايين بهابيل أو الجلاد بالضحية. إنَّ ضغط الذاكرة لا يزال حيا وقويا في جهتي المُتوسط؛ وفي اعتقادنا أنَّ ترميمَ ذلك الأمر بين الضفتين يتطلبُ وقتا واعترافا من الجلاد التاريخي بسقوطه الأخلاقيِّ والفكري والسياسي منذ حادَ عن قيم التنوير الحقيقية زمن الحداثة التي بوَّأتهُ مكانا عليا في نظام الحضارة الحديثة. لا يزال ينتظرُنا عمل كبيرٌ من أجل لملمة أوصال التاريخ المُتوسِّطي والتأسيس لـ «تاريخ تضامني بين الشعوب» بعيدًا عن «جدار برلين» الإيديولوجي / التاريخي كما حلم بذلك، ذات تأمل إنسانويٍّ مُنفتح، البروفيسور الجزائريُّ الرَّاحل محمد أركون.
○ هل يمكن القول إن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو وجه من أوجه حروب الذاكرة في عالمنا اليوم؟
• لقد أتيحَ لي أن أكتبَ عن هذا الأمر قبل سنواتٍ خلت عندما تناولت عمل صديقي الأستاذ أدونيس «كونشيرتو القدس» الصادر سنة 2012. لقد كان هذا العمل الإبداعيُّ البوليفوني دعوة إلى ضرورة تحرير ذاكرة القدس من الصراع الذي جسَّدته الوحدانياتُ الدينية باعتبارها رؤى مغلقة لا يمكنها أن تحبل إلا بنبذ الآخر واستبعاده من دائرة الخلاص. فالقدس، بهذا المعنى، ليست مدينة محتلة عسكريا من قِبل الدولة العبرية الصهيونية فحسب وإنما هي مدينة يحتلها تاريخها الخاص أيضا. فالرؤية الدينية المغلقة لدى الوحدانيات جميعا لم تؤسِّس إلا لنسف الجسور مع الآخر المختلف والدعوة إلى الانغلاق المذهبي الذي يكرس الانشقاقَ والتنابذ وعدم التمكين الثقافي والفكري والسياسي لفضاء مدني عام مُشترك للجميع. من هنا يمكننا أن نقول فعلا إنَّ القدس، انطلاقا من هذه الاعتبارات، تمثل «مدينة الله» التي ظلت عائقا أمام إمكان انبثاق «مدينة الإنسان». هذا لا ينفي، بطبيعة الحال، همجية الاحتلال الصهيوني القائم على أساطير دينية مؤسِّسة برمجت لتشريد الشعب الفلسطيني من قبيل «الأرض الموعودة»؛ ولكنَّ مدينة القدس في واقع الحال ظلت مدينة نموذجية لحروب الذاكرة التي ترفدُ حروب الحديد والنار والاستيطان. ظلت السماءُ تملي شرعية الاحتلال وأحقية امتلاك الأرض وتهجير العربي الفلسطيني على الأرض المريضة الكسيحة أمام مطالب العدالة والحرية والكرامة والمساواة. هذا ما يُبيِّنُ كيف أنَّ الذاكرة تمتلك، فعلا، سطوة وجبروتا يكونان جاهزين دوما للاستثمار سياسيا وعسكريا. من هنا لا سبيل إلى تحرير الحاضر من صراعاته إلا بتحرير الذاكرة من الأحادية والانغلاق والمذهبيات التي ولدتها سياقاتٌ تاريخية من المفروض أنها انتهت مع لحظتها.
من هنا تلزمُ، ربما، ذاكرة مُضادة ومنفتحة لمجابهة تاريخ الوحدانية القائم على الدم وعلى صدام الثقافات. وقد عثر عليها أدونيس في الثقافة الوثنية وفي إرث تلك العهود التي ارتبط فيها الإنسان بالأرض وبالأسئلة الكيانية وبالترحال في مفاوز المعنى البكر؛ وهذا كما جابه الفيلسوف الألماني نيتشه من قبل تراثهُ الثقافيَّ المسيحي – القائم على طمس ينابيع الحياة والإبداع – بالأزمنة الوثنية اليونانية التي احتفت بالجسد وأعلت من شأن الشعور المأساوي بالحياة. فالرؤية الوحدانية تضمر ُنزوعا إلى إخضاع الأرض ولجم العقل وكبح كل حراك تاريخي قد يمثل تجاوزا لهيمنة الأحادية الفكرية والسياسية. إذ كيف لـ «لشهوة المطلق» – وقد لبست خوذة المُحارب – أن تفتحَ أفقا لازدهار الإنسان وللتقدم التاريخي، أو أن تؤسِّسَ لاحترام التعدد والاختلاف؟