الكاتب وجمهوره
بشير مفتيالكاتب وجمهورهيذهب الكاتب إلي جمهوره ليلتقي بمن يعتقد أنهم سيستمعون له بعناية، أو من يفترض أنهم جاؤوا ليستمعوا له بعناية، يفترض ذلك فقط، لأنه منذ بدأ ينشر كتبه الأدبية يعرف أن جمهور الأدب قليل أو نادر، وأنه في غالب اللقاءات لا يأتي فحسب من يريد أن يتعرف فقط علي هذا الكاتب وكتاباته، أو أنه قرأ له في يوم من الأيام نصا من النصوص فأعجب به، أولم يعجبه، وحينها تكون فرصة ملائمة لتصفية الحساب مع هذا الكاتب.ولكن الجمهور يأتي لأسباب متعددة وكثيرة، أحيانا ليزجي وقت فراغه، ذلك أن هناك العشرات من البطالين الذين يبحثون عن مناسبات كهذه لكي لا يضيع وقتهم سدي، ومرات (نعم يجب أن تصدقوا الكاتب عندما يظن ذلك) فقط لأن الأمطار تتساقط بغزارة، خاصة إذا كنا في فصل الشتاء، مثلما هو الحال في هذه الفترة الزمنية المحددة، وأن هناك من لا يجد أين يختبئ، وفجأة يقرأ إعلانا عن ندوة مع كاتب ما، هو لا يعرفه، ولم يسمع به من قبل، فيدخل، قائلا في نفسه هاهي فرصة لأحتمي من المطر، ولأشغل بالي بأشياء أخري. وهناك جمهور آخر، من نوع خاص يحضر لأن مهنته تقتضي ذلك، هؤلاء هم الصحافيون الذين يريدون ملء ركن في زاوية من صفحة ثقافية يشعرون بأنها غير مهمة بالنسبة لمدراء الجرائد، ولكنهم يعملون فيها، وهم يفعلون ذلك، بغض النظر إن كان هذا الكاتب اسما لامعا أو غير لامع، مهما أو غير مهم، موهبة حقيقية، أو أفاقا تمكن من خلق اسم خيالي في ساحة ثقافية لم تعد تملك القدرة علي التمييز بين ما هو صالح، وبين ما هو طالح، فالكل في شكارة واحدة، وبالتالي يحضر الصحافيون، وعادة ما يفترض الكاتب أنهم يأتون من تلك الجرائد ذات السحب الضعيف، لأن صحافيي الجرائد السمينة الكرش يعلمون أين يجب أن يذهبوا، ومن يجب أن يغطوا، ويدركون أهمية الاسم وغير ذلك، فإذا كان هذا الكاتب مديرا ومسؤولا كبيرا فهم يهرعون هرعا، ويلهثون لهثا حتي يكونوا قبل موعد اللقاء أو المحاضرة، ذلك أن لقاء ذلك الكاتب المدير سيكون له فائدة جمة علي مستقبلهم المهني، وعلي أشياء أخري يمنون أنفسهم بها في السر والعلن، ويجلس الجميع منتبهين، ويفرح الكاتب أيضا لأن جمهوره الذي حضر تجاوز أصابع اليد، وهو يقر بداخله، أن وجود صحافيين من الإذاعة والتلفزيون ربما يكون مفيدا لصورته، أما الصحافة المكتوبة فهو لن يتحكم في تقييمها له، وكيف ستسرد لقاءه هذا مع جمهوره العزيز، وتتطاحن بداخل الكاتب أسئلة كثيرة، هم لا يتوقعونها منه، أو لا يفترضون أن الكاتب مرتاب من هذا اللقاء، ويشعر بألم ما، غامض بحيث لا يمكنه شرحه، ولكنه موجود بداخله، ذلك أنه وهو يمسح بنظراته المستكشفة القاعة الصغيرة التي سيلتقي فيها بهذا الجمهور يكتشف بأن أغلبهم غرباء عليه، وأنهم جميعا لم يقرؤوا كتابه الجديد الذي دعي من أجله، وحتي المنشط الذين سيقدمه لا يعرفه تمام المعرفة، وربما لهذا طلب منه أن يدون سيرته المهنية بخط يده، حتي يتمكن من تقديمه علي أحسن وجه، ولم يتجرأ الكاتب علي سؤال المنشط إن كان قرأ الرواية التي سيقدمها أم لا، ولكنه أحس داخليا فقط بأنه لا يعرف عنها أي شيء، وأنه لا داعي لسؤال قد يثير المنشط، وينغص روحه فيكون تقديمه بغير الصورة الملائمة للقاء كهذا؟؟يطول انتظار الكاتب لبداية اللقاء، والمنشط يعتذر لأن الأمطار هي التي عطلت بعض الصحافيين، وبعض الكتاب أيضا، وأنه لولا الطقس لكان العدد مضاعفا، طبعا الكاتب يظهر لامبالاة بالعدد، ويردد كلمات من قبيل هذا غير مهم لكن في نفسه كان يود لو حظي بعدد أكبر، لو كان هناك بعض ممن يعرفهم، وعلي الأقل ممن قرؤوا نصه الأخير الذي كان قد جهز كلمة بشأنه، ولأنهم غير موجودين شعر بأن ما كتبه لهذا اللقاء لن يكون له أهمية تذكر، وأن عليه أن يغير كل استراتيجيته السابقة، وأن يرتجل، ولا يستعمل اللغة الفصحي إلا في حدود ضيقة، لأنه من الأفضل أن يظهر مثلهم، لا يعيش في برج عاجي، فيكون حديثه أشبه بالتعاويذ التي لا يصل لشرحها حتي أهل الفكر، وأصحاب الحكمة، من جهة أخري، قال الكاتب في نفسه، أنه علي الأقل سيتحدث براحة أمام هؤلاء الذين يظهر أن لا علاقة لهم بالأدب، فلو كان ضمن الحضور نقاد من ذوي الاختصاص لنفروا حتما من يبقي من الجمهور بلغتهم النقدية السوبر علمية والتي لن يفهم فيها أي شخص عادي أي شيء، جهز الكاتب نفسه بعد ذلك للقاء، وقد استمع للتقديم الذي أظهره أنه كاتب غزير الإنتاج، ومهم في الساحة الأدبية، بالرغم من أن ذكر عناوين كتبه منذ بدأ ينشر لم يسعده تمام السعادة فكان يريد في كل لحظة أن يقول ربما تمنيت لو حذفت هذا العنوان، أو ذاك، مما لم يعد الكاتب مقتنعا بها في مشواره الأدبي، ولكن هذه هي سنن اللقاءات، وبسرعة جاء دوره ليتكلم، أسرع الكاتب في تلخيص روايته الجديدة، وظهر عليه الانزعاج لأنه لم يتعود علي فعل ذلك، وتذكر أن هذه الرواية بالذات يصعب تلخيصها، لقد كتبها بطريقة معقدة إلي حد ما، ولم يكن هدفه تعقيدها، ولكنها جاءت هكذا بعض الشيء، وتذكر بأن داخل روايته قصة حب، وكاد يحكي عنها لولا أن قصة حبه أيضا بدت له غريبـة، وتصور ما سيقوله له جمهوره الغريب أيضا كيف تكتب عن رجل يحب زوجة صديقه المسجون، وبعدها لن يكون بحوزته أي شيء يدافع به عن نفسه، وقرر أن يتحدث عن الثورة التي تبشر بها الرواية، وعندما رفع عينيه للجمهور كي يطنب في شرح فكرة الثورة التي تدافع عنها شخصيات الرواية وجد كاميرا التلفــزيون مصوبة نحوه، وخاف أن يكون كلامه مثيرا للسلطات فسكت عن هذا أيضا خشية أن يقص نشــــــاطه، وفكر في والدته التي يسعدها دائما أن تــــــري ابنها من حين لآخر علي شاشة التلفزيون، لحسابات صغيـرة تديرها في رأسها، فهي تحب أن يأتي الجيران والأقارب ويقولون لها لقد رأينا ابنك في التلفزيون، وحتي لو لم تره فيكفيه أن الجميع رأوه وعرفوا أنه ابنها، وأحس فقط بأنه من أجل أمه يجب أن يعكس حديثه ويتحدث بلطف عن الأوضاع ببلده، وأن يخون روايته لأنه شعر بفخ كل ذلك، ولم يطل حديث الكاتب كثيرا حتي توقف فجأة، وطلب من الجمهور الحاضر أن يسأله ما يشاء، اغتنم الفرصة ليشرب قليلا من الماء، وليدخن سيجارته الأولي، وسمع أحدهم يسأله عن غلاف روايته لماذا وضعت صورة امرأة عارية، هل لتبيعها؟ فاندهش الكاتب من سرعة الحكم، وسأل هذا المواطن ولكنها ليست عارية، ثم إنها لوحة فنية ، وتدخل آخر هل تقبل أن ندخل هذا الكتاب لبيوتنا؟ فقال الكاتب نعم ، ولكنه تذكر أنه لم يقدم لعائلته نسخة منها بسبب الغلاف، وأنه شعر بالحرج، ثم جاء سؤال مباغت وما رأيك في ظاهرة تكسير الطابوهات عند النساء خاصة، واستعمال الجنس؟ ، ولم يجد في مثل هذا السؤال أي علاقة بروايته، وفكر في الرد، ثم قال أين المشكلة؟ فرد آخر هناك مشكلة طبعا، هذه الأشياء تتنافي مع أخلاق مجتمعنا فرد الكاتب بعنف ولماذا لا تقولون هذا مع البارابول، وتقولونه فقط مع الكتب فسأله آخر كيف تبرر لنا ذلك؟ وكان أسوأ شيء أن يبرر الكاتب قناعاته، ولكنه شعر بضرورة ذلك، ورد بصورة مبسطة الروائي لا يتعامل مع البشر علي أساس أنهم ملائكة، لا يخطئون، ولكن علي أساس أنهم يخطئون، لهم شهوات، هذه هي حقيقة الإنسان . واستمر النقاش علي هذا الشكل، وعرف الكاتب أنه وقع في ورطة، لكنه قرر الاستمرار، وشعر بأن هؤلاء الناس لا ينظــــــــرون له علي أساس أنه مبدع، بل مرب ومصلح، ولم يستطع أن يفصل فكرة التربية عن الأدب، ولكنه بقي يصارع طواحين الهواء، حتي قال المنشط، نشكر الكاتــــــب علي حضوره معنا هذه الأمسية وشكر الكاتب بدوره جمهوره هذا، واعتذر لهم علي انفعاله، ثم خرج من القاعة، وبقيت أشياء كثيرة تحرق في نفسه، ولكن لم يعرف ما هي، وكيف يحددها بالضبط، ولكنها كانت توجعه، ولم تذهب عنه حتي وقت متأخر من الليل.كاتب من الجزائر0