الكاريكاتور..في مواجهة القمع وألاعيب ما بعد الربيع العربي  

حجم الخط
1

“القدس العربي” :  في تقرير أعده جوناثان غويير في مجلة “ذا أتلانتك”. وأشار فيه إلى رحلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السعودية في مايو / أيار الماضي؛ حيث اجتمع مع الملوك والرؤساء العرب وكانت صورته مع الملك سلمان وعبد الفتاح السيسي وهم يلمسون مجسما للكرة الأرضية مضيئا في افتتاح مركز لمكافحة التطرف الأكثر تبادلا نظرا لما تحمله من حس المهزلة. وبعد اسبوعين من الزيارة وجدت واشنطن نفسها وسط أزمة دبلوماسية ضد قطر وسياستها الخارجية؛ حيث دعم ترامب موقف السعودية. ويعلق الكاتب إن الأحداث الاخيرة كانت بمثابة “منجم” لرسامي الكاريكاتور في المنطقة التي يعبر إعلامها عن مواقف الحكومات التي تتبع لها وتملي عليها السياسة الإعلامية.

“لعبة جديدة” في يد ولي العهد الجديد” كاريكاتور كاشف

وبهذه المثابة حاول كل طرف تصوير غريمه بالصورة التي يراها مناسبة. ولكن هناك مجموعة من رسامي الكاريكاتور بالمنطقة يحاولون مواجهة التفاهات الإعلامية وتقديم صورة أحسن عن النزاع. ويعلق الكاتب أنه عندما زار قطر العام الماضي لاحظ أن معظم الرسوم الكاريكاتورية تركز على ثقافة “السيلفي” أو إرسال الرسائل الهاتفية أثناء القيادة ومخاطر السجائر. وقد تغير المشهد خلال الشهر الماضي؛ حيث أصبح رسام الكاريكاتور مسيسا أكثر. وتقوم بعض الصحف بوضع رسمين في اليوم وأخرى أفلام فيديو حول الحياة في ظل الحصار. وينقل عن خالد البيه، رسام الكاريكاتور غير المتفرغ قوله: “هناك خيط رفيع بين أن تكون دعائيا أو رسام كاريكاتور”، ذلك أن رسام الكاريكاتور هو ناقد “ويجب أن تنتقد كل واحد”. وبرز “البيه”  أثناء الربيع العربي؛ حيث رسم وسخر من المستبدين ودعا لحرية التعبير. وواصل نشر رسوماته الساخرة والناقدة في الوقت نفسه خلال فترة القمع والثورة المضادة. ولكن الثورات المضادة ظلت خارج قطر؛ حيث يعيش “البيه”، الذي يعود بأصوله للسودان. ويقول الكاتب إن الإعلام العربي ساهم في تصعيد النزاع، فقد عبرت قناة الجزيرة عن موقف الحكومة القطرية في الهجوم على السعودية. فيما قامت قناة العربية التي تمثل السعودية بشيطنة قطر. ولهذا السبب انتقد البيه طريقة التغطية الإعلامية في واحد من رسوماته مع أنه لم يوجه نقدا مباشرا للعربية أو الجزيرة. وحمل الرسم عنوان “ادفع وأنت تتكلم”، وليست هذه المرة الأولى التي ينتقد فيها البيه الإعلام فعندما منعت الحكومة موقع “دوحة نيوز” الإخباري والثقافي قدم رسما كاريكاتوريا فيه تلميح عن سبب منع الموقع والسماح لقناة الجزيرة ممارسة نقدها للشؤون الخارجية. ومن أكثر رسومات البيه الساخرة هي رسم يظهر أميرا سعوديا ,سمينا يشبه لحد كبير ولي العهد الجديد وهو يقفز على ترامبولين مزين بشعار مجلس التعاون الخليجي الذي تحول “للعبة جديدة” في يد ولي العهد الجديد.

وعلى الجانب الآخر صور رسام الكاريكاتور عبد الله جابر الذي يرسم لصحيفة “مكة” قطر بالمشاكسة والمخادعة التي تطعن بالظهر. وفي سلسلة من الرسوم المضادة للدوحة رسم جابر رجلا أشقر يرتدي قميصا بشعار قناة الجزيرة يحمل منشارا وهو يقوم بقطع شبه جزيرة قطر عن باقي الخليج وإلى جانبه رجل يرتدي طاقية وبلحية مجعدة تشبه لحى الإخوان المسلمين يجلس فوق قطر ويقوم بالتجديف داخل الخليج مما يقترح أن قطر تقوم بعمل ما يريده منها الإسلاميون أن تفعله. أما رسام الكاريكاتور السعودي خالد أحمد فقد ذهب أبعد حيث رسم شيخا قطريا يرمي قطعا نقدية على راقصة شرقية إرهابية تضع على وجهها قناعا أسود وترتدي حزاما ناسفا. ويعلق الكاتب أن رسوما كاريكاتورية صدامية الطابع تعكس الخطاب الرسمي السعودي. ويقول إن أزمة الخليج تقدم صورة حول الكيفية التي يجد فيها رسامو الكاريكاتور أنفسهم على الجانب الآخر من خطوط الصدع. وتقدم رسومهم إضاءات على ملامح من النزاع لا يستطيع المراقبون في الخارج فهمها. ففي وسط ثورات الربيع العربي عام 2011 حدثت تغيرات جيوسياسية قامت من خلالها ملكيات الخليج بمضاعفة دعمها للملكيات في المغرب والأردن ودعمت الثورات المضادة في كل من البحرين ومصر واستطاعت إقناع واشنطن باستقرار هذه الأنظمة المفترض. وكانت الدولة الاستثناء في كل هذا قطر التي اتبعت سياسة مستقلة من خلال سياسات غير تقليدية. فهي تحظى بالنقد الشديد في الغرب لإستقبالها المنفيين من الإخوان المسلمين وقادة حماس وطالبان، ومن المناسب تذكر أنها والإمارات وقفتا على جانبي الصراع المستمر في كل من سوريا وليبيا. مع أن قطر وبقية دول الخليج تشترك في ملمح واحد وهو غياب حقوق الإنسان. فحرية التعبير أو الدعوة لها قد تؤدي للسجن. ومن هنا فمن المفارقة أن يتم النظر لقطر على أنها حجر لحرية التعبير في وقت يتم فيه يواجه نقادها في الداخل السجن. لكن المسألة متعلقة بالمستوى، فقد ذهبت الإمارات أبعد من هذا؛ حيث سجنت مواطنيها الذين يتعاطفون مع دولة قطر. ويقول البيه المقيم في الدوحة ” الكثير من الناس يقولون إنهم يريدون التعليق أو “يحبون” لكنهم لا يستطيعون” و “من الملاحظ أن الكثير من المثقفين في الإمارات والسعودية لا يتحدثون عن هذا الموضوع لأنه لا يمكنهم قول شيء إيجابي”. وفي هذا الجو المحافظ فالدور الذي يلعبه رسام الكاريكاتور مقدس. ففي العالم العربي يعود هذا الفن ذا الطابع السياسي بجذوره لنهاية القرن التاسع عشر عندما قام يعقوب صنوع باجتراح رسوم كاريكاتورية ساخرة من الحكومة والاستعمار نشرتها الصحافة المصرية. وظل رسامو الكاريكاتور من عشرينيات القرن العشرين إلى خمسينياته جزءا من الإعلام المصور في القاهرة وغيرها من العواصم العربية. ومنذ ذلك الوقت لعب الرسامون دورا واسعا؛ حيث قاموا بالتعبير عما لم يتمكن المحررون التعبير عنه بالكلمات بسبب الجو السياسي الخانق. واستخدم رسام الكاريكاتور وبذكاء مفرط حيل المهنة من المجازات والسخرية والتعبيرات العامية وذات المعنى المزدوج لكسر القواعد التي لا يمكن للمحقق الاستقصائي تجاوزها.

اليانكي الأمريكي الجالس خلف آلة الدفع العربية!

55

 وهذا لا يعني أن مهمة الرسام سهلة، فقد قام شبيحة نظام بشار الأسد بكسر يدي رسام الكاريكاتور علي فرزات الذي يعيش اليوم في الكويت. أما زميله أكرم رسلان فمات تحت التعذيب في أقبية النظام. ويشير الكاتب إلى الدور المصري في شيطنة قطر منذ عام 2013 بسبب دعم الدوحة للإخوان المسلمين ورئيسهم محمد مرسي. ولاحظ الكاتب أن الرسوم الكاريكاتورية أصبحت في الفترة الأخيرة منافية للعقل وخرقاء مثل رسم عبد الله، رسام الكاريكاتور الذي يظهر إرهابيا يقوم بسحب كيس محشو بالدولارات من آلة سحب آلي بعلامة “قطر”. وفي آخر رسمه هاني شمس لصحيفة “الأخبار”؛ حيث تظهر تركيا وإيران وهما تحملان بطاقات ائتمان مكتوب عليها “قطر”. ورسوم كهذه تعبير عن الرواية المصرية الرسمية التي ترى في قطر مصدرا لكل مشاكل البلاد. وأمام المواقف المتحزبة لرسامي الكاريكاتور في مصر هناك حفنة قليلة من الرسامين العرب الذين لم يترددوا في نقد الطرفين مثل الفلسطيني محمد سباعنة؛ حيث يظهر فيه قطري وسعودي وهما يوجهان أصابع الإتهام باستثناء أنهما في داخل “بسطار” مكتوب عليه “يو أس إيه”. أما الاردني أسامة حجاج فقدم رسما تحت عنوان “ماذا تريد أمريكا؟” حيث يصور عرب الخليج وهم يدفعون عربات ممتلئة بالسلاح وكل يدفع لليانكي الأمريكي الجالس خلف آلة الدفع. وفي الوقت الذي قدمت فيه بعض الصحف المستقلة مثل “المصري اليوم” صورا ناقدة لقطر إلا أن رسام الكاريكاتور أنور قدم جانبا مختلفا؛ حيث يقف الرسام بنظاراته الغريبة أمام لوحته ” “دي آخر لوحة أنا عملتها العلاقات العربية – العربية” وتصور انفجارات ونيرانا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية