يتميز مبدعو الكاريكاتير بمواهب فريدة، علاوة على الحس النقدي واصطياد المواقف الملائمة لعملياتهم الإبداعية. ونعتقد تبعا لذلك أن فناني الكاريكاتير يفرض عليهم اتجاههم الفني الالتزام بقضايا معينة، وفي مجالات معينة، عكس الفنانين التشكيليين الذين يفتح لهم المجال للإبداعات التجريدية التي قد تكون بعيدة عن قضايا الحياة، وقد تكون مستقلة مغلقة بألوانها وأشكالها وأبعادها. والواقع أن الكتابات النقدية، انطباعية كانت أو أكاديمية، شبه معدمة عن الكاريكاتير، ربما لأنه فن يقول الكثير، ولا يحتاج من يقرب محتواه إلى الجمهور، فن ملازم لقضايا المجتمع وفي مختلف المجالات، فن يفهمه المثقف والإنسان العادي، فيستثيره كي يستنكر ويعارض ويكافح من أجل البدائل الإيجابية الصالحة.
و«الكاريكاتير فن من الفنون التعبيرية، الذي لا يجد الناس صعوبة في فهمه وتقديره، ويعني الابتعاد عن التناغم الهندسي المنتظم للشكل أو يعني عدم الاهتمام بالنسب الطبيعية، ويعني أيضا المبالغة والتشويه في الشكل. وقد وردت كلمة مشوه في كتاب «لسان العرب» لابن منظور بمعنى قبيح. قال الحطيئة:
أرى لي وجها
شوه الله خلقه
فقِّبَّحَ من وجه
وقبَّحَ حامله
وعلى الصعيد العالمي، فإن الكثير من الرسوم التي كانت تصور محتويات الأعمال الأدبية الساخرة كانت أحد الأسباب الرئيسية لتطور وظهور فن الكاريكاتير في مستواه وشكله الحالي والأمثلة في هذا المجال لا تحصى.. وإلى جانب الأدب لعب الفلكلور الشعبي دورا مهما، في تطور الكاريكاتير في كثير من البلدان، فإلى جانب النكات التي تعتبر إنتاجا شعبيا لا يعرف مؤلفها، والأشعار الساخرة التي تتردد في الأعراس والأمثال الشعبية الساخرة، فقد ظهر كذلك فلكلور تشكيلي استخدم في موضوعه الأدب الشعبي، أو أبدع لنفسه، موضوعات جديدة وهذه الرسوم كانت في أغلب الأحيان ترفق بنصوص من الشعر الشعبي أو الأمثال الشعبية أو النكات وما شابه. ولأنه يقدم مفرداته وثيماته في صورة غير معتادة، ولأنه من الفنون البصرية، ولأنه يتصل بالواقع محاولا تقديمه بسخرية لاذعة فإنه من أفضل الخطابات البصرية الموعية للجمهور، من حيث تعبيريته، وطريقة تحليله واستدعائه للخيال، بغية تجسيد الواقع بشكل لافت، فإن الصحافة قديما وحديثا تعتمده في نشراتها وموضوعاتها المتنوعة، ويأتي خياليا تارة أو واقعيا، وفي كلتا الحالتين يعبر عن مواقف وآراء إزاء السياسة وما يتبعها من قضايا المجتمعات والشعوب.
محمد أيت خويا وفن الكاريكاتير
في الجنوب الشرقي للمغرب طاقات إبداعية متنوعة في شتى مجالات الإبداع، السرد والشعر والتشكيل، والرسم، والكاريكاتير، ومن بينهم محمد أيت خويا (من قلعة مكونة) الذي كان يشتغل في الظل قبل أن تبرز رسوماته وأعماله الإبداعية الكثيرة والمتواصلة في المجال الكاريكاتيري. وقد أخذ على عاتقه خدمة الصحافة والإعلام بما تزخر به تجربته الفنية من إمكانيات في الانخراط في سبر أغوار القضايا الاجتماعية والسياسية والتربوية وغيرها، عبر تعبيراته البصرية الكاريكاتيرية التي تواكب الأحداث الوطنية وغيرها. فهو في هذا مبدع يساهم في التنوير والنقد الساخر لما يراه يحتاج إلى إعادة النظر وإلى الإصلاح والتصحيح.

موضوعات رسوماته متنوعة تنوع قضايا المجتمع، ويفرض عليه ما يلفت الرأي العام من قضايا شائكة تتعلق بالمعيشة والأسعار والتصرفات الجائرة من قبل البعض تجاه البعض الآخر، كما نجد الفنان كغيره من المبدعين يتتبع كل ما يجري أمامه عبر وسائل الإعلام أو بطريقة مباشرة، ما يلهمه فينتعش خياله ليخرج بإبداعات تلامس الجرح، وتجسد الظلم، وتستنكر المذموم وتحبذ المحمود. فهو يتصيد مواضيعه كسائر المبدعين في مختلف الأجناس الأدبية والفنية، فيقدمها بشكل ساخر هزلي، يثير الضحك، في الوقت الذي يثير الإحساس بالفجيعة حين يتعلق الأمر بما يمس إنسانية الإنسان من كرامة ورغد عيش وحرمان، وغيرها من الحقوق حين تهضم من قبل البعض على حساب البعض الآخر. وإذا كان المبدع الاحترافي ذا بصمة تَسِمُ منتجه إلى حد تمييزه عن غيره، حتى إن لم يوقعه صاحبه، فإن محمد أيت خويا تمكن بحبه لإبداعه، وبصموده في اكتساب مقوماته، واستفادته من تجارب الآخرين من أن يخلق لنفسه ملمحا كاريكاتيريا يميزه عن غيره، وإن كان يلتقي بهم في الأساسيات التي يتكئ عليها الإبداع الكاريكاتيري بصفة عامة.
نماذج من أعماله
تجمع أعماله بين جمال الصياغة وعمق التعبير والسخرية المقصودة. في رسوماته يبدو متحاوران أحدهما طبيب والآخر فقير مريض، وبدل من أن يجعل الطبيب السماعة الموصولة بأذنه على قلب المريض لجس نبضه جعلها في جيبه لجس ما يملكه من نقود…رسم مضحك يبرز مفارقات بين الكائن وما ينبغي أن يكون في مؤسسة يوصف المشتغلون فيه بملائكة الرحمة، فبعض الأطباء يعملون بضمير جمع المال، بعيدا عن الضمير المهني الموجب للرحمة واللطف بالمريض. في رسم آخر يبرز شخصان الأول فقير مربوط بغني يجره جرا وهو يستغيث ولا يدري إلى أن يتجه به الغني الذي يبدو لا مباليا به، وقد عنون الرسام إبداعه بـ»المواطن وتجار الأزمات» وقد جاء الرسم استجابة لتطلعات المواطن في المغرب وخارجه نحو سياسة تضمن له العيش الكريم بعيدا عن ارتفاع الأسعار المهول الذي يستنزف الفقراء، ويكدر عليهم عيشتهم. وفي الموضوع ذاته تجد رسما يظهر فيه شخص بيده لافتة مكتوب عليها «يا حكومة كل شيء غال سوى أنا» وهي إشارة لاذعة إلى استعلاء الأثمان واسترخاص الإنسان.
وبمناسبة اليوم العالمي للمرأة يرسم الفنان امرأة تحبو وهي تحمل جذع شجرة ضخم جعلها تعاني، وهي تسلك طريقها نحو بيتها، والرسم إشارة قوية لمعاناة المرأة، خاصة في القرى والهوامش.
كاتب مغربي