الكاريكاتير والثورات: احيانا…. شرُّ البلية ما يضحك!

حجم الخط
0

فاتن شوقي علي الكاريكاتير هو فن الخطابة دون الكلام، هو فن ترجمة الواقع بكل مرارته دون أحرفٍ تُقرأ، فن له سحر إيصال الرسالة والمحتوى. وهو فن قديم جداً وكان معروفاً لدى قدماء المصريين مما يؤكد أن هناك وسيلة أخرى للتعبير عن قضايا العصر بالنقد اللاذع والرسوم التي تنّفث عما يجول بالخاطر وتعرض وجهة نظر صارخةً بالرفض والثورة على أوضاع المجتمع، ولكن بطريقة الرسم المبالغ فيه، لإظهار القضية المرادة، وقد كان المصري القديم يصور نقده لسلبيات مجتمعه ليبرز لنا علاقة الحاكم بالمحكوم بالرسم الكاريكاتيري على الأحجار الصلبة وقطع الفخار والجدران، وهي رسوم لحيوانات تعبر عن غرضه، وهذا الفكر تنبع جذوره من العهد القديم كما قال الباحث الفرنسي ‘روا’ حيث بدأ بالتصوير الهزلي للأشخاص، ويقال بأن قابيل سخر بشدة من أخيه هابيل لأن أختهم قد أحبت هابيل أكثر منه فقام قابيل برسم أخيه بطريقة مضحكة وكتب جملاً تعليقية حادة يسخر فيها من أخيه، وهناك رسوم موجودة في مصر الفرعونية في متحف القاهرة، مثل رسمه لبعض الأشخاص وهم يجلسون على شجرة وهناك عصفور يحاول الصعود إليهم باستخدام السلم، وهناك رسمة لأسد يلعب الشطرنج مع نعجة وغيرها، وهي تعبر عن علاقة خفية ومعنى مستتر يؤكده راسم الكاريكاتير نفسه بأسلوب هجائي فلسفي عميق، ونجد أن هناك رسوما كاريكاتيرية منذ ثلاثة آلاف سنة لقدماء المصريين موجودة في المتحف الكاريكاتيري في لندن، تبين ماهية الفكر الفرعوني والطبائع والانتقادات السلبية للعصر نفسه، ونلاحظ أن هذا الفن ظهر في اليونان في عصر أرسطو.وهكذا نرى هذا الفن يحمل فكراً فلسفياً يتوارى خلف هزلياته وهو الآن في عصرنا هذا أشبه برسائل ‘sms ‘، حيث استطاع الرسم الكاريكاتيري أن يكسب ود المواطن المصري بل والعربي بطريقة ‘النقش على الهواء’ أي القدرة الفائقة على مس أعتى القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية برسومٍ وخطوطٍ بسيطة، وأحياناً دون تعليق ليترك لك فضاء الفهم والتأويل والذي يكون بمثابة قذيفة تُطلق في وجه الحكومة، والرسم الكاريكاتيري يبرز لك المأساة في ثوب السخرية متفادياً الضحك والهزل، واضعاً المواطن بفكره في قلب الحدث أو القضية ولكنه يتخذ درب المبالغة والتضخيم في رسم المأساة ليثبت لك الحقيقة بفروعها وجدّها فتضحك من باب ‘شر البلية ما يضحك’ لذلك اتسعت دائرته في أول الأمر حتى أن هناك من خصص له مجلات خاصة تعنى برسوماته بأسلوب ساخر فكثرت المجلات، وكان أول من فعل ذلك ‘يعقوب صنوع في مجلة ‘أبو نضارة’ ولا ننسى الجهود الجبارة للشاعر الكبير’ صلاح جاهين ‘الذي أخرج الكاريكاتير من قيده الاجتماعي لساحته السياسية كما فعل غيره، لذا فالكاريكاتير هو من أخطر أنواع الأسلحة التي تهدم حكومات، وتغّير وزارات وتؤجج ثورات إذا ما كان صاحبه يمس قضايا الوطن بحرفية في الرسم وفهم ودراية بمجريات الأمور حتى يُخرج لك رسماً كاريكاتيرياً أبلغ يخلُد في الذاكرة لمدة طويلة، ويكون أجرأ وأنفع من مليون خطبةٍ ومقالٍ يرتكز على الثرثرة والصراخ اللفظي الذي لا يحرك ساكناً. الكاريكاتير والجهاد السياسي: ظل الكاريكاتير فترةً طويلة فناً مخلصاً ومطيعاً لبذرته الأولى وهي الغوص في قضايا المجتمع الاجتماعية والتعبير عنها بسخرية تحمل رؤية معينة تصاحب التغيير ولو تغيير طفيف، حتى شعر أصحابه أن الكاريكاتير يمكنه تحمل مسؤولية التوجه السياسي ومخاطبة الكراسي والوزارات والرؤساء فمضى في طريقه يعلنها صراحةً بأنه قد دخلت رسوماته بتعليقاتها المكتوبة أو المفهومة ‘ أعشاش الأحداث السياسية المُعاشة’ ليصنع جسراً فكرياً بينه وبين القارئ المواطن ويعبر به دروب الفكاهة إلى عمق القضية ‘ فالشاعر الكبير’ صلاح جاهين ‘عندما امتهن حرفة الرسم الكاريكاتيري استطاع أن يصب فيه خلاصة فلسفة رباعياته، فأصبح رسماً شعرياً يصطدم بالواقع واستطاع أن يخرجه من النقد الاجتماعي إلى بؤرة الحدث السياسي وبلغ ذروته بعد نكسة 67 التي صبغت رسوماته بداء الاكتئاب حيث سعى لمنهج فلسفي يكفر بكل ما كان، كما استطاع رسام الكاريكاتير الموهوب ‘بهجت عثمان’ أن يسّخر رسوماته في خدمة الوطن بانتقاداتها اللاذعة لأوضاع وطنه في عهد الرئيس ‘أنور السادات’ الأمر الذي جعل مكافأته هي النفي إلى دولة الكويت مما جعله يتجه لتحويل دفة رسوماته إلى الطفل والعمل في المجلات المتخصصة إيماناً منه بعدم الفائدة في إصلاح الكبار الذين يمتلكون الوطن على حد قوله. ويظل ‘أحمد حجازي’ رغم رحيله وجهاً كاريكاتيرياً ناصعاً يزيّن حياتنا بقدرته الفائقة على خلق مفارقات طازجة ومعبرة عن الواقع الشعبي المصري حتى عندما انتقل للعمل في مجلات الأطفال كان دائم الخلق لشخصيات تتصدى للفساد والتخبط برؤية طفل متفتح على الأحداث….ولا ننسى جهود الفنان الكبير’مصطفى حسين’ الذي أثرى الحياة المصرية بالعديد من الرسوم الكاريكاتيرية والتي لامست كل حدثٍ أو قرارِ أو مأساة مصرية وأعتقد بأنه لا توجد شخصية كاريكاتيرية على مائدة الرسوم المصرية أكثر من شخصية رئيس الوزراء الأسبق الدكتور أحمد نظيف حيث ساهمت مقومات طوله واسمه في انعكاس سلبيات وزارته على شخصه فكانت مادة ثرية للابتكار الكاريكاتيري القائم على خلق القضية من عمق المفارقة بين متطلبات الشعب ‘الغلبان’ وبين ارستقراطيته ووجاهته. وهناك العديد من فناني الكاريكاتير الذين أثروا الصحف بأفكارهم ولكنها تظل حبيسة الحركة تدور في مياه راكدة تُحدث فقاعات تستمر لمدةِ تنّفث عن الشعب المصري قليلاً حتى تبتلعها أحداث جسام وهكذا .عندما يُخضّب الكاريكاتير بالدماء: قليلون هم من فهموا المغزى الحقيقي لفن الكاريكاتير، وأدركوا قوته التدميرية، وسلاحه القوي الذي يفت عضد طغاة الوطن العربي بل والعالم كله، لذلك فقد رهنوا حياتهم بفكرةٍ تطل عبر رسوماتهم أو قضيةٍ تسري عبر الرسم الكاريكاتيري تلتصق بالنفس وتُخّلد كأقوى من مليون مقالٍ يُكتب، هؤلاء الفنانون يرمون بحياتهم تحت أقدام أعمالهم وخاصة تلك التي تحارب المحتل الإسرائيلي الصهيوني بريشة وتعليق، وعندما نتحدث عن التألق السياسي لفن الكاريكاتير يقفز أمامنا الشهيد الفنان الرائع ‘ناجي العلي’ الذي استطاع أن يهز العالم بابتداعه لشخصية الطفل الفلسطيني ‘حنظلة’ ليصب من خلاله معاناة شعبِ قد سلبت أرضه واستطاع عبر سنوات أن يلّقن العدو الذي يمتلك أقوى الأسلحة، استطاع بفنه وفكره أن يعايش الحدث ويتابع المجازر ويخلق ألسنة مستترة لشخصياته الكاريكاتيرية، والتي تصاحب إمضاءه برسمة ‘حنظلة’ التي تترجم لنا كم المشاعر الدفينة والرؤى بعدسة رسوماته وتعليقاته التي تنبع من قلب الوجع الفلسطيني لذلك خلّدت رسوماته التي جسدت جرائم الصهاينة بملازمة رسوماته دائما لجندي صهيوني ورجل آخر عربي مسالم دلالة التخاذل العربي وناقش كافة القضايا من بناء مستوطنات، وحفريات المسجد الأقصى ،وقبة الصخرة، ومشكلة الأسرى بل حتى رسم بما يشبه التنبؤ عندما رصد قضية الحكم الذاتي في رسمة تحتوي على بابين الأول لدخول الفلسطيني دلالة حكمه الذاتي ،لتفاجأ بباب ثان يُفتح لترى المستوطنات اليهودية القائمة، وما زال كنزه الكاريكاتيري يمّدنا بدُرره لأنها كتبت بدماءٍ طاهرة طهارة المقصد، فكانت نهايته الطبيعية هي الاغتيال لما تُسببه رسوماته من حماسٍ للجهاد واستمرار للمقاومة،حيث فاقت فضاء أسلحته العدو ذاته، تماما كما قال ‘شاعرنا الكبير عبد الرحمن الأبنودي’ (عيب ناجي إنه عاش صادقا، عاش للرسمة). وما أشبه اليوم بالبارحة، فاليوم تستمر الدماء المتفجرة من بين أقدام الرسم الكاريكاتيري في المقاومة والرصد والتعليق والتواجد، فنرى المجاهد السوري ‘علي فرازات’ الذي تفرغت له أجهزة الدمار السورية وكأن الشعب السوري قد خلت مقاومته وعاد إلى هدوئه وتقبله لوحشيات بشار الأسد، فوجه كل رصاصات غدره لفنان الكاريكاتير ‘علي فرازات’ في واقعة همجية، انتفض لها العالم وأظهرت مدى هشاشة ووحشية عقول من يجلسون على كراسي السلطة فدّبروا له فخاً بأيدي بلطجية بشار فأنزلوه من سيارته وانهالوا علية ضرباً وشتائم حتى جُرح وتورّم ونزف وفاض كل مافيه، بسبب رسمه للوحة كاريكاتيرية تُظهر الرئيس بشار الأسد بصحبة الرئيس الراحل ‘ القذافي ‘وهو يبدأ الخروج من إحدى المدن، فما كان منهم إلا أن كسروا ذراعه وحاولوا كسر أصابعه وتركوه حياً ميتاً حتى أنقذه أحد المارة تاركين له رسالة تقول ‘ حتى تتعلم كيف تتطاول على أسيادك’ فهل هناك أضعف من هذه الأنظمة الهمجية ؟!ومن هنا نرى جهادا جديداً قديماً رقيقاً عنيفاً مسليا عصبياً يفوق المظاهرات والاعتصامات ويكسر شوكة الأنظمة العربية والعالمية لأنه يتحدث بلغة عالمية تدق مسمارها في أخشاب من ينتهكون حرمة الإنسان بفسادهم لذلك أدعو الله أن يتواجد في مصروالعالم العربي فنانو كاريكاتير لا يرمون بلوحاتهم في أي مجلة أو جريدة، أو ينسحبون كعادتهم إلى ساحة الرسم الكاريكاتيري في مجلات الأطفال سعياً للترفيه ليكون سبيلاً لهم للخلاص والتحرر من قيد تحمل قضية ما أو فكرٍ معين يناهض الواقع الفاسد في مهاجمة الكبار، بل أتمنى أن أرى مقاومةً حقيقيةً تُنقش وتُخط عبر رسوماتهم تناهض كل فكر عقيم ورئيسٍ فاسدٍ وتؤسس رؤىً منصفة صادقة مجدولة بموقف يحسب لهم عبر تاريخهم يُذاع وينتشر ويُعرف عنهم ولا تكون رسوماتهم مجرد رسمة تزّين أوراق الجريدة من أجل مقابل ماديِ مجزٍ. شاعرة وكاتبة من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية