الكاظمي في طهران: أولوية المصالح للعراق أم لإيران؟

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

أبلغ خامنئي رئيس الوزراء العراقي أن إيران ستوجه ضربة لأمريكا ردا على قتل قاسم سليماني، مشددا على ضرورة إخراج القوات الأمريكية من العراق.

 

بغداد-“القدس العربي”: كشفت زيارة مصطفى الكاظمي إلى طهران وما رافقها من تطورات في المشهد العراقي، حقيقة النوايا الإيرانية، وتأكيد تمسكها بنفوذها فيه وإصرارها على جعله ساحة مواجهة مع الولايات المتحدة، في وقت تجري محاولات دولية وعربية، لإضعاف النفوذ الإيراني وتشجيع بغداد على توفير بدائل لعلاقاتها مع طهران.

ولعل الحظ حالف إيران، عندما أدت وعكة العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، إلى تأجيل الزيارة المقررة لرئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي إلى السعودية، وتوجهه بدل ذلك نحو طهران بعد يوم من زيارة وزير خارجيتها إلى بغداد، وسط تسريبات بوجود ضغوط إيرانية وخلافات بين الكاظمي  وطهران حول دور الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، وامكانية لعب بغداد دورا في تقريب الخلافات بين إيران من جهة وبين السعودية والولايات المتحدة من جهة أخرى.

وقد لاحظ المراقبون للقاءات الكاظمي في طهران، أن المسؤولين الإيرانيين حاولوا استثمار الزيارة إعلاميا عبر إصدار تصريحات توحي بفرض الرؤية الإيرانية على سياسة حكومة بغداد والتعامل معها كأنها تابع لطهران، وتشديدهم على أن الساحة العراقية يجب أن تكون مفتوحة لمصالح إيران أولا، بالتزامن مع المطالبة بإخراج القوات الأمريكية.

الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، أخبر الكاظمي، “إن بلاده ستوجه ضربة لأمريكا ردا على قتل القائد في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني” موجها اللوم إلى رئيس الحكومة العراقية عندما قال له: “لقد قتلوا ضيفك في بيتك” ومشددا على ضرورة إخراج القوات الأمريكية من العراق. فيما أكد الرئيس الإيراني حسن روحاني “أن إيران تأمل في زيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى 20 مليار دولار سنويا” في تحد للعقوبات الأمريكية، من دون الاهتمام باحتمال ان تشمل تلك العقوبات العراق أيضا. ويسود الاعتقاد، ان التشدد في تصريحات المسؤولين الإيرانيين ومطاليبهم، يأتي لتغطية عجزهم عن الرد على اغتيال سليماني، أو إيقاف التظاهرات الاحتجاجية الداخلية، أو الحد من التأثير المدمر للعقوبات الأمريكية، على الأوضاع في إيران.

وفي المقابل تابع العراقيون والمراقبون بارتياح، تشديد الكاظمي في تصريحاته أثناء زيارة طهران، على مبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدين” وإشارته إلى “اهتمام العراق بألا يصبح ساحة معركة بين العدوين اللدودين إيران والولايات المتحدة”. وأفادت مصادر نيابية، أن الكاظمي ركز في طهران على مشاكل جدية تعرقل العلاقة بين البلدين، أبرزها تنمر الفصائل المسلحة التي تدعمها إيران في العراق وتحديها للحكومة، ومشاكل تزويد إيران للعراق بالطاقة الكهربائية وضبط الحدود والمنافذ ووقف تهريب المخدرات والبضائع التالفة للعراق، إضافة إلى استغلال إيران لحقول النفط المشتركة بين البلدين من دون الاتفاق مع بغداد، وغيرها من المشاكل.

وتزامنا مع زيارة طهران، شهدت الأيام الأخيرة، أشكالا متعددة من الضغوط على حكومة الكاظمي، بهدف إجباره على تغيير نهجه في القضايا الداخلية والخارجية، والانصياع أكثر لرغبات الجار الشرقي. فمن تجدد قصف صواريخ الكاتيوشا على السفارة الأمريكية، إلى مهاجمة قوافل نقل المعدات والتجهيزات للقوات الأمريكية، إلى حملة تفجيرات واغتيالات وقعت في البصرة وكركوك وصلاح الدين وبغداد، إلى خطف أجانب، إلى حملة طائفية في مدينة الطارمية (السنية) وغيرها من المواقف. وجاءت هذه الضغوط مترافقة مع حملة انتقادات وتشكيك بجدوى زيارة الكاظمي إلى السعودية وواشنطن، من قبل القوى الشيعية الموالية لإيران، حيث كشف النائب السابق والقاضي وائل عبد اللطيف، في لقاء تلفزيوني أن “هناك جهات لا تريد استمرار الكاظمي بإدارة الدولة، وتستعد لتنظيم تظاهرات ضده بعد زيارته إلى واشنطن لإجراء الحوار الاستراتيجي الذي يكتسب أهمية بالغة للعراق”.

وفي شأن ذو صلة بتوجه حكومة بغداد لتنويع الشركاء الدوليين لتحسين اقتصاد البلد، وضمن مسعى خليجي أمريكي بتقليل اعتمادها على إيران، اتفق العراق والولايات المتحدة ودول الخليج، في الأسبوع الماضي على ربط العراق بالشبكة الكهربائية لدول مجلس التعاون الخليجي، وهو اتفاق حظي بتأييد وزارة الخارجية الأمريكية التي اعتبرته خطوة تساهم في “السلام والتنمية والرفاهية في المنطقة” مشيرة إلى أن “المشروع سيوفر الطاقة الكهربائية للعراقيين الذين هم في أمس الحاجة له” ويدفع عجلة الاقتصاد في بلدهم. وبالإضافة إلى حصوله على الطاقة الكهربائية وفرص الاستثمار، يعول العراق على دول الخليج لتسويق منتجاته الزراعية.

ولم تكتف حكومة الكاظمي بهذا التحرك، بل استقبلت وزير الخارجية الفرنسي جان لودريان في بغداد، الذي أكد على استمرار الدعم الفرنسي لحكومة الكاظمي في مواجهة تنظيم “داعش” وإعادة الإعمار والاستثمار وتقديم دعم مالي، إضافة إلى بحث ملف الأسرى الفرنسيين من “داعش” لدى بغداد وعائلاتهم، داعيا إلى السعي لوقف الهجمات الصاروخية ضد المصالح الأمريكية أو التحالف الدولي. كما أجرت بغداد اتصالات مع شركتي سيمنس الألمانية والكتريك الأمريكية للبحث في إيجاد حلول لأزمة الطاقة الكهربائية وخاصة في فصل الصيف الحار الحالي.

ويبدو الكاظمي حريصا على بناء الثقة والعلاقات المتوازنة مع دول العالم لتحسين أوضاع العراق، وإنقاذ اقتصاده من الانهيار، من خلال محاولة تهدئة التوترات في المنطقة وإبعاد آثارها السلبية عن البلد، مدعوما بتشجيع القوى الوطنية والشعبية لإجراءاته من أجل سيادة القانون ومكافحة الفساد والسلاح المنفلت وتحسين الاقتصاد المنهك. ومع ادراك الجميع بالصعوبة البالغة لمهمة الكاظمي في التوفيق بين مصالح العراق من جهة ومصالح وأطماع إيران والولايات المتحدة، ومع استحالة إبعاد الصراع بين الدولتين عن العراق، فإن محاولات الكاظمي تبقى طوق النجاة الأخير في هذه المرحلة، الذي يحول دون الانهيار الشامل للبلد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية