الكاظمي وتجاوز الخطوط الحمراء لأحزاب السلطة العراقية

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

تتصاعد المواجهة بين حكومة الكاظمي والدولة العميقة التي ترفض الإصلاحات وتعرقل محاولات تحجيم نفوذ الفصائل المسلحة وإضعاف النفوذ الإيراني في العراق.

 

بغداد-“القدس العربي”: في خطوة جديدة مثيرة للجدل زادت تعقيد المشهد السياسي في العراق، أقدم رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي على أجراء تغييرات في 16 من المناصب الرفيعة بالدولة دون الرجوع لأحزاب السلطة، لأول مرة منذ 2003. وقد فجرت هذه الخطوة صراعا شرسا بين الكاظمي المدعوم من الشارع ومرجعية النجف والأمم المتحدة، وبين أحزاب السلطة الغاضبة لإهمال رأيها في تعيينات مهمة تعتبرها الدجاجة التي تبيض لها ذهبا لا ينتهي.

وشملت قرارات الكاظمي استبدال مسؤولين كبار بينهم مدير البنك المركزي وأمين بغداد ورؤوساء هيئات النزاهة والأوراق المالية والاستثمار والحج والعمرة وغيرها من المناصب المهمة التي كانت أحزاب السلطة تستحوذ عليها وتتقاسمها فيما بينها. بالتزامن مع قيام قوة من مكافحة الإرهاب باعتقال ستة مسؤولين عراقيين ضمن حملة مكافحة الفساد، من بينهم مدير هيئة التقاعد السابق أحمد الساعدي، المقرب من أحزاب متنفذة، مع توقعات أن تشمل حملة مكافحة الفساد المزيد من الرؤوس الكبيرة في الدولة. وتأتي هذه التعيينات والإجراءات ضمن خطة الكاظمي لتغيير القيادات الفاسدة أو الفاشلة في الدولة، لضمان نجاح سياسة حكومته الإصلاحية.

ولوحظ ان كتل القوى الشيعية، وخاصة التيار الصدري وكتلة هادي العامري وكتلة نوري المالكي، قادت حملة انتقادات التعيينات الجديدة، بحجة انها كرست المحاصصة وان بعض المسؤولين الجدد من المتهمين بالفساد، رغم أن الجميع يعلم بان هذه القوى التي تتحكم بجميع مفاصل الدولة منذ 2003 متورطة حتى النخاع بالمحاصصة الطائفية والسياسية والفساد المكشوف، وانها تتعرض لانتقادات متواصلة من الشارع المنتفض المطالب بالإصلاحات إضافة إلى انتقادات مرجعية النجف المتكررة لها.

وازاء اتساع معارضة أحزاب السلطة الشيعية للتعيينات الأخيرة، رد الكاظمي مدافعا عن إجراءه في بيان صحافي أكد فيه، أنه “وجّه بإجراء سلسلة من التغيرات الضرورية في بعض المواقع الإدارية الهامة في مؤسسات الدولة” وأنه “تم اختيار معظم الأسماء المطروحة من داخل المؤسسات نفسها، أو من المختصين في مجالات معيّنة، مع الأخذ في الحسبان عامل النزاهة والخبرة، وضمان التوازن الوطني”. وتساءل: “إذا كانت القوى السياسية قد أعلنت براءتها من هذه التغييرات وهي فعلاً لم تتدخل فيها ولم تؤثر عليها، فكيف تتهم أن التغييرات اعتمدت على المحاصصة الحزبية؟”.

وفي خضم هذه المعمعة، لم يكن حدثا عاديا صدور رسالة المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، عقب لقاءه ممثلة الأمم المتحدة جينين بلاسخارت في النجف، كونها عبرت عن عدم رضا المرجعية عن القيادات الشيعية التي لا تريد الخضوع لرغبة الشعب بالإصلاح والتغيير في البلد. رسالة السيستاني لم تكتف بإعلان دعمه الانتخابات المبكرة وحسب، بل شددت على أن “التأخر في إجرائها أو إجرائها من دون توفير الشروط اللازمة، سيؤديان إلى تعميق مشكلات البلد” محذراً السياسيين من “الندم في حال المضي بانتخابات يقاطعها الشعب”. ودعا السيستاني أيضا إلى السيطرة على المنافذ الحدودية، ومكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة ومحاسبة القتلة، كما دعا إلى الحفاظ على السيادة الوطنية، وهي الأمور التي أعلن الكاظمي التزامه بها.

وكانت المصادر أعلنت ان بلاسخارت، تحدثت مع السيستاني في ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها المقرر بقانون منصف وعادل لجميع الأطراف، وبسط هيبة الدولة ونزع السلاح المنفلت، كما شكت ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة، من بعض القادة الشيعة وخاصة نوري المالكي الذي أعلن مع الحزب الديمقراطي الكردستاني رفضه إجراء الانتخابات وفق الدوائر المتعددة التي يطالب بها المتظاهرون والشعب.

ويبدو ان زيارة المالكي إلى طهران هذه الأيام، بالتزامن مع إجراءات الكاظمي، لم تكن مصادفة، وخاصة لقاءاته بمسؤولي ملف العراق في طهران، مما عده المراقبون بأنه إعطاء إشارة خضراء للقوى الشيعية للوقوف بوجه الكاظمي وربما محاولة إسقاط حكومته، حيث صاحب رفض قرارات الكاظمي، تصاعد ملحوظ في تحرك الفصائل المسلحة ضد الدولة، عبر زيادة الهجمات بصواريخ الكاتيوشا على المنطقة الخضراء ومطار بغداد وزرع العبوات الناسفة في طريق قوافل نقل معدات وتجهيزات قوات التحالف الدولي، بل أن الميليشيات طورت الاستهداف ليمتد ولأول مرة، إلى زرع العبوات في طريق البعثات الأجنبية كما حصل مع السفارة البريطانية، ما سبب مخاوف من احتمال سحب بعض البعثات سفاراتها من بغداد ما يشكل إحراجا للكاظمي دوليا. وهو مؤشر على تصعيد المواجهة بين حكومة الكاظمي والدولة العميقة التي ترفض الإصلاحات وتعرقل محاولات تحجيم نفوذ الفصائل المسلحة وإضعاف النفوذ الإيراني في العراق.

ومعروف ان مصطفى الكاظمي منذ تشكيل حكومته في أيار/مايو 2019 قام بإجراء تغييرات واسعة في إدارة الدولة وكبار المسؤولين الأمنيين والإداريين فيها، ورغم ان المختصين يؤكدون ان التعيينات الجديدة تندرج في إطار صلاحيات رئيس الحكومة في استبدال المسؤولين في الإدارات العامة لإحداث التغيير والإصلاح، إلا ان تلك الإجراءات قوبلت برفض أحزاب السلطة، لأن المناصب العليا والدرجات الخاصة الشاغرة، كانت دائما مجالا للصراع بين تلك الأحزاب، لما تمثله من فرص واسعة لتحقيق المكاسب السياسية والموارد المالية الهائلة لها.

والحقيقة أن غضب أحزاب السلطة ليس فقط بسبب خسارتها مناصب تدر عليها الملايين من الدولارات فحسب بل لأن الكاظمي تجرأ وتجاوز الخطوط الحمراء عندما خالف السياق المتعارف عليه من قبل رؤساء الحكومات السابقين بالانصياع إلى رأيها في أي تعيينات للمناصب العليا، إضافة إلى قيامه باستبعاد مسؤولين كبار أو اعتقال آخرين من المحسوبين على أحزاب شيعية كبيرة ومتنفذة في السلطة، مع سعيه لحصر السلاح بيد الدولة في إطار خطته لفرض هيبة الدولة والقانون والحد من الفساد الذي دمر البلد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية