الكباريهات النظيفة في عهد الثورة الناصرية!
كتاب اكاديمي عن العاهرات في السينما المصرية (2ــ2): الكباريهات النظيفة في عهد الثورة الناصرية!القاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: في الحلقة الأولي من عرضنا لكتاب البغاء، علي شاشة السينما المصرية للمخرج خالد بهجت، الصادر عن سلسلة الرسائل التي تصدرها أكاديمية الفنون، تناولنا مع المؤلف الخلفية التاريخية لمشكلة أو ظاهرة البغاء عبر الحضارات، وتجليات الظاهرة في مصر، عبر أكثر من ثلاثة قرون، وصورتها بعد تقنينها في ظل الاحتلال الانكليزي عام 1905، ونستكمل في هذه الحلقة صورة الظاهرة في السينما المصرية منذ بداياتها. يبدأ المؤلف خالد بهجت في هذا الجزء استعراضه للظاهرة منذ بدايات السينما المصرية وتحولها الي الانتاج برؤوس أموال مصرية ساهمت فيها الرأسمالية الوطنية منذ ما قبل ثورة 1919، وبعد استعراضه للعديد من أفلام البدايات يشير المؤلف الي أن أول فيلم تناول شخصية البغي باعتبارها الشخصية الرئيسية هو فيلم مأساة الحياة الذي تناول قصة راقصة لعوب أرادت أن تستلب أموال شقيقتين بسحر العيون وقد قامت بتمثيل دور الراقصة التركية افرانز هانم وشارك معها جوزيف ساسون العراقي اليهودي، مع المخرج والمؤلف التركي اليهودي أيضا وداد عرفي .ويشير خالد بهجت الي أن أفلام تلك الحقبة التي استمرت بين أعوام 1923 حتي 1932 لم تقدم تعليما مناسبا لعامة الشعب كما وعدت، حتي خروج أول فيلم ناطق وهو فيلم أولاد الذوات ، وذلك بعد أن توقفت الأفلام الروائية الطويلة بعد فيلم في بلاد توت عنخ آمون عام 1927، وكانت السينما قد أنتجت حتي هذا التاريخ 13 فيلما. ويشير المؤلف الي أنه تم استغلال نجاح نجيب الريحاني في المسرح وبزوغ شخصية كشكش بك عام 1931، اهتماما بشباك التذاكر، ويرجع المؤلف أسباب عدم النهوض الحقيقي للسينما بدور محوري في تعميق الوعي هو اختلاط رأس المال الوطني برأس المال المتمصر، الذي استغل حماس الوطنيين المصريين لرسالة الفن الجديد، غير أن النتائج من وجهة نظره لم تكن في مستوي الطرح النظري الذي ارتبط بمقدمات المشروع.الدور اليهودي في السينما المصريةيؤكد المؤلف خالد بهجت في رصده لملامح التطور الاقتصادي والاجتماعي لبنية الرأسمالية المصرية في جدليتها مع تطور الانتاج السينمائي في مصر علي أن ارتباط بدايات السينما بالاحتلال وتبعية الاقتصاد المصري للاقتصاد العالمي، وبداية الظاهرة علي يد رجالات من الأجانب واليهود جعل منها هدفا أكيدا لتغييب الوعي بعكس ما قدمت السينما نفسها، ومن هذا المنظور يري المؤلف أنه في الفترة من 1932 حتي 1935 استمرت السينما علي نفس الخطي رغم أن هذه الفترة كانت هي البداية الحقيقية للفيلم الناطق، ويري خالد بهجت أن دور اليهود في السينما المصرية وتوجيهها لم يكن مصادفة وذلك من خلال رأس المال وحركة الانتاج، وأبرز نماذجه توجو مزراحي الذي لا يكتفي بالانتاج والاخراج بل والتمثيل أيضا، ويرصد المؤلف أنه انتج وألف ومثل فيلم الكوكايين عام 1931، وكان يسمي نفسه في البداية أحمد المشرفي في هذا الفيلم، ثم يصرح بهويته بعد ذلك بعد أن وصل الي المشاهد فيسمي نفسه شالوم في فيلم 5001 عام 1933، ثم يقدم فيلم شالوم والترجمان عام 1935، ويرصد المؤلف أعداد الأجانب الذين أسسوا مع المصريين للظاهرة الجديدة ويؤكد أن أكثرهم من اليهود، وبالاضافة الي توجو مزراحي يوجد بوتشيني وهو منتج، جاك شوتز مخرج ومنتج، وداد عرفي مؤلف ومخرج، مارفولبي مخرج، توليوكيارين مخرج، مانونل يومانس مخرج، ابراهيم لاما مخرج، بويا مخرج، روزبيه مخرج، وابتكمان الصغير مخرج، اسكندر فاركارش مخرج، استيفان روستي مخرج وممثل، جوسوانسون مؤلف وممثل، بدر لاما ممثل. ديفيد ديفانو ممثل. ويري خالد بهجت أن المكسب الوحيد للسينما في تلك الفترة هو اتساع رقعة المشاهد بعد تحول الفيلم الي ناطق، أما عن مستوي تلك الأفلام فحدث ولا حرج، ويذكر مثالا علي ذلك أن فيلم توجو مزراحي سلفني 3 جنيه ، تم تصويره في أسبوع واحد.أما في الفترة من 1936 حتي عام 1945 فيرصد المؤلف أن السينما قدمت قرابة 180 فيلما بمتوسط 18 فيلما في العام، وهي الفترة التي سميت بمرحلة استديو مصر حيث تم ايفاد عدد من البعثات لتعلم السينما والتمثيل مثل أحمد بدرخان وموريس كساب، محمد عبدالعظيم، حسن مراد، ويري المؤلف أن سينما هذه الفترة اهتمت بمواضيع أساسية تتصل بالخطيئة والخيانة والعلاقات العشقية، لكنها قدمت فيلما يهتم بشخصية البغي بشكل مباشر هو فيلم ليلي اخراج توجو مزراحي عام 1942 وهو مقتبس عن رواية غادة الكاميليا، كذلك قدمت السينما شخصية البغي في فيلم البؤساء عام 1943 والذي أخرجه كمال سليم عن قصة فيكتور هوغو، ويري المؤلف أن شخصية البغي في الفيلمين تبدو ضحية لمجتمع قاس، فشخصية فاطمة في فيلم البؤساء شخصية ثانوية، بينما ليلي في فيلمها شخصية محورية وكلتاهما في حال اقتباس من قصتين عالميتين، ففاطمة أمينة رزق نمط يراها مثاليا للميلودراما وكذلك ليلي مراد في فيلم ليلي، ويري خالد بهجت أن الفيلمين استقصيا شباك التذاكر وكثر بعد ذلك منتجو مثل هذه الأفلام بعد بزوغ طبقة أثرياء الحرب.ويرصد المؤلف أنه في الفترة من 1946 الي 1951 زادت مشاركة الرأسمالية المصرية في النشاط العام والنشاط السينمائي خاصة فبلغ انتاج هذه المرحلة 301 فيلم بمتوسط قدره 50 فيلما في السنة، ويقول بهجت عن هذه الفترة أنها قدمت أسماء لسينمائيين مصريين أرادوا أن يغيروا من واقع البنية السينمائية ولكن هذا الأثر لم يكن فعالا بل ربما تخلف كثيرا عن النتاج الذي قدمه كمال سليم في فيلم العزيمة علي سبيل المثال عام 1939، ورغم ذلك تزايدت الأفلام الغنائية وراجت بشكل ملحوظ، ويقول المؤلف أنه رغم الغاء البغاء رسميا الا أن السينما ولت وجهها عن هذا القانون وكذلك قانون الرقابة الذي صدر عام 1947. عفريت عم عبده وثورة تموزأما مع ثورة تموز (يوليو) فيرصد المؤلف تغير وضع وتوجهات السينما بشكل ملحوظ، بعد أن أعلنت الثورة مبادئها الستة، ويقول انه لم يكن أمام السينما الا أن تجد وسيلة للتعايش مع الثورة ويضرب مثالا بفيلم عفريت عم عبده اخراج حسين فوزي الذي بدأ تصويره قبل الثورة لكنه عرض بعد قيامها وفيه تتغير الأحداث، حيث يتنبأ شبح عم عبده بأن الجيش المصري سيقوم غدا ـ يقصد تاريخ قيام الثورة ـ بحركة مباركة، ثم يأتي فيلم الله معنا لأحمد بدرخان وزواج ابنة الباشا بأحد ضباط الحركة 1955 وكذلك فيلم رد قلبي اخراج عز الدين ذو الفقار 1975، وعلي جانب آخر يرصد المؤلف وجود مساحة من الحرية السينمائية في الفترة من 1952 الي 1962، بعكس الرقابة في الأربعينيات التي كانت – حسب قوله – ترفض كل قصة ذات مضمون سياسي وكانت تحذف كل لقطة يمكن أن تحمل الي المتفرج معني سياسيا، وقد ألغت الثورة قانون الرقابة، غير أنها أصدرت قانونا آخر عام 1955 وهو ما يراه المؤلف حال بين السينما وتناول صراع الجيش مع خصومه السياسيين.أما فيما يتعلق بمشكلة البغاء فيري المؤلف أن السينما خلال هذه الحقبة ظلت تقدم ما يمكن تسميته بالكباريهات النظيفة بجانب موضوعات العشق والخيانة وما الي ذلك استمرارا واتساقا مع الحقبة السابقة ومع متغيرات الواقع الجديد، ويرصد المؤلف أول فيلم في هذا السياق عام 1954 وهو للمخرج حسين فوزي وحمل اسم عزيزة حيث ناقش مشكلة البغي بوضوح وكذلك فيلم عهد الهوي لأحمد بدرخان عام 1955، وفيلم الجسد للمخرج حسن الامام عام 1956، ثم شباب امرأة لصلاح أبو سيف، ثم فيلم حياة غانية لحسام الدين مصطفي عام 1957، ثم وكر الملذات لحسن الامام و طريق الأمل لعز الدين ذو الفقار و الطريق المسدود لصلاح أبو سيف و حب الي الأبد ليوسف شاهين ويشير المؤلف الي أن هذا الفيلم يقدم البغي باعتبارها نموذجا افضل خلقا من رجل الأعمال المرشح لدخول مجلس الأمة.ويرصد خالد بهجت أن أفلام تلك الفترة تناولت مشكلة البغاء من خلال اسقاطها علي ما أسماه بالعوامل المساعدة مثل الواقع الاجتماعي والظروف الاقتصادية وفقر متفش.أما خلال الفترة من 1968 حتي 1973 وهي ما يطلق عليها بفترة القطاع العام فقدمت السينما المصرية 299 فيلما بواقع خمسين فيلما في العام الواحد، ويرصد المؤلف ملامح مشكلة البغاء كما تناولتها أفلام هذه الفترة، فيقول ان معظم هذه الأفلام امتلأت بمشاهد الرقص والغناء والاستعراض مثل أبي فوق الشجرة ثرثرة فوق النيل ، عاشق الروح ، السكرية ، نساء الليل ، دلال المصرية ، وهي العناصر الانسانية التي استخدمتها السينما المصرية لتغييب الوعي، واثارة غرائز المتفرج، ويضيف بهجت أن هذه الأفلام استمرت في تقديم نموذج البغي التي تحمل مُثلا وقيما انسانية، بل وشرفا أكثر من غيرها ممن يدعين الشرف مثل شخصية نعيمة في فيلم قنديل أم هاشم ، كذلك تطور نمط القواد من رجل فقير يتكسب من مهنته الي رجل أعمال أو سيدات مجتمع كما في الأفلام: العاطفة والجسد ، امرأة سيئة السمعة ، و دمي ودموعي وابتساماتي .أما أفلام قضية البغاء في الفترة من عام 1975 حتي عام 1985 حيث قدمت السينما المصرية 542 فيلما بواقع 54 فيلما في العام، فقد وصلت الأفلام التي تناولت تلك الظاهرة الي 29 فيلما وهو ما يؤكد الكاتب علي أنه أعلي معدل وصلت اليه السينما في أي من الحقب السابقة علي الاطلاق، ويرصد في هذا السياق أفلام الهارب اخراج كمال الشيخ، و مضي قطار العمر عاطف سالم، المومياء شادي عبدالسلام، ويقول المؤلف انه قدم شكلا من أشكال البغاء في القبائل التي تعيش في الجبال أوائل القرن العشرين، ويراه نموذجا قدم شكلا متميزا في السينما من قبل، حيث نجد مكان البغاء في جوف الجبل، ويقوم القواد ـ وهو أحد الأغراب عن القبيلة وتاجر آثار في نفس الوقت ـ باجتذاب العملاء ممن لهم مكانة في القبيلة، ويكون البغاء بهذا المعني نوعا من رشوة السادة من أجل المنفعة في مجتمع لا يكاد يكون فيه ثمة مجال آخر للمتعة واللهو سوي هذه المغارة في بطن الجبل، كذلك يرصد المؤلف في سياق الأفلام التي عالجت ظاهرة البغاء فيلم الأنثي والذئاب لنيازي مصطفي، وفيلم أمواج بلا شاطئ للمخرج أشرف فهمي.المزيد من الحرية والتحديثوفي نهاية كتابه شبه التوثيقي التحليلي يوصي بضرورة الاهتمام بانشاء سينماتيك أي ذاكرة للسينما المصرية، فالسجل الموجود غير دقيق وغير منظم، كذلك يدعو خالد بهجت الي العمل علي تطوير الاستديوهات والمعامل، كذلك تشجيع الافلام التي تتصدي للمشاكل المجتمعية، ومنح السينما مناخا أوسع للحرية، وكذلك يدعو لاصدار مجلة للسينما علي غرار نشرة شهرية كانت تصدر في الستينيات وتتضمن في كل عدد سيناريو لأحد الأفلام العالمية، كذلك يعول الباحث علي دور أكثر حيوية لكل من أكاديمية الفنون والمعهد العالي للسينما، وكذلك نقابة السينمائيين وغرفة صناعة السينما.يقع كتاب البغاء علي شاشة السينما المصرية في 376 صفحة من القطع الكبير وصدر عن أكاديمية الفنون لمؤلفه الدكتور خالد بهجت الذي أخرج عددا من المسلسلات المهمة مثل أمس لا يموت ، سيرة سعيد الزواني ، الأقدار ، الحرافيش ، ملفات سرية ، وعمل كسماعد مخرج مع عدد من المخرجين الكبار.0