كمال خلفاستذكر الراحل الكبير وزعيم الامة آنذاك جمال عبد الناصر ومدى تأثيره على العالم العربي ونفوذ مصر في ذلك الوقت في تسوية الخلافات العربية وسياستها، خاصة في محيطها الذي يمثل امنها القومي، في غزة مثلا او السودان وامتداد ذلك الى اليمن والجزائر. والاهم امساك عبد الناصر بالقضية المركزية للعرب قضية فلسطين التي شهدت في زمنه عصرها الذهبي في العمليات النوعية ضد اسرائيل، وبروزها على ساحة الاحداث العالمية، فضلا عن دور مصر في اتفاق القاهرة في العام 1969 من القرن الماضي، وانقاذ الثورة بعد ايلول الاسود 70 واعطائها افقها في تأمين انطلاقها من لبنان. استذكر هنا عبد الناصر ومصر لاتحدث عن ارث الكبار الذي يزول بحكم الواقع وتدافع التاريخ، او ربما بفعل السياسات وتغيير المنهج والخيارات الاستراتيجية والانطلاق من مقدمات خاطئة لتكون النتيجة الحتمية هي الخطأ وفق القاعدة الفلسفية المعروفة لسقراط، ووفق وجهة نظرنا. فدورمصر في الملفات التي تعتبر حيوية لأمنها القومي ومكانتها على الساحة العربية يجب ان نقول عنه بكل ووضوح انه دور انتهى ولا يحكم هذا الكبير في الماضي الا الفشل الحاضر. فمع احتدام الجدل بين حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان وشريكه في الحكم الجبهة الشعبية لتحرير السودان، التي تمثل الجنوب حول الاستفتاء المرتقب لتقرير مصير جنوب السودان، إما الانفصال او البقاء، ومع التدخلات الخارجيــــــــة وتحديدا الامريكية التي تضغط باتجاه اجراء الاستفتاء في موعده وفق قناعـــتها ومعلوماتها ان منطقة الجنوب سوف تختار الانفصال، دخــــلت مصر على خط الازمة في ما يشبه النشاط الدبلوماسي او الاستفاقة السياسية، ليقوم وزير خارجية مصر باعلان مبادرة يحاول الحشد لها اعلاميا على انها المخلص للوضع المتأزم في السودان، طارحا مبدأ الكونفيدرالية بين الشمال والجنوب، شارحا مبادرته باستخدام الخرائط على انها مبـــادرة مدروسة ومبتكرة، غير ان ردود الفعل على تلك المبادرة جاءت باهتة، فالحركة الشعبية لتحرير الجنوب اعتبرت المبادرة تفتقد الى الواقعية ورفضتها جملة وتفصيلا. اما حزب المؤتمر الوطني فقال ان هذه الافكار تمت مناقشتها سابقا في الاجتـــــماعات التي سبقت توقيع اتفـــــاقية السلام في نيفاشا ورفضت في حينها. عندها انتهى الحديث عن فكرة وزير خارجية مصر الجهنمية وردت المباردة على اعقاب اصحابها، بينما استمر الجدل حول الاستفتاء والتحضـــير له ومستقبل منطقة ابيي المتنازع عليها.
اما بالنسبة للقضية المركزية للعرب، التي تعتبرها مصر الملف الذي لا يجوز لاحد الاقتراب منه، فقد فشل اللاعبون المصريون في اتمام ملف المصالحة، وها هي الاطراف تجتمع في دمشق من دون وسيط للبحث في المسائل الخلافية، كما انها عجرت عن فرض ما يعرف بالورقة المصرية على قيادة حماس، من دون تعديل، ولم تستطع مصر الابقاء على حصار غزة وكسر شوكة حماس او اخضاعها، ولم تتمكن من اتمام ملف صفقة تبادل الجندي الاسرائيلي الاسير لدى المقاومة الفلسطينية في غزة، بينما يتولى الدور الابرز هنا الوسيط الالماني، ولم تثمر جهود مصر في دفع عجلة التسوية السياسية بين السلطة واسرائيل.
في مقابل ذلك نجد ان دولة صغيرة مثل قطر تتمكن من جمع الاطراف السودانية الى مائدة الحوار، وتلوح بخيارات اخرى غير خيار التسوية، واقصد هنا القمة التي دعت اليها اثناء العدوان على غزة 2008 بغياب مصر والسلطة، وبحضور ايران وحركات المقاومة، وتنجح في ابرام اتفاق بين الافرقاء المتنازعين المتناحرين في لبنان رغم التباينات الكبيرة في ما بينهم.
اما الاخ الكبير الاخر السعودية فقبل ايام قدم مبادرة للكتل السياسية العراقية لحل ازمة تشكيل الحكومة بعد ثمانية اشهر من الشد والجذب فكان ان ردت المبادرة بعدم موافقة من قبل اغلب الكتل العراقية في مشهد كشف حجم انتفاء الدور السعودي في العراق، وفور ذلك اجتمعت هذه الكتل في اربيل تلبية لدعوة الزعيم الكردي مسعود البرزاني ليشهد الاجتماع انفراجة على الاقل حتى هذه اللحظة. اما على الحدود الجنوبية للمملكة فتخوض اليمن صراعا داخليا مع تنظيم القاعدة المتنامي من جهة، ومع جماعة الحوثي في الشمال، مع تحركات انفصالية في الجنوب لاحزاب اللقاء المشترك والحراك الجنوبي، وهذه المشاكل اليمينية المتصاعده تنذر بتقسيم اليمن وتفتيته وتحوله الى دولة فاشلة، ما يشكل خطرا حقيقيا على الامن القومي السعودي، ويخلق بؤرة توتر على حدودها الجنوبية، من دون ان تتحرك الرياض لوقف ما ينتظر هذا البلد العربي من ويلات.
فشل مباردات الكبار وفق ما ذكرناه آنفا يدل على انحسار الادوار التي كان يلعبها هؤلاء ونجاح دبلوماسية الصغار، تعني ان مراكز القوى والتأثير في العالم العربي تتبدل باتجاه الاقدر وان كان الاصغر. فعلى الكبار ان يعترفوا بالفشل ويجلسوا جانبا بدلا من ان يعرقلوا وينظروا لفشلهم.
كاتب فلسطيني