يُؤثَر عن الفرزدق قولٌ في الشعر، ما انفكّت تلهج به الألسنة إلى اليـوم :»تمرُّ عليّ الساعة وقلع ضِرس من أضراسي أهون عليّ من عمل بيت من الشعر». يبدو المُستفاد من ذلك، أن في عمل الشعر مشقة على الشاعر. ليس المقصود وصف الشعر بالضِّرس، وإنما وصف معاناة قول الأول (الشعر) بمعاناة قلع الثاني (الضرس). الشعر معاناة ومكابدة حسب منطوق ظاهر القول وباطنه. وتشتدُّ المعاناة والمكابدة، إذا تمادى ذلك على الشاعر، حتى يُقال فيه: «أصفى وأفصى، كما يقال «أفصت الدجاجة» إذا انقطع بيضها» حسب تعبير صاحب «العمدة». البيض بمثابة القصائد، هنا، كما لا يخفى بقراءة السياق.
إحالة الشاعر إلى الضِّرس، إنما أتت عن تجربة ومعاناة مريرتين. وبصيغة استنكارية، مَن سلِم من قلع ضرس، من الشعراء ومن غير الشعراء؟ إذا استثنينا النابغة الجعدي، الذي شمله الرسول الكريم بدعائه «لا فض فوك»، لا نستطيع تبيُّن أحد غيره. وإن لم يحدد «شاعر مُضَر» حالة الضرس، بما استوجب قلعه، إلا أن ذلك لا يكون إلا بتسوُّسها، على جري الطبيعة في مثل هذه الحالة. ألم يكن من الأولى وصف مكابدة عمل الشعر بمكابدة آلام الضرس (الناتجة عن السوسة أو نحوها)؟ في تصوري، يبدو قلع الضرس المريضة بمثابة وضع حدّ لآلامها. قلع الضرس، في هذه الحالة، هو تجنب لمضاعفات الألم. ومن هنا، فالمعول عليه في القول السابق «قلع الضرس الصحيحة». القلع أشد وأعنت، في الأخيرة، على كل مُتصور لذلك.
ومع ما سبقت الإشارة إليه، هناك سؤال آخر يحتاج إلى الإجابة، وهو: لماذا كان عمل الشعر أشبه بقلع الضرس، دون باقي ما يمكن أن يستشعره المرء من آلام؟ ابن رشيق ينفي ذلك الاختصاص، بما سجله في أحد أبوابه «عمل الشعر على الحاذق به أشد من نقل الصخر». وفي إثره، نتساءل بدورنا: أيهما أشدّ وطأة على صاحبه، قلع ضرس أم نقل صخر؟ وهل بالإمكان أن يتساويا في درجة المعاناة وحجمها؟ ليس هناك ما قد يحول دون تلك التسوية، وقد فعلها الإمام الشافعي مع أكثر من طرف، وإن في سياق مُختلف:
لَقلعُ ضِرسِ، وضربُ حَبسِ
ونزعُ نفسِ، وردُّ أمسِ
وقــرُّ بردِ، وقودُ فردِ
ودبغُ جلدٍ بغير شمسِ
أهون من وقفة الحرّ
يرجو نوالا بباب نحسِ
قول الشعر، والوقوف بالأبواب، لا يعدلهما إلا قلع الضرس (الصحيحة). ومع تصور معاناة قول الشعر في أشياء أخرى (كالتي ذكر الشافعي)، إلا أن الأقدر منها على توصيف شدة المكابدة، هو قلع الضرس بالتأكيد. الضَّرس، وهو ضمن العائلة الاشتقاقية، يصير مُرادفا للشدة والعنت. وفي لسان العرب، يعني «ضرَّسهم الزمان: اشتدَّ عليهم». وبالموازاة مع ذلك، نجد أن «أضْرَسَه أمر كذا: أقلقه». القلق الناتج عن آلام الضِّرس، بصيغة أخرى، أكثر انسجاما مع القلق الناتج عن قول الشعر. وبهذا، يمكن القول إن الشعر قلق، بحكم استغراقه التامّ لذهن صاحبه ووقته.. مثله في ذلك مثل الضرس المريضة (المُسوَّسة). وبالموازاة مع ذلك، يظهر أن الأمر مخصوص، في القلقين، معا، بما هو معنوي (مدار حركته الرأس/الذهن/ الخيال).
الشعر معاناة ومكابدة، مادتهما القلق أساسا. الشاعر يظل قلقا، إلى أن يفرغ من عمل قصيدته، ولو استمر ذلك حولا من الزمن (مع شعراء الحوليات، وعلى هديهم الفرزدق بالطبع). وفي هذا المعنى، كان يقول الحطيئة: خير الشعر الحوليُّ المُحَكَّك. قلق الشاعر، هنا، من قلق القصيدة، نفسها، في بعض ما تتألف منه. ولذلك، قيل: لفظ قَلِق. وللإشارة، فإن مكابدة القلق لا تكون إلا من الشاعر الحاذق، مثلما جاء على لسان القيرواني في قول سابق. إن الشعراء الكبار الحاذقين، هم قلقون بطبعهم وطبيعتهم.
مكابدة القلق هي الأساس في قول الشعر (أو كتابته على حد سواء). وإن هي أوضح لدى «شعراء الحوليات»، إلا أن هذه المكابدة لا يكاد يسلم منها شاعر (يتطلع لحذق عمله). القلق من سمة الشعراء الحاذقين بصيغة أخرى. أما ما قاله الفرزدق، في سياق مناقضته لجرير، فليس له من معنى إلا الفخر. والمقصود بقوله ذاك، ما جاء في قصيدته المسماة «الفيصل»:
وهب القصائدَ لي النوابغُ إذ مضوا
وأبو يزيدَ وذو القروح وجرولُ
الشعر يكون بالقلق والمعاناة، وليس بالوراثة من أحد. هذا، كما لا يكون هذا الشعر على هوى المتنبي، بـ«ادعائه» التالي:
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصمُ
وإذ تتأكد «حقيقة» أن الشعر معاناة، بقي أن نحدد طبيعة هذه المعاناة. هل هي حاصلة في مستوى «الحياة» (الواقعية) أو في مستوى «الكتابة» (الإبداعية)؟ هل من قدر الشاعر أن يعاني الآلام، حتى يستطيع أن يبدع في شعره؟ أم هل من قدره أن يعاني مشاق القول (الكتابة)، حتى يحين له التميُّز في ما يقول؟ مكابدة آلام الحياة، لدى البعض، من دواعي الإبداع. في هذا الأفق، يلوح راينر ماريا ريلكه، باعتبار طغيان الحنين والعزلة والموت على إبداع الشاعر.. وهو القائل: ألا يجدر بهذه الآلام العتيقة جدا أن تعطينا الثمار أخيرا؟ أي ثمار؟ إنها ثمار الإبداع التي هي من إنتاج الآلام، ولذلك، طبيعي أن نقرأ للمفكر عبد الرحمن بدوي، في كتابه «شوبنهاور»، ما يلي: «فالألم والحرمان هما وحدهما إذن اللذان يمكنهما أن يحدثا تأثيرا إيجابيا، وبالتالي أن يكشفا عن ذاتيهما بأنفسهما.
وإذ تتأكد «حقيقة» أن الشعر معاناة، بقي أن نحدد طبيعة هذه المعاناة. هل هي حاصلة في مستوى «الحياة» (الواقعية) أو في مستوى «الكتابة» (الإبداعية)؟ هل من قدر الشاعر أن يعاني الآلام، حتى يستطيع أن يبدع في شعره؟
أما التَّمتُّع فعلى العكس من ذلك سلبي خالص، ولهذا لا نستطيع أن نقدر الخيرات العظمى الثلاثة التي نحظى بها في الحياة، وهي الصحة والشباب والحرية، طالما كنا مالكين لها. ولكي ندرك قيمتها، لابد لنا من فقدها أولا، لأنها هي الأخرى سلبية».وهو يتناول فلسفة شوبنهاور، يعقد بدوي، تحت عنوان كبير «الوجود خطيئة»، مقارنة بين بايرون والمَعرّي والخيام ودوفينيي. وفي ما يخص شاعر العربية أبا العلاء المعري، فإننا نجده يقرن الإنسان بالألم/ الشر…هو الألم، ذاته، منذ أن يولد..
هُوَ البَرُّ في بَحرٍ وَإِن سَكَنَ البَرّا
إِذا هُوَ جاءَ الخَيرَ لَم يَعدَمِ الشَرّا
وَهَل تَظفَرُ الدُنيا عَلَيَّ بِمِنّـَةٍ
وَما ساءَ فيها النَفسَ أَضعافُ ما سَرّا
يُلاقي حَليفُ العَيشِ ما هُوَ كـارِهٌ
وَلَو لَم يَكُن إِلّا الهَواجِرَ وَالقُرّا
نَوائِبُ مِنها عَمَّتِ الكَهلَ وَالفَتـى
وَطِفلَ الوَرى وَالشَيخَ وَالعَبدَ وَالحُرّا
إِذا وُصِلَت بِالجِسمِ روحٌ فَإِنَّها
وَجُثمانُها تَصلى الشَدائِدَ وَالضَرّا
سعى آدم، جد البرية، في أذى
لذرية في ظهره تشبه الذَّرّا
تلا الناسُ في النكراء نهج أبيهمُ
وغُرَّ بنوه في الحياة كما غُرّا
وفي العصر الحديث، سيتعاظم الإحساس الشعري بالألم، من خلال توظيف الرمز والأسطورة. وأتصور أن تعاظم هذا الإحساس، في مجمله، نابع من تأثير الاتجاه الرومانسي، سواء لدى الغرب أم لدى العرب (السياب مثلا). وهكذا، أخذت تعلو بعض الاستعارات على حساب أخرى، بالنظر إلى دلالاتها الرمزية القوية على أبدية «الألم»: استعارتا «المسيح» و«سيزيف» في الشعر العربي المعاصر مثلا.
إذا بقينا عند حدود «الألم» الواقعي (غير الرومانسي)، فإننا سنساهم في نشوء افتراض منطقي، من قبيل أن الفقراء أقوى إبداعا، بحكم مكابدتهم آلام الحاجة والجوع. أليس في الفقر، بصورة ما، اقتراب من معنى الألم؟ وإن لم يدرج بدوي الغنى المادي (زينة الحياة الدنيا) ضمن الخيرات العظمى، إلا أن لا أحد بوسعه أن يجادل في مدى أهميته. وبعكس ما هو عليه الاتجاه، يبدو أن لصاحب «العمدة» رأيا آخر، ملخصه أن «الفقر آفة الشعر»، على أساس أن «الشاعر إذا صنع قصيدة، وهو في غنى وسعة، نقَّحها وأنعم النظر فيها على مهل». الفقر يحول دون وصول القصيدة إلى ذروة اكتمالها بصيغة أخرى. ما يؤكد هذه الخلاصة، أن هناك أكثر من حكاية، منها ما يُروى عن عمرو بن هند مُخاطبا عبيد بن الأبرص، وقد لقيه في يوم بؤسه: أنشدني من شعرك. قال: حالَ الجريض دون القريض.
ما من شك في أن الموضوع آخذ في التدحرج من سؤال إلى آخر: من وطأة لحظة «عمل القصيدة» (التي تشبه قلع الضرس) إلى ما يقود إلى هذه اللحظة (المعاناة أو بخلافها). إن شئنا الدقة، قلنا إن وطأة «قلع الضرس» تعادل، هنا، وطأة «قلع» القصيدة: من حيز الإمكان إلى حيز الفعل. ومن المؤكد أن التركيز، في قول الفرزدق، موقوف على لحظة المخاض (الذي يسبق الولادة). وللإشارة، فكثيرا ما شُبِّهت العملية الإبداعية، في ما يسبق لحظة ولادة نص فني، بالمخاض الذي يحصل للمرأة على وشك الوضع. وفي كتب الأدب وتاريخه، توجد صور عديدة لحالات المخاض، التي عانى من شدتها الشعراء. من ذلك، ما يحكى عن تمرُّغ جرير في الرمضاء، قائلا: أنا أبو حزرة.. إلى أن ردّ على قول الفرزدق:
فإني أنا الموت الذي هو ذاهب
بنفسك، فانظر كيف أنت مُحاوله
بقول آخر ينقضه:
أنا الدهر يفنى الموت والدهر خالدٌ
فجئني بمثل الدّهر شيئا يُطاوله
ولتلافي شدة المخاض، كان الشعراء يتعمدون سلوك «طرق التفافية». وفي «العقد الفريد»، إضافة إلى «العمدة»، طائفة مما اختصر به الشعراء «طريق الآلام» إلى الشعر. يُذكر لكُثَيِّر عزّة، جوابا عما يمكن عمله، في حال تعسُّر الشعر عليه، ما رواه ابن عبد ربه في «أحسن ما يجتلب به الشــعر»: «أطوف في الرباع المحيلة والرياض المعشبة؛ فإن نفرت عنك القوافي وأعيت عليك المعاني، فرَوِّحْ قلبك، وأجمّ ذهنك؛ وارتصد لقولك فراغ بالك وسعة ذهنك، فإنك تجد في تلك الساعة ما يمتنع عليك يومك الأطول وليلك الأجمع». لولادة النص، ينبغي الاستعداد مليا، بتوفير شروط الإبداع الشعري. وللتدقيق أكثر، يقترن الاستعداد، لدى النقاد العرب القدامى، بما يسبق لحظة «المخاض الفني» بقليل. آلام الحياة، في واقعيتها، لا تشكل إلا رافدا من روافد التجربة المطلوبة في الإبداع. من حسن حظنا، أن غدت «التجربة»، بمعناها العام، مفهوما نقديا بحكم التداول. وفي هذا الإطار، يمكن الإحالة إلى الشاعر راينر ماريا ريلكه، في اشتراطه لكتابة بيت شعري واحد: مشاهدة عدة مدن وأشخاص، معرفة الحيوانات، الإحساس بكيفية طيران العصافير، معرفة الحركات التي بفضلها تتفتح الأزهار في الصباح (إلخ).
خارج إطار ما سبق، كان يُطلب لحذق صناعة الشعر: المداومة على حفظ الشعر وروايته. أما في حالة المخاض الشعري، فلا يستحبّ أن يكون هناك ما يُنغِّص على ولادة القصيدة، آلام الفقر، بالجوع وما سواه، غير مساعدة في هذه الحالة. لا شيء بمستطاعه أن يشغل الشاعر، باستثناء التركيز على لحظة الإبداع، وما تقتضيه من خلو الذهن لها. وأتصور أن اعتبار «الفقر آفة الشعر»، حسب ما قاله القيرواني، يتوجب حمله على النحو الأخير.
هل هناك أشد وطأة من القتل، سواء أكان الفقر أم ما سواه؟ ومع ذلك، لم يحل دون «عمل» الشعر؟ وفي سياق ذلك، يمكن الحديث عن رثاء النفس، ومنه قصائد قالها أصحابها وهم في لحظة احتضار.
بعد اتضاح سياق القول السابق، يمكن المبادرة، الآن، بنسف ما ذهب إليه مُؤلِّف «العمدة». في العديد من لحظات المخاض الشعري، كان الشعراء يكابدون آلاما غير آلام الإبداع نفسه. فكم من شاعر أبدع قصيدة، في لحظة كان عُرضة للقتل. الأمثلة على ذلك عديدة، من ضمنها ما يحكيه القيرواني، نفسُه، عن تميم بن جميل القائل بين يدي المعتصم، وقد قُدِّم السيف والنطع لقتله:
أرى الموت بين النَّطع والسيف كامنا
يلاحظني من حيث ما أتلفّـتُ
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي
وأي امرئ مما قضى الله يُفلتُ
وأي امرئ يدلي بعذر وحجة
وسيف المنايا بين عينيه مُصلتُ
يعزُّ على الأوس بن تغلب موقف
يسلُّ عليّ السيف فيه وأسكتُ
وما حزني أني أموت وإنني
لأعلم أن الموت شيء مؤقـتُ
ولكنَّ خلفي صبية قد تركتهم
وأكبادهم من حسرة تتفتـتُ
هل هناك أشد وطأة من القتل، سواء أكان الفقر أم ما سواه؟ ومع ذلك، لم يحل دون «عمل» الشعر؟ وفي سياق ذلك، يمكن الحديث عن رثاء النفس، ومنه قصائد قالها أصحابها وهم في لحظة احتضار. ويبرز اسم مالك بن الريب في طليعة شعراء هذا الفن، بحكم الجودة العالية التي بلغتها قصيدته..ومنها البيت التالي:
تذكرتُ من يبكي عليّ فلم أجدْ
سوى السيف والرمح الرديني باكيا
هل كان بإمكان مالك وقت آخر، غير ساعة احتضاره، ليتوسع في تحويك قصيدته وتجويدها؟ وعلى الرغم من ذلك، فليس بالإمكان إنكار الجودة التي خرجت بها القصيدة. وخارج هذه الأخيرة، هناك قصائد أخرى في غاية الإبداع، تؤلف مجموع ما يسميه النقاد «رثاء النفس». الفقر، في الاستشهاد السالف، لن يعدل الموت في أي حال. وعلى هذا الأساس، يبدو من غير الموضوعي حمل «الفقر آفة الشعر» على الحقيقة بشكل مطلق.
– الكتابة عن الألم: وفي هذا الإطار، يتخذ الشاعر (وهو موضوعنا الأساس) «الآخر» لوصف ما يكابده من آلام، أو يتخذ هذا الشاعر جزءا من حياته الماضية، التي اكتنفتها بعض المحن والآلام. للاستدلال على هذا النوع من الكتابة، تعرض لنا قصيدة الحطيئة، التي لخص فيها حياة أسرة معدمة في الصحراء:
وَطاوي ثَلاثٍ عاصِبِ البَطنِ مُرمِلٍ
بِتيهاءَ لَم يَعرِف بِها ساكِنٌ رَسما
– الكتابة في الألم: والشاعر، بهذا الخصوص، يتخذ حاضره الأليم موضوعه للكتابة. من أبرز الأمثلة، ما يمكن سوقه في إطار ما سميناه رثاء النفس (ساعة الاحتضار)، وبالإضافة إلى ذلك، يمكن الحديث عن القصائد التي يصف فيها الشاعر معاناته مع المرض، مثلما حصل للمتنبي مع الحمى، على افتراض أن أبدعها خلال المرض وليس بعده:
وزائرتي كأن بها حياء
فليس تزور إلا في الظلام
– الكتابة بالألم (في تجانس لغوي مع القلم): في هذا المستوى، نتحدث عن الكتابة باعتبارها ألما، بالنظر إلى ما تقتضيه من جهد في التعبير والصياغة. ومما لا يخفى على المهتمين بالأدب العربي، أن النقاد القدامى كانوا يتحدثون عن اتجاه شعري قائم الذات، يسمونه «مدرسة عبيد الشعر»، بحكم تعهد شعرائها قصائدهم بالتثقيف (نثقفها حتى تلين متونها). ولعل أدق تصوير شعري، يمكن تقديمه بهذا الشأن، ما تضمنته قصيدة سويد بن كراع العكلي، التي نقرأ في مطلعها:
أبيت بأبواب القوافي كأنما
أصادي بها سربا من الوحش نُزَّعا
– الكتابة- الألم: عند هذا الحدّ، تصبح الكتابة تراجيديا، لا يميزها عن تراجيديا صاحبها «شيء»، بالنظر إلى طبيعة شخصيته ومزاجه وفلسفته في الحياة. الكتابة تصير مرادفة للألم، هنا، مادامت تطابق شخصية مؤلفها، بما يسكنها من قلق (وجودي)، ورفض وتمرد وتوق إلى المغامرة والمخاطرة (بالنفس حتى). الكتابة تضحى، بصيغة مجازية، «إشرافا من أعلى الحافة». والنموذج الأوضح، كما نُعيد، هو أبو العلاء المعري، الذي يصعب على الدارس التمييز بين سيرة شخصه وسيرة قصيدته. وتبدو «داليته»، في رثاء أبي حمزة، أكثر تعبيرا عن شخصيته، وسوء ظنه بالإنسان والحياة عامة..
غيرُ مجدٍ في ملّتي واعتقادي
نوح باكٍ ولا ترنم شاد
وشبيهٌ صوت النعيّ إذا قِيـ
س بصوت البشير في كلّ ناد
أبَكَت تلكم الحمامة أم غـ
نّت على فِرْعِ غُصنٍها الميّاد
تختزل المصفوفة تصورنا للعلاقات الواقعية بين الكتابة والألم. وإذ تظل في حاجة إلى تدقيق في المفاهيم، إضافة إلى توسع في الشواهد، إلا أن المصفوفة تبقى معبِّرة عن الموضوع، الذي قدح شرارته الفرزدق بقوله المأثور، المُقدَّم في بداية هذه «القراءة».
٭ كاتب من المغرب