حوار مع الشاعرة اللبنانية جمانة حداد:
بيروت ـ “القدس العربي”: بمكتبها بالقسم الثقافي الذي تشرف عليه بالطابق السادس من جريدة النهار كان لقائي بالشاعرة اللبنانية والصحفية جمانة حداد، كنت قد قرأت لها في الجزائر المختارات التي أصدرتها منشورات الاختلاف بالجزائر والدار العربية للعلوم ببيروت، “النمرة المختبئة بين الكتفين” وقبلها حواراتها المهمة “صحبة لصوص النار” وتشكلت لدي مجموعة من الانطباعات حول عملها الشعري كانت في ذهني اسئلة كثيرة ولربما طرحت بعضها فقط، وبقي البعض عالقا، أو ينتظر فرص تحاور أخري مستقبلا. لننطلق من قصتك مع الشعر: من أين بدأت؟ غالبا ما أردد أن قصتي مع الشعر هي قصة حب كان من المحتم أن تحصل، وحصلت في أحد الأيام. حصلت تحديدا في عمر مبكر. فأنا قارئة نهمة منذ الصغر، وكنت في التاسعة أو العاشرة من عمري أكتب القصص القصيرة للأطفال، علي غرار القصص التي كنت أقرأها في تلك السن. ثم، في أحد الأيام في المدرسة، قرأت لنا المعلمة قصيدة لبول إيلوار، هي قصيدة “حرية” الشهيرة. أحببت هذه القصيدة جدا، ووقعت في غرام الشعر، وقلت في نفسي: هذا هو ما أريد أن أكتبه. فكتبت بدوري قصيدة أسميتها “حريتي” باللغة الفرنسية، وهكذا كانت بدايتي مع الشعر. لماذا بدأت الكتابة بالفرنسية؟ كما تعلم، نحن هنا في لبنان، في المناهج التعليمية، نتعلم الفرنسية كالعربية، أي كلغة أم، بما أننا بلد فرنكوفوني. ولكن هناك فرق في البرامج المدرسية، فبالفرنسية ندرس شعراء الحداثة منذ الصغر، أما في البرامج العربية فكنا ندرس فقط الشعر الموزون وشعراء الجاهلية، اي الشعراء الذين، علي أهميتهم وعظمتهم، لم أكن اشعر بالانتماء إليهم ولا أحسست أن هذا هو الشعر الذي يستفزني. ولهذا عندما اكتشفت الشعر الحديث بالفرنسية بدأت الكتابة بالفرنسية. ولماذا لم تستمري في هذا الاتجاه؟ في الحقيقة لم أزل أكتب بعض النصوص باللغة الفرنسية. لكني انتقلت منذ مجموعتي الشعرية الثانية الي الكتابة بالعربية، لأني أحسست أن هذه اللغة الرائعة الجمال تستطيع أن تشكل جسدا لما أريد قوله شعريا، أفضل من الفرنسية. هناك نوع من الشراسة تستطيع أن تمارسه علي اللغة العربية لا تستطيع أن تمارسه علي اللغة الفرنسية، لأنها لغة طُيِّعت منذ زمن. أما العربية فلم تَروَّض بعد، لذلك فهي تستفزّني أكثر… كان إذن خياراً منك أن تكتبي بالعربية وأن تكوني شاعرة؟ بالنسبة للعربية هو خيارٌ فعلاً، أما في ما يتعلق بالشعر، فليس ذلك قرارا. لا يمكن الإنسان أن “يقرّر” أن يكتب الشعر، أو أن “يكون” شاعرا، لأن الشعر قدر، وأقولها حتي لو بدا كلامي هذا رومنطيقيا إلي حد ما. أنا أعتبر أن الشعر جاء وسرقني. غالبا ما يسألني قراء مقالاتي أو نصوصي النثرية أو حواراتي: “لماذا لا تكتبين الرواية؟ لديكِ نفس حكواتي”. لكنني لا أفعل ذلك لسببين: أولا لأنني أنزعج من فكرة أن الرواية ينبغي أن تكون مطلوبة أو رائجة بالضرورة أكثر من الشعر. قد يكون هذا صحيحاً، ولكن حتي لو كان قراء الشعر أقل، فأنا أريد أن أكتب الشعر، لأنه هو جوهري. ربما سأكتب الرواية في يوم ما، ولكن سأظل شاعرة حتي آخر يوم من حياتي. أما السبب الثاني فأشعر أن صبري وإيقاع أنفاسي يتلاءمان أكثر مع الشعر، وأن حبي للتكثيف والنحت يتناغم مع الكتابة الشعرية أكثر منه مع الكتابة الروائية. كتابة الشعر بالنسبة إليك مفتوحة علي أكثر من شكل واحتمال: هل يعود ذلك إلي أننا اليوم لم نعد قادرين علي سجن الشعر في قفص واحد؟ أعتقد أننا لم نسجنه يوما. أنا مؤمنة بذلك رغم كل القيود التي كانت مفروضة عليه، علي غرار الوزن والقافية وكل المعايير والقوانين الموجودة في كل اللغات، والتي لسنا متفردين بها في تراثنا الشعري العربي. ولكن رغم كل هذه القيود لا أظن أننا استطعنا، ولا أننا نستطيع، أن نقبض علي الشعر ونضعه في قفص. في أي حال، أنا أحب التجريب كثيرا، وقد ذهبت في ذلك أقصي ما ذهبت في ديواني الرابع “عودة ليليت” الذي كتبته بثلاثة أجساد شكلانية مختلفة: الأول هو قصيدة النثر كما نعرفها، أما الثاني فهو مشهد شعري/ درامي، والثالث نص مفتوح بلا أي منطق تركيبي أو هيكلي للجملة، أي يشكل نوعا من الهلوسة. أعتقد أن الشعر متفلت دائما من القيود نحو منطقه الخاص: طبعا هناك هندسة في الشعر، وهناك رياضيات، وهناك الكثير الكثير من البناء، ولكن ليس بمعني القيد، ليس بمعني “القفص”. ثم ان مائدة الشعر تتسع لأكثر من رؤية وأكثر من مبدأ وأكثر من تجربة. بما أنك ذكرت مجموعتك الشعرية “عودة ليليت”، أريد أن أسألك لماذا اخترت رمز هذه المرأة الضد والند للرجل حسب الأسطورة القديمة؟ غالبا ما أُسأل لماذا اخترت الأسطورة، لكنّ ليليت لم تكن يوماً أسطورة بالنسبة إليّ. وفي كتابتي عنها لم أذهب أنا إليها، بل جلبتها إلي، جذبتها إلي زمني، إلي أفكاري وحياتي وتصوري للحب والحياة والجسد. وقد اخترتها لأن قصتها استفزتني جدا. فانا لم أكن قد سمعت بهذه المرأة من قبل، وعندما اكتشفت بمحض المصادفة في بعض المراجع الميثولوجية أن هناك امرأة ولدت قبل حواء، امرأة حرة ومستقلة مصنوعة من التراب علي غرار آدم، أي أنها كانت ندا له، وملت طاعته العمياء ولم ترضخ له، عندما اكتشفتُ هذه القصة المذهلة، انخطفت اليها، ورأيت أنها منطقية وقابلة للتصديق وأنها تنطبق علي زمننا الحاضر بامتياز، فقلت في سري: لما لا “أستثمر” هذه المرأة الجميلة شعريا؟ وكان ما كان. من خلال تجربتك الشعرية التي تضم حتي الآن خمس مجموعات شعرية، اذ تصدر الخامسة قريباً، ما الذي يميز عالمك الشعري؟ هل تشعرين بتحول في كتاباتك؟ وهل هو تحول في الرؤية أم في الشكل؟ لن أستخدم كلمة تحول رغم أنها تجوز. هناك إذا أردت “تطوّر” في كتاباتي، ولكن ثمة منذ كتابي الأول وحتي كتابي الأخير خيط يربط قصائدي بعضها ببعض. هناك انسجام، وتساوق، وهناك عالم هو عالمي الشعري، يتمتع حتي بحقل معجمي خاص به: طبعا تتغير مفردات هذا الحقل بعض الشيء، قد تزيد وقد تنقص، قد تظهر كلمات وتختفي أخري، لكن تلك هي أجوائي، التي أحاول أن أنقلها وأوصلها في كل مرحلة بطريقة مختلفة: فعلي مستوي المضمون أسعي كل مرة أن أحفر أعمق في تراب ذلك العالم وأرضه وهوائه، بينما علي المستوي الشكلاني، أستهوي خوض تجارب جديدة، لكنه تجريب يحترمها، وليس هدفه تدميرها وإلغاءها. فما الذي يتغير في الشاعر مع الوقت، الي جانب التجارب الانسانية والروحية الجديدة التي يعيشها؟ يتغير نضوجه اللغوي وقدرته علي اللعب مع اللغة، والتشاطر عليها، و”غدرها” ومفاجأتها. تتطور عوالمه الشعرية وتنصب في قوالب مختلفة علي مر الوقت. فعلا، أزعم أن لي عالمي الشعري الخاص، رغم أنه غالبا ما يوصف بالعالم “النسوي”، وهذا يزعجني، لأني لا أحب الفصل بين شعر الرجل وشعر المرأة، ولا أحب التبويب والتصنيف. طبعا هناك خصائص لدي كل شاعر وكاتب، لكن الخصائص لا تبرر التمييز علي اساس الجنس. فما يصنعك ليس فقط جنسك، بل كل ما أنت عليه في اللحظة التي تكتب فيها النص: تاريخك، بيئتك، خلفيتك، مزاجك، الخ… هناك من يقول إن الكتابة أنثوية في نهــاية المطــــاف، كما يذهب المتصوفة أحيانا؟ سأقول شيئا يشبه ذلك ولكنه يتكامل معه ويدحضه في الآن ذاته: أنا اشعر بأني امرأة ورجل عندما أكتب، وكل كاتب فيه هذا الجانب. طبعا الطاغي فيَّ هو أني امرأة، ولكن عندي جانب “ذكوري”، أي هناك رجل في داخلي، وأنا أعتني بهذا الرجل وأصغي إليه، لأني أحب أن اشعر به وأن أتواصل معه. وأعتقد أن كل الكتّاب، بل كل البشر، مزيج من الذكورة والأنوثة بمعادلات وجرعات مختلفة. الكتابة كائن أندروجيني وليست امرأة أو رجلا… تجربتك في الصحافة لا تقل تميزا عن تجربتك في الشعر: كيف وجدت نفسك في عالم الصحافة؟ دخلت عالم الصحافة بمحض المصادفة، فانا كنت قبلا أمارس مهنا مختلفة ولم تكن دراستي الأكاديمية في ميدان الصحافة. بدأت في الترجمة في جريدة “النهار”، وفي هذه الصحيفة بالذات اشتغلت نحو أربع سنوات كمترجمة لمواد ليست فقط ثقافية ولكن اقتصادية وسياسية أيضا.. ثم بدأت اشعر أني جاهزة للانتقال الي مرحلة تالية، فرحت أكتب مواضيع ثقافية وأشتغل في الصفحة الثقافية، وتدرج الأمر إلي أن أصبحت مسؤولة عن هذه الصفحة. لكن يهمني أن اوضح هنا أني لا اسمح للصحافية أن تسرق مني الشاعرة: أنا أغار جدا علي جمانة حداد الشاعرة ولا أسلمها للصحافية. قد أفسح للشاعرة أن تسمع صوتها عندما تكون الصحافية تشتغل، لكن العكس لا يجوز عندي. في إطار العمل الصحافي، أنجزت حوارات مهمة مع كبار كتاب العالم. هل نستطيع معرفة كيف جاءتك الفكرة وكيف نجحت في تحقيقها؟ جاءتني الفكرة بداية كحلم. كان هناك مجموعة من الكتاب الذين أحبهم منذ زمن وأتابع إصداراتهم، لأني كما ذكرت أحب القراءة جدا. وفي أحد الأيام كنت أقرأ رواية جديدة للكاتب الأمريكي بول اوستر، فقلت في سري: كم أحب أن أحاور هذا الرجل! وفعلا، كتبت رسالة لدار النشر التي تنشر له وطلبت منهم أن يتفضلوا بإرسالها إليه، وبعد حوالي شهر ونصف وصلني فاكس من بول أوستر نفسه، يقول فيه إنه يرحب جدا بفكرة الحوار. هذا التجاوب أعطاني نوعا من الزخم ومن الدافع لكي أتابع. فعندما يمسك الواحد منا بطرف الخيط، خيط النجاح، يستبسل ويتجرأ أكثر ويفكر أنه ليس هناك من مستحيل. وهكذا كرّت السبحة. ينبغي لي هنا أن أعترف بفضل جريدة “النهار” علي هذه الحوارات التي تطلبت أسفارا ودعما ماديا لا يستهان به الي جانب الدعم المعنوي. وكما تعلم، نادرا ما تمول أي جريدة جهدا ثقافيا محضا، ولكن هذه من صفات جريدة “النهار” التي تولي الثقافة اهتماما كبيرا منذ تأسيسها. وتاريخها يشهد علي ذلك. ما الذي بقي راسخا في ذهنك من لقائك بهؤلاء الكتاب الكبار؟ بقيت في ذهني أمور كثيرة، ولكن أكثر ما بقي هو شعوري بأني “محظوظة”. فأنا عندي خوف دائم، كلما اقرأ لكاتب وأحب كتاباته، من أن أتعرف عليه وأخيب فيه كانسان. وهذا شيء كما تعرف يحدث غالبا، فأحيانا نقول ليتنا لم نعرف هذا الرجل أو هذه المرأة عن كثب، ليتهما بقيا اسما علي غلاف كتاب وظللنا مفتونين بكتابتهما ولم نر هذا الوجه البشع منهما. أكثر ما اشعر به الآن، بعد هذه الحوارات التي أغنتني ثقافيا وإنسانيا، أنني كنت محظوظة لأني لم أخب في أي من هؤلاء… لماذا تعتبرين الشعر مهماً في حياتك؟ وهل يأتي قبل الحياة أو بعدها؟ لا أستطيع أن أقول إنه يأتي قبل الحياة أو بعدها، لأنه ليس عندي فصل بين الشعر والحياة. بل إن الحياة بالنسبة إليّ مكوّنة من ثلاثة عناصر، أو من ثالوث أعتبره مقدسا: الحب بكل أنواعه وأشكاله وتجسداته، الشعر، والصحة. هذه ثلاثة أمور أتمناها دائما للآخرين وأعتبرها هي الأساس في حياتي. لكني لا أستطيع أن أميز الحدود بين الشعر والحياة، فأنا عندما أشاهد فيلم سينما أحسّ بأني شاعرة، وعندما اقبّل ابني قبل النوم أحس بأني شاعرة. بل أطمح أن أكون شاعرة في كل ما أعيشه وأفعله، وخصوصا في علاقاتي الإنسانية، لأن الشعر بالنسبة إلي هو الذروة في الأخلاق والرقي واللياقة ونبل الروح. ولكن هناك من يقول أن الشعر يتطلب تنازلات كثيرة أو عزلة كبيرة ليحقق الشاعر ما يريده، فما رأيك؟ أنا اصرف فعلا الكثير من وقتي علي الكتابة والعمل. إذا أعطيتني مثلا عطلة خمسة أيام فلن أقضيها في التنزه، بل أمام الكومبيوتر، لأن الكتابة هي متعتي. وهذا “الادمان” أو الوله يزعج أحيانا أفراد عائلتي وأصدقائي، حتي أن ابني الصغير يقول لي أحيانا: “أكره هذا الكومبيوتر، وأريد أن أكسره!”. لكن الأمر خارج عن إرادتي. إنه شغف مطلق. أصدرت مؤخرا أنطولوجيا للشعراء المنتحرين: ما الذي استهواك في هذا الموضوع؟ قصتي مع الشعراء المنتحرين بدأت منذ أربع سنوات، حيث كنت أعد لسلسلة ترجمات شعرية للملحق الثقافي في جريدة النهار، وكنت أختار من الشعر ما أحبه، كوني لا أمارس الترجمة كعمل وإنما أمارسها… كخيانة؟ كخيانة ممتعة طبعا! هكذا قمت بترجمة عدد من الشعراء الذين أحبهم، وعندما أردت القيام بمقدمة تعريفية لكل شاعر، اكتشفت أن غالبية هؤلاء قد ماتوا انتحاراً، فبدأت تولد الفكرة في رأسي ورحت أعد العدة لذلك. بدأ مشروعي بثلاثة وثلاثين شاعرا، ثم أصبح عددهم مع الوقت، كما تعلم، مئة وخمسين شاعرا، وقد يزداد العدد في الطبعات التالية، من يعرف؟ هكذا بدأت الفكرة إذا، وكانت رحلة متعبة جدا، جسديا ونفسيا، لأنه كتاب ضخم من 660 صفحة، ولأني كنت متورطة فيه روحيا. اذ لا يمكن أن يكتب شاعر حي عن شاعر ميت أو منتحر من دون أن يشعر بأنه متورط. نتج من هذه التجربة كتابان، كتاب صدر الآن، وهو الأنطولوجيا وعنوانها “سيجيء الموت وستكون له عيناك، 150 شاعرا انتحروا في القرن العشرين” (عن “دار النهار” و”الدار العربية للعلوم”)، وكتاب أصدره في الخريف، وهو مجموعة شعرية عنوانها “مرايا العابرات في المنام”، أحدس فيه شعريا تجربتي مع 12 شاعرة من المنتحرات في العالم. هل كشفت السر الذي يدفع الشعراء للانتحار؟ ثمة في الانطولوجيا إحصاءات عن الأسباب الكامنة وراء الانتحار، ولكن لا يمكنك مع ذلك أن تعرف، لأنه مع كل عملية انتحار يولد سر.. ووراءها قصة؟ طبعا وراءها قصة، ولكن مع كل عملية انتحار يولد سر، لا تستطيع أن تعرفه لأن الوحيد الذي يستطيع أن يبوح به قد رحل. ولكن غالبية الأسباب التي لامستها هي وجودية، طبعا هناك أسباب عاطفية أيضا، لان الشاعر كما تعلم كائن هش، ومتوتر، ويتفاعل مع العالم بشكل شديد الحساسية، فمن الطبيعي أن تكون درجة تأثره أكثر من الإنسان العادي، وكل ما يمكن أن يحزن الإنسان العادي بدرجة عشرة في المئة يمكن أن يحزنه ويؤلمه هو بدرجة ألف بالمئة، وليس هذا محض كليشيه… سبب انتحار الشعراء الرجال، هل يعود في الغالب للنساء؟ هناك قصص حب وراء بعض الانتحارات، ولكن ما لفتني هو أنه في عداد الشعراء المنتحرين المئة والخمسين، هناك 122 رجلا و28 امرأة فقط. قرأت أكثر من سبعين مرجعا في إطار عملي علي هذا الكتاب، ويؤكد بعضها أن المرأة “تحاول” الانتحار أكثر، لكن الرجل ينتحر فعليا أكثر، يعني هي تمارس الانتحار كمحاولة لدق جرس إنذار ما، لكنها قد لا تذهب للآخر، بينما الرجل يقفز الي الهاوية عندما يقرر الانتحار. من هم الشعراء الذين تحبينهم أكثر، وتشعرين أنك مدينة لهم؟ إنهم كثر، ويزدادون عددا كل يوم، ولكن سأحاول أن اسمّي بعضهم. أبدأ بالفرنسيين: رينه شار وبول ايلوار وجان بيار دوبري وهنري ميشو وإن بدرجة اقل… أحب من الايطاليين بازوليني وسباربارو… وتشيزاري بافيزي؟ نعم، بافيزي طبعا، وعلي فكرة، الجملة التي وضعتها كعنوان للانطولوجيا مستلة من إحدي قصائده. من الإسبان أعشق لوركا في شكل خاص، ومن البرتغاليين بيسوا بالتأكيد، ومن أميركا اللاتينية أحب شعراء كثر، أعتقد أن النسبة الأكبر هي من شعراء أمريكا اللاتينية: ألفونسينا ستورني، بابلو نيرودا، اوكتافيو باث، غونزالو روخاس… الخ. ومن الشعراء العرب؟ بالنسبة للشعراء العرب، أعتقد أن مجموعة مجلة “شعر” هم الأكثر قرباً إلي، بتفاوت فيما بينهم، وأيضا الشاعرة السوريالية جويس منصور، وهي شاعرة مصرية كانت تكتب بالفرنسية، والشاعر اللبناني الفرنكوفوني الراحل فؤاد أبي زيد. أنت تتقنين أكثر من لغة: كيف جاءك هذا الشغف باللغات؟ أعتقد أنه شغف “جيني”. طبعا في لبنان كما ذكرت سابقا نحن نتعلم الفرنسية والعربية والانجليزية في معظم المدارس، وجدتي لوالدتي هي أرمنية فتعلمت هذه اللغة في سن السادسة أو السابعة، فنشأت بأربع لغات، ثم في السادسة عشرة تعلمت الإيطالية وبدأت أعلّم الإيطالية في معهد للغات في سن الثامنة عشرة. بعد الإيطالية درست الألمانية لسنة ونصف فقط، ثم عدت اليها لاحقا. وعام 2001 انطلقت في تعلم الاسبانية التي أتقنتها الي حد كبير، حتي أني كتبت كتابا بها. هناك أيضا البرتغالية، لكني لا أتقنها تماما: تستطيع أن تقول بأنني بالنسبة للألمانية والبرتغالية أقرأهما وأفهمهما ولكن في ساعة الترجمة أفضل أن أرتكز إلي نصوص ثنائية اللغة… ستزورين الجزائر قريبا ماذا سيعني لك ذلك؟ لا تتصور كم أتشوق لهذه الزيارة، وليس كلامي هذا نوعا من المجاملة المجانية. يصلني عدد كبير من الايميلات والرسائل من الجزائر، واشعر بأن هناك شغف واهتمام كبير بالأدب والثقافة لدي الناس، وان هناك طيبة ونقاء روحي، وهذا أمر يهمني كثيرا في التعاطي الإنساني. ولهذا أتشوق للقاء أسماء كثيرة تكاتبني، وأيضا للتعرف علي هذا البلد الرائع، وللجلوس مع القراء الذين أتاحت لي “منشورات الاختلاف” إطلالة جميلة عليهم من خلال نشرها مختاراتي الشعرية “النمرة المخبوءة عند مسقط الكتفين”. التقاها: بشير مفتي