الكتابة للناجين رفاهية مسلوبة

تتعدّد البدايات الأولى مع الكتابة، كأيّ فعلٍ مرتبكٍ يفتقد الثقة والتجربة، كخطوات الإنسان الأولى في عثراته.. وقد لا تكون دائما ملهمة أو ممهدة، بل تبدأ أحيانا من لحظة اصطدام، كأول جدالٍ حادٍّ مع والديك. ولأنها عادةً جدالات غير مكتملة، تُغريك الصفحة البيضاء كامتدادٍ مُمَكَّن للغضب، وكأنك تمدّ جسرك الأخير نحو الفهم. تلك اللحظة لا تشبه اعترافا، بل انفجارا مكتوما، مساحة لا يقاطعك فيها أحد لتُكمل الجملة المبتورة في وجه العالم.
يفعل الزمن أفاعيله المعتادة؛ تكبر مراهقا دون هاتف، دون كاميرا توثّق، أو جهاز لوحي تحتفظ فيه بما يدور في العالم، فتأسر الأغاني الخاطفة على التلفزيون، قلبك، وتدوّنها سريعا بخطٍّ سيئ، وتحاول ترميم ما لم تفهمه منها، راكضا خلف اللحن. وهناك فقط، تبدأ في تعلُّم التدوين، كوسيلة للتماسك، لا باعتبارها مهارة يُشاد بها، بل للتشبث بشيءٍ يشبهك، شيءٍ تُمسكه حين يتفلّت كل شيءٍ آخر من يدك. إنها لحظة الاكتشاف الأول، حين لا تكون الكتابة هدفا، بل ردّ فعلٍ بريء على فيض من المشاعر لا تملك وسيلة أخرى لاحتوائه.
مع مرور الوقت، تتّسع المساحة التي تحتلّها الكتابة، تكبر مشاكلك وتتعقّد، فتغدو أثقل من أن تُروى، ويُصبح الدفتر حضنا خفياً يحترم الخصوصية. إنه المكان الوحيد الذي لا تخجل فيه من الفوضى، ولا تضطر فيه إلى التمثيل، تصب فيه الحقيقة كما هي: نيّئة، مُشوّشة، جارحة؛ لأن لا أحد آخر يستطيع أن يتحمّل ذلك القدر من التكرار، أو التناقض، أو الحدّة، كما تفعل الورقة بصبرها المستحيل. أن تختبر الحبّ لأول مرة، وتملأ الخزائن برسائل لا تصل، وتتعلم يومها أن بعض المشاعر لم تُخلق إلا للورق. وهذا ما يؤجّج فكرة الخسارة التي ستحترمها لاحقا، وأنت تنمو محمّلا بعللٍ وأوجاع، تخوض معها معارك خفيّة، ووحدها الكتابة تحقق رغبتك الكامنة في إبقاء الأمور تحت السيطرة. كل ما حدث يمثّل مراحل تخلق سلوكا خاصا مع الكتابة؛ فتصنع الكتابة نسخة أخرى منك، تظهر مع القلم، لتصبح الكتابة حِملا ثقيلا بمهامّ مضاعفة، من قبيل تعريف العالم بالإنسان الجديد الذي صرته، ما يعني العودة إلى الدوامة القديمة، إلى مزيد من الأسئلة، والمواجهات، والانطباعات. مع الوقت، تجد أنك لم تعد تكتب ما تشعر به، بل لتشرح، لتفسّر لمن حولك من تكون، ولماذا تغيّرت، ولماذا لم يعد يمكن فهمك باللغة القديمة نفسها. وتدريجيا، تتحوّل الكتابة من ملجأ، إلى مهمّة مثقلة بتوقّعات الخارج، وبما تراكم معها من تأويلاتٍ وأحكام.
الكتابة عملٌ جريء، لكنها ليست دوما حرّة، ولا دائما صادقة. أحيانا تكتب لأنك تخاف أن تُنسى، لا لأنك تريد أن تُفهَم. وأحيانا تمسك القلم وأنت لا تملك إلا نصف فكرة ونصف يقين، فتتناثر الكلمات كما ينفرط الخرز من المسابح الممزقة. ثم، يبدأ التردّد: هل لما ستقوله قيمة؟
هل الكلمات تستحق أن تُقرأ؟ أم ستبدو تافهة حين تُكتَب؟ إنه فخٌّ مرحليّ لكل كاتب، أن يظنّ أن الصمت أذكى، وأن الكتمان أكثر أناقة. لكن الحقيقة أن التردّد جزء أصيل من تجربة الكتابة؛ ذلك أن الكتابة عملية مربكة بطبيعتها، تتطلّب منك أن تكون شجاعا بما يكفي لتعترف، وضعيفا بما يكفي لتنكشف، أن تكتب وأنت لا تملك أيّ ضمان: لا ضمان أن تُشفى، ولا ضمان أن تُفهَم، أو تُحَب، أو تترك أثرا. ومع ذلك، تكتب.
لأنك تعرف، في أعماقك، أن الكلمات، وإن لم تغيّر العالم، قد تُغيّرك أنت؛ تجعلك أقل خوفا، أكثر فهما لنفسك، وأشدّ قربا من العالم الذي لفظك خارج حدوده. تأخذ الكتابة، في شكلها الأدبي، منحى آخر. هنا، أنت لا تكتب في فراغ؛ بل في حضورٍ خفيّ للآخرين، حتى إن غابوا. هناك دائما قارئٌ مفترض، يمشي على حافة ما تريد أن تقوله، وما ينبغي أن يُقال.
وهكذا، تبدأ في مراجعة نفسك أكثر، وتُصبح الكتابة تمرينا على الانضباط، أكثر منها تمرينا على التعبير. ولعلّ ما يميّز هذه المرحلة، أنها تمنحك خلاصا مؤقّتا من الأرشيف، وتصير نقيّا من التواريخ. تُعرَف فقط بعد أول عملية نشر، مشغولا بما تحاول أن تكونه، لا بما اضطُررت أن تكونه يوما. فالكتابة، في حالة الناجين، ليست ترفا، إنها وسيلة للبقاء. وما يزيد الأمر صعوبة، أن من لم ينجح في تعريف نفسه على الأرض، سيجد نفسه مضطرا لإعادة خلقها على الورق. وهي مواجهة لا تقلّ خطورة عن الأولى، خصوصا حين لا تكون قد أتيت إلى الكتابة طازجا، بل من ركام الهزيمة.

كاتبة وفنانة تشكيلية من عُمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية