الكتابة مرّة واحدة والقراءة مرّات

حجم الخط
0

عندما ندخل بيت كاتب، أو بيت قارئ أو أي شخص متعلّم، تُصادفنا مكتبة، أو كتباً مُخزّنة في صناديق، أو مصفوفة أسفل أسرةٍ، أو على طاولات، نلمح عناوين نعرفها أو أخرى نجهلها، قد نعثر على كتب مفتوحة، أو أخرى رثّة، نظراً لقدمها أو كثرة استعمالها، أو كتباً لم تطلها يد، وبما أننا تعوّدنا على ذلك المشهد، فمن النّادر أن نطرح السّؤال: لماذا يؤثّث بعض النّاس بيوتهم بمكتبات؟ ما فائدة المكتبات المنزلية؟ الأصل في الكتاب، مهما كان، أن يُقرأ، ثم يُطوى، فلماذا نمدّد في عمره ونحتفظ به بعد الاطلاع عليه؟ قد يُقول أحد ما أن الكاتب أو القارئ يتسلّى بالكتب، وبإعادة ترتيبها، في أوقات الفراغ، أو أنه يُراكمها من أجل الدّيكور والتّباهي، أو أنه يوسّع من مساحة الكتب، في المكان الذي يعيش فيه، كي يُحافظ على ذاكرته ويقوّيها، فالكتب لا تختلف عن ألبومات الصّور العائلية، كلّ كتاب تُرافقه ذكرى، كلّ صفحة قد تُحيلنا على وجه ما، أو أنه يفعل ذلك كي لا يشعر بملل، ويجد موضوعاً يُثرّثر فيه مع زوّاره وجيرانه، أو أنه يؤّثث مكتبة كخيار شخصي في دفاعه عن الكتاب الورقي ضدّ آلة الرقّمنة والقرصنة وتسفيه الكتب، أو أنه يُحافظ عليها كي يورّثها لأبنائه، أو ربما يفعل ذلك، تحسباً لوقت الضيق، فقد يأتي يوم، لا يجد فيه خبزاً ولا لقمة، فيبيع ما يملك لتاجر متجوّل، أو يقوم بهوايته تلك، في جمع الكتب والحفاظ عليها، لعله يهبها، في وقت لاحق، إلى مكتبة عامّة، وينتفع منه أناس آخرون. هي كلّها فرضيّات مُمكنة، عن تلك العادة، التي تتملّك الكثيرين، لكن النّاقدة الفرنسية لور مورا لديها إجابة أخرى، تختلف عما سبق ذكره، تظنّ أن الكُتّاب يحتفظون بالكتب ليس بغرض القراءة، وإنما لإعادة قراءتها، بالنّسبة لها، عملية إعادة القراءة أهمّ من القراءة نفسها.

الكتب لا تختلف عن ألبومات الصّور العائلية، كلّ كتاب تُرافقه ذكرى، كلّ صفحة قد تُحيلنا على وجه ما، أو أنه يفعل ذلك كي لا يشعر بملل، ويجد موضوعاً يُثرّثر فيه مع زوّاره وجيرانه.

تفترض لور مورا أن القراءة الأولى لكتاب ما تُحيلنا إلى المعرفة، لا أكثر، ولن نبلغ اللذّة سوى بإعادة القراءة، لهذا فهي تُدافع عن الحقّ في إعادة القراءة، لا مجرد القراءة وحدها، وتنطلق في فرضيتها تلك من أنّ احتفاظ أشخاص بكتب، في بيوتهم، سببه عدم فهم تلك الكتب، للمرّة الأولى، فكثير من الأعمال نعتقد أننا قرأناها، ولكن في الواقع لم نبتلعها، كما يجب، وتُرافقها في هذا الطّرح الرّوائية كريستين آنغو، التي تتخذّ من «عوليس» لجيمس جويس مثالاً لها، هي واحدة من الرّوايات التي لن نفهم قليلاً منها، سوى بعد إعادة قراءاتها مرّات، وليس من المؤكّد أن نفهمها كاملة. هنا يطفو سؤال آخر مُكمّل: كم عدد الكتب الكلاسيكية، التي يدّعي البعض أنهم قرأوها، وهم لم يستوعبوها؟ ولا سيما في الشّعر. ثمّ، لا بدّ أن الكثيرين ـ مثلاً ـ قرأوا سان جان بيرس، فهل القراءة الأولى كفيلة بفهم عوالمه؟ لا أظنّ. والأمر ينطبق على أعمال أخرى. إننا، في الغالب، ندّعي قراءة كتب، نوهم أنفسنا أننا وصلنا إلى فهمها، نضعها جانباً، وسرعان ما تُرادونا رغبة في إعادة فتحها، للتّلصّص عليها، لأننا لم نتشبع بما جاء فيها. إذا وافقنا نظرية مورا، التي عبّرت عنها في كتابها «إعادة القراءة، بحث في شغف أدبي»، فالمكتبات المنزلية هي فرصتنا لاستعادة ما ضاع منا، هي مكان نُعيد فيه ترميم سوء فهم، وتدارك رعونة القراءة الأولى. هذا الأمر يُشبه الاستماع للموسيقى. يحصل أحياناً أن نستمع لمقطوعة أو لأغنية ما، مرّات ومرّات، بدون أن نتساءل عن السّبب، الذي هو في الحقيقة عدم استيعابنا للاستماع الأول، أو شعور بنقص ما، ولكن في حالة الكتاب، نصرّ ـ أحياناً ـ على قراءة واحدة، كما لو أنها وحدها كفيلة، بفهم كلّ ما جاء فيه، وهذا بغض النّظر عن حجم الكتاب. تقول لور مورا إن إعادة قراءة كتاب هي فعل مُقاومة، هي شرط لغلق قاموس فتحناه في القراءة الأولى، هي إعادة اكتشاف، إعادة ترحال، باختصار إعادة القراءة هي مهنة مُستقلة، أو شغف، مثله مثل القراءة، كما نعرفها.

الانتقال للكتاب الإلكتروني مكلّف مادياً، فمثلاً سعر القارئ الإلكتروني «كيندل»، يُساوي سعر عشرة كتب مجتمعة.

دائماً ما كانت المكتبة جزئية محدّدة في تاريخ البشر، فهل الحفاظ عليها أو تأثيث البيوت بمكتبات، هو تماه مع هذا التّاريخ؟ هل هي رغبة فردية في الخلود، مثلما خلّدت المكتبات العامّة شعوباً؟ لكن المكتبة المنزلية ليست ـ في كلّ وقت ـ مكاناً للافتخار، لها أيضاً سقطاتها، ومحنها، ولاسيما في مساحة المكان، الذي تحتجزه لها، في صعوبة ترتيبها أحياناً، مع ما يتبعها من تكوّم لحشرات مرّات، وروائح، في هشاشتها، وإمكانية فقدها لمُجرد عوامل طبيعية بسيطة، إنها تتطلّب جهداً، يبدو هيناً بالعين مجرّدة، لكنه ليس كذلك، في الواقع. لكن المكتبة المنزلية هي أرض الكاتب، التي لا يخطأ فيها، هي معركته، التي يربحها، بدون مشقّة، هي أرضه المحرّرة، التي لا يُنافسه فيها أحد، هي المكان الأكثر رأفة، في ظلّ زحمة الأحداث والأخبار المتطايرة، كلّ يوم، هي المكان الذي لنا فيه أكثر من خيار، لنا فيه حقّ ممارسة الدّيمقراطية، هي أرض نتحرّر فيها من قبضة الإنترنت، ومن غوغل، الذي تحوّل من محرّك بحث إلى شركة تنهب الوقت والجيب، وتختزل المتعة في سلع مكرّرة، ولكن هل سيكون هناك مستقبل للمكتبات المنزلية؟ صار من السّهل إيجاد الكتب، وأحياناً كتب صدرت لتوّها على الإنترنت، فلماذا نشتريها ونراكمها في البيت؟ هي فرضية مُمكنة، لا ندّعي العكس، لكن استمرار المكتبات المنزلية سيوفّر أيضاً استمراراً للمكتبيين، ولبائعي الكتب، على الأرصفة، وهو أمر يُلغيه الكتاب الإلكتروني، الذي سيُلغي أيضاً جزئية آخر، في لقاء المؤلّف مع القارئ، حينها لن يكون بينهما سبب ليتقابلا. ثم إن عكس ما يعتقد البعض، فالانتقال للكتاب الإلكتروني مكلّف مادياً، فمثلاً سعر القارئ الإلكتروني «كيندل»، يُساوي سعر عشرة كتب مجتمعة، على الأقلّ. كما إن الفرق بين سعر الكتاب ورقياً أو رقمياً ليس كبيراً، هو فرق بسيط، وجمع الكتب الرّقمية، مهما بلغ عددها، لن ينتهي سوى بمحوها، بكبسة زر، على عكس الكتب الورقية، وما توفّره لنا من مكتبات منزلية، لها من الفضائل، كما أوردناها، في البداية، وأكثر.

٭ كاتب من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية