إضاءة في سياق:
أثناء جلسة تداولية مع بعض مثقفي المدينة، في مقهى داي (الاسم القديم لمدينة بني ملال)، بادرني بالقول أحد الأصدقاء (سي محمد. ب)؛ أحد قدماء مناضلي اليسار المغربي الذين لاذوا بالصمت واحتموا بالظل لحاجة في سنوات الجمر والرصاص. بادرني قائلا: «الحب والكتابة والإبداع مهمّات لا تقوم على فعل إرادي محض، وإلا كانت ولادتهم ولادة قيصرية».
وفق هذا السياق، ما مفهوم الكتابة؟ وما أفقها التعبيري عن قضايا المجتمع؟ وما مفهوم المثقف؟ وبأي معنى يأخذ هذه الصفة؟ وما هي العلاقة بين الكتابة ومهمة المثقف الكادح، على حد تعبير «نيتشه» في ما سماه بـ«الفيلسوف الكادح»، وماذا ينتظر منه المجتمع خاصة والإنسانية عامة؟ وما المؤسسة المنوط بها رعاية المثقف والثقافة؟
(1)
بدءا، ينبغي التحوط من المعنى الشائع للكتابة، باعتبارها «مفهوما (ما) يتوسط بين اللغة والأسلوب كاختيار ذاتي. و(الكتابة) من هنا أوصاف لغوية، يفرضها العصر والجماعة الاجتماعية والأيديولوجية، كدلالة على انتماء العمل، إلى لحظة تاريخية خاصة» .
لذلك، فالكتابة في صورتها التاريخية الأولى، لم تخرج عن الكلام، على الرغم من أن الفلاسفة فندوا هذا التمييز، وأهمهم جاك دريدا الذي ذهب مذهب المساواة بين (الكلام والكتابة)، إلى درجة أنه اعتبر الكلام نوعا من أنواع الكتابة، لما يتضمنه من خصائص تتمثل في قابلية العلامة للتكرار، وغياب منتجها وفق سياق معين، ومخاطب بعينه، علاوة على قابليتها للخروج عن سياقها الفعلي، وللإبعاد ما دامت لا تعبر عن شيء حاضر فيها بالذات .
لايسع الثقافة إلا أن تنجلي من خلال الكتابة/ الأثر؛ التي لا بد أن يعكسها المثقف؛ باعتباره الحلْقة القادرة على هذا الفعل.
هنا، يتولد مفهوم «الكتابة الأصلية» المتضمنة لكل من الكلام والكتابة معا. لذا، تعد الكتابة أثرا، تقوم على مفهوم الاختلاف المنافي للحقيقة أو الأوهام الميتافيزيقية، مادامت تنبثق من الصمت وليس الكلام، في محاولة استنطاق «المسكوت عنه» بممارسة العنف على اللغة الرسمية التي تسعى نحو تكريس الحقيقة بما هي ليست كذلك، وتجاوز (التمركز المنطقي) نحو عملية نتاج جديدة ذات خطاب تُولَدُ الذات الإنسانية من خلالها ولادة جديدة، وليست قيصرية ذات أهداف تنجلي بانجلاء تحققها.
وإذا كانت الكتابة، وفق هذا السياق، موقفا يعبر عن مدى الانتماء إلى الجماعة، أو احتجاجا عليها، انطلاقا من أنها تشكل سلطة، فهي منقطعة عنها بشكل من الأشكال، «ذلك أن الكتابة لا تتم تحت إلحاح الضرورة الاجتماعية أو السياسية المباشرة. وبهذا المعنى فالكاتب منتم ومنقطع في الوقت ذاته. الانتماء حاصل من جهة دخول الرجل في مفهوم الكتابة بالمعنى اللاواعي، والانقطاع حاصل من جهة الموقف الذي تتبناه الكتابة»
إن الكتابة بهذ المعنى، ذات حَمُولة ثقافية، تتجاوز عناصر بناء الرسالة/ الخطاب، لتلتحم بسياق التاريخ الإنساني، وهذا ما يضطلع به المثقف، الذي يعمل من خلال فعل الكتابة على نحت طريقة في التفكير تقوم على نظرة خاصة للحياة والعالم والكون، في محاولة تحقيق إضافة نوعية إلى صنيع صرح الثقافة الإنسانية.
(2)
لا يسع الثقافة إلا أن تنجلي من خلال الكتابة/ الأثر؛ التي لا بد أن يعكسها المثقف؛ باعتباره الحلْقة القادرة على هذا الفعل، باعتماد منهج عقلاني/ منطقي، متضمن لثقافة قادرة على تجاوز العوائق التي تحول دون تحقيق التقدم؛ سواء في صورته المجتمعية أو صورته الإنسانية. مادام المثقف الذي يفكر في موضوع الأفكار والنظريات، لا بد أن تكون له مرجعية ثقافية. أما إذا كان مشغولا بمعطيات الواقع، فلا بد له من مرجعية معرفية معينة. وهنا، تبرز العلاقة الوطيدة بين الثقافة والمثقف، ولعل الرابط بين الاثنين هو رابط (الفكر أو التفكير)، الذي يعد عملية تنطلق من المعلوم نحو المجهول، أي الانطلاق من مبادئ ومقدمات موضوعية للتوصل إلى نتائج ذات صبغة علمية. فالمثقف يتحرك وفق إطار مرجعي يهدف من خلاله إلى تحقيق وعي هادف وفق شروط موضوعية، من طبيعتها أن تستوعب شرط الذات المنتجة.
وفق هذا السياق، نستدعي الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر، الذي يحلل الفكر أو بالأحرى عملية التفكير، حيث «يرى أن التفكير دليل على نقص التفكير، وأن ما يدفعنا إلى التفكير هو أننا لا نزال لا نفكر واللغة أساسية للتفكير. فعندما يتكلم الإنسان فإنه يفكر وليس العكس، والتفكير بهذا المعنى نداء، وما ينادينا أن نفكر فيه إنما يعطينا غذاء للفكر. والتساؤل يعطينا التفكير والتفكّر ويمنحنا ثقة في التفكير باعتباره مصيرنا الجوهري». من خلال هذا، فعلاقة الكتابة بالمثقف الكادح، علاقة وطيدة ذات ارتباط ببناء مشاريع فكرية ترمي إلى إعادة بناء وعي إنساني عبر التاريخ، مادام فعلا غير إرادي، وبذلك، فهو بالضرورة صاحب مشاريع يمكن أن تستغرق عمرا بالكامل، وقد لا تنتهي. وهذا هو السؤال المطروح، حول هذه العلاقة في مجتمعنا المغربي، الذي مرت به نخبة من المثقفين، هل فعلا وصلت إلى هذا المستوى من الطموح الفكري أمثال عابد الجابري، أو عبد الله العروي، أو محمد مفتاح، أو عبد الفتاح كيليطو وغيرهم.
لا غرو، أن هؤلاء وغيرهم قليل، قد برزوا في سياق سوسيوثقافي وتاريخي معين، أهلهم إلى تبوؤ هذه المكانة من الكتابة ذات الطبيعة الثقافية المنفتحة على الإنساني والكوني. لكن الشروط الموضوعية والذاتية الآن قد تغيرت، وما تغير فيها يتمثل في أهم معالم منظومة التربوية والتكوين، وهي الجامعة المغربية باعتبارها مصب نظام تعليمي بأسلاكه المختلفة وتخصصاته المتنوعة. وهذا هو الإشكال المطروح في نطاق العلاقة بين المشروع المجتمعي والمثقف الكادح.
تعد الجامعة ضمن منظومة التربية والتكوين، أهم الحلْقات التي أسهمت وتسهم في نتاج أمثال هؤلاء المثقفين الذي ينهضون بفعل التغيير والتطوير.
(3)
تعد الجامعة ضمن منظومة التربية والتكوين، أهم الحلْقات التي أسهمت وتسهم في نتاج أمثال هؤلاء المثقفين الذي ينهضون بفعل التغيير والتطوير. لكن في ظل ما يعرفه نظامنا التعليمي من تدهور وانحطاط أصبح الحديث عن الشجرة التي تخفي الغابة القائمة على معادلة «العلاقة بين الشيخ والمريد»،بعيدا عن الثقافة والعلم وما يتطلبانه من استقلالية قادرة على بناء مشروع مجتمعي وطني. إن الأمر هنا، لا يرتبط بمأزق بيداغوجي محض، بقدر ما يرتبط بمأزق علمي، لكنه لا يخرج عن المجال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. وبالتخلي عن هذا الطموح، أصبح هذا المنجز لا يعدو أن يكون عملا وظيفيا، ذا مساع مادية بطريقة أو بأخرى في ظل شبكة أخطبوطية تراهن على الربح والتسلط، بعيدا عن مفهوم «دمقرطة التعلم» الذي يرمي إلى تحقيق «تعليم الحياة» في مختلف مجالاتها.
إن الجامعة المغربية اليوم، أصبحت تعاني مما يصطلح عليه بـ«الهدر الجامعي» الذي لا يعدو أن يكون امتدادا لمفهوم «الهدر المدرسي»؛ في ظل تكوين ما سماه مصطفى حجازي بالإنسان المهدور، حيث يقول وفق هذا السياق: «أما على صعيد ملف التعليم العالي الذي أصبح معروفا، ومشكلاته أصبحت مكشوفة، وأي حديث فيها سيكون مكرورا، فإن أخطر قضاياه تبقى تردي النوعية على مستوى حداثة المعرفة ومتانة إعداد العقل المعرفي… (لقد أصبح) الهدر الفكري والمعرفي يشكل حالة عامة في بلاد الهدر وأنظمته. تكفي الإشارة إلى أن العالم العربي يقع دون خط الفقر المعرفي ليس فقط في البحث العلمي والنشر والتوزيع، بل كذلك في الصحافة، ومدى انتشار الحاسوب، واستخدام الإنترنت. وهي راهنا من المؤشرات الأساسية لقيام مجتمع المعرفة». وإذا كان المغرب منذ 1975، قد عمل على تحقيق المبادئ الأربعة في إصلاح منظومة التربية والتكوين، فإن جل الإصلاحات التي توالت، سواء من خلال «الميثاق الوطني للتربية والتكوين» أو «المخطط الاستعجالي»، لم تحقق المبتغى من هذه المعلمة التي تعد تعد منار إشعاع ثقافي وعلمي مجتمعيين، بل الخطأ نفسه يتكرر، لكن بصيغة أخرى، حين «اضطرت الدولة في بداية الاستقلال، في ظل النقصان الكبير للأطر والموارد البشرية، إلى الاستعانة بالطلبة الآتين من المسيد، كمعلمين في الابتدائي وليس لهم أدنى إلمام بالمناهج التربوية الحديثة».
إنه الوضع نفسه الذي انتقده الملك محمد السادس بصخب في خطاب 20 أغسطس/آب 2013، حين قال في نص خطابه: «إن التعليم أصبح أكثر سوءا مقارنة بما كان عليه قبل عشرين سنة». وهكذا، فقد شكل الخطاب الملكي، فرصة سانحة لإعادة النظر في المنظومة من خلال «الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم (2015- 2030)»، وبمرور أربع سنوات، ما زالت دار لقمان على حالها، إلا في ما ندر.
بذلك، فالجامعة المغربية اليوم ما زالت تعاني جملة من الاختلالات والأعطاب؛ جسدت صور الهدر بنوعيه. فالصورة الأولى تتجلى في تزايد أعداد الخريجين الذين يعانون البطالة، والصورة الثانية تتمثل في النقص المهول للخريجين في مجالات وميادين أخرى نحن في حاجة إليها. وخير دليل على هذا المأزق، ترتيب الجامعات العربية على الصعيد العالمي، حيث يبدو أن الجامعة المغربية في حاجة إلى المزيد من الوقت قبل أن تتمكن من الالتحاق بمستويات المؤسسات التعليمية الجامعية في العالم.
وعلى الرغم من المجهودات التي بذلت لتجاوز الهدر المدرسي والجامعي، الدال على دمقرطة التعليم، والمضي به نحو عقلانية التعلم، يبقى رهين الضغوطات الخارجية من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مقابل الحصول على امتيازات استراتيجية وقروض يمكن للمغرب أن يحقق بها مكانة مرموقة في مصاف المجتمع الدولي.
لهذا، فإن هذا الهدر الجامعي، يعزى في مجمله إلى «النسق الجامعي» الذي ما زال ينبني على التلقين والتكوين الأكاديمي غير اللائقين على مستوى مستجدات العصر وتطورات العلوم المعارف، علاوة على سلسلة الإضرابات المتكررة، وعدم الانضباط لقونين الدراسة الجامعية، ثم الاِكتظاظ الذي أصبح يؤثر سلبا على مردودية التحصيل الجامعي والتصحيح الذي أصبح الطالب يتحمل مسؤوليته، مادام الأستاذ الجامعي غير مطعون فيه، وخارج آليات المراقبة والفحص البيداغوجي والعلمي. وكل هذا نجمله في: «غياب آليات التواصل والتأطير والمراقبة والحكامة الجيدة».
• تنوير في سياق:
«في سَلَّةِ القُمَامَةِ/ نَضَعُ أسْنَانا غيْر صَالِحةٍ للمَضْغ/ نَضَعُ أَوْرَاقا تَصِفُ تَارِيخَنَا بالمُنْصِفِ جِدّا/ نَضَعُ قُرُونا منَ العُتْمَة/ نَضَعُ حُرُوبا وجِنِرَالاَتٍ/ نَضَعُ كِلاَبا تَنْبَحُ دَاخِلَ النّصِ/ نَضَعُ خَرَائِطَ مُلَوّنة بِبُقَعٍ حَمْرَاءَ/ مَدافِعَ/ رَشّاشَاتٍ/خُطَبا كَثِيرَة فَائِضَة عنِ الحَاجَةِ……»
٭ كاتب من المغرب