الكتابة والوحش

حجم الخط
0

1- ثمة في البدء وحش لا شيء فيه جميل، لا علاقة له بوحش الجميلة الروحي، يجمله إرث الروح والحب والمعرفة، يرققه ما عبر روحه المجروحة من نصوص الأدب والفكر والفلسفة، يأتي الحب تأتي الجميلة ليرققا ويجملا أكثر وحشيته الرقيقة هو الإنسان بصفات الأسود العاهلة، متسامٍ على جرائم السطح يقاومها ما شاء له النداء ليعود إلى نداء عوالمه السفلية.
ليس هذا الوحش الجميل الذي أعنيه، ثمة وحش بألف ذراع سرطانية الاكتساح؛ ثمة وحش القبحٌ، وحش الرداءة، وحش بألف ذراع يعيث فسادا، يعمق سلطان الخراب .. قبل وقت يشبه هذا الوقت كنا نحارب سُلَطًا متجهمة فاسدة تتسلطن بوجوه قبيحة عارية، لا تحتاج إلى أقنعة أو حتى إن بدلتها فهي مكشوفة، واليوم ثمة وحش رهيب يكبر قلب تربة الفكر والإبداع، وحش متوحش ضار بألف وجه لأنه يحتمي بالمعرفة الخبيثة التي لها قدرة اللعب والمناورة، وتغيير الشعار حسب المقام أو الموقف أو الجهة وحسب المصلحة، وحش خبيث يحتمي بالإبداع، يراوغ، يسوِّفُ، يغالط، يبيع، ينبطح، يهاجم، يفتك، يفترسُ، يخرب، يهدم، يتكاثر، يتخابث يخضع، يتشفى، ذلك الوحش بألف وجه، بألف صفة، بألف جريمة، وحش الفكر الفاسد حين تحركه المصالح ولغة الربح وصفقات الرماد وتكتيل تجميع عصابات الفساد، ذلك الوحش هو ما على الكتابة أن تقاومه وتحاربه الآن..

2-
مرفوعة عصاه حتى لو تجاهلتها: الرقيبُ، أعتى ما يواجه الكتابة وهي تحفر في ليلها نظرة الرقيب المتجهمة تشم بشرة الحروف تقلب في نسبها ومنبعها ومجراها ومآلها. تكتبين ونظرته مسمرة في ظهرك، تخنق قلمك، تجعلك تكتبين تمحين مخافة أن يلصق ما تكتبينه بحياتك، ثمة النظرة الدونية لشخصك ولما تكتبينه، ثمة تنقيص لجنسك منذ ولدت تتبعك نصوص المقدس تذكرك أنك خلقت من ضلع أعوج وأنك الناقصة، كيف تجعلينها الكتابة تمنحك القوة التي ينكرونها عليك تكتبين تتحدين ما يعيقك، تتحدين ما يسعى إلى إضعافك، تحتفين بكلماتك هي قوتك وخيالك الذي تسرجينه لتركضي في أراضي الخلق فتكوني الإلهة سيدة عوالمك. الضغط الذي يعيق خطاك، الضغط الذي يوقفك، الضغط الذي يقصيك، كيف وأنت تواجهين ليل الكتابة تشعلين أضواء أعماقك تتحايلين على ما يتحايل عليك وتشقين لنهر الكتابة الطريق وسط الصخر الصلد، لم تكتبي إلا وأنت تعين العائق، ولم توجد الرغبة في الكتابة إلا لأن هنالك جدرانا مرتفعة تمنعك من التقدم، تكتبين لتتحدي ما يتحداك، لتكوني النفس الذكي الذي يسري محلقا فوق الأسوار فوق القلاع والملتحم بقوى الخيال الخلاقة، كأنك كنت تحيكين ضوءك الشخصي، كأنك منذ الأزل كنت تهبطين لتؤسسي عوالمك الباطنية وقلاعك الداخلية، تحتمين بها وفيها مما يهددك، كانت الكتابة وكانت الرغبة في تدليل الصعاب وتحدي الجلاد، كلما تصاعد جدار فتحت نافذة وتغذى الخيال، تقدم متوسعة غاباته ومعموراته المأهولة بكائناتِ أعماقٍ تحيى وتتحرك حين تستدعيها الكتابة. قد تكونين الغريبة في واقع أصم، في واقع لم يشبهك منذ تعلمت حياكة اختلافك، أنت ولست أنت، أنت المتعددة، المتزايدة، المأهولة، كلما خنقوك تكاثرتِ بأحلامك وتعددت بخيالك، وكنت المأهولة بكِ. نأيت عن سطوح الخراب، نأت عنها كتاباتك تؤسسين فيها ما يفلت من نهاراتهم البئيسة، تشيدين بحرفك طرقا لا مطروقة، كلما طهرتِكِ منهم؛ من ضجيجهم انفتح لك طريق وسط الغابة وفك لك لغزٌ وسرٌّ، شيدته مسكنك قلب الصحراء وجعلت من لغتك أبجدية السناجب تحفرين في ليل العلامة تسيرين مقتفية هذا الذي يأفل تاركا آثاره، ليل لآلهة تأفل وتترك العالم لخرابه، حيث يكون عليك التقاط الضوء اليتيم لما يأفل والترسيخ بالكتابة هذا الذي يعاني النقصان، تتجذرين في هذا المنفى الصعب، تتجذرين في الصحراء وحركة السير حيث تصبحين السائرة دوما نحو… تفتح لك طرق.. تمشين لتعيدي تشكيل نص البلبلة تمشين لتلتحمي بهذا الفراغ الذي يناديك، تمشين لتقبضي على حيوية التفكير، تكتبين لتنقلي حركة الفكر المتحايل على حواجزه، تفكرين أو تكتبين لتعثري على نص الحيوية الذي يربطك بالعالم تكونينَ ليكون فيك نهرا متدفقا يجذب الضوء عوالمه السحيقة، لتخلقي علاماتك، لتبدعي مخلوقاتك، لتكوني المأهولة، الحيوية، أُمَّ الخَلْقِ.

حوارات وقراءات ونقد في العدد الحادي عشر من مجلة ‘بيت الشعر’

أبوظبي ـ ‘القدس العربي’:صدر العدد الحادي عشر من مجلة ‘بيت الشعر’ الصادرة عن نادي تراث الإمارات بأبوظبي، وتضمن حوارات وتحقيقات وقراءات نقدية وعدد من النصوص لشعراء إماراتيين وعرب. وخصص ملفا عن ‘الصحراء’ في الشعر الإماراتي ضم تحقيقا وقراءة في قصائد الشعراء الإماراتيين التي تناولت موضوع الصحراء وتأثرت بمفرداتها. إلى جانب كتابات حول شعرية المكان واستحضار لرموز الشعر الخليجي والعربي والعالمي.
وكتب عبدالله أبو بكر مدير تحرير المجلة افتتاحية العدد بعنوان ‘دولة الشعر’ مشيرا إلى الحراك الثقافي الذي تشهده دولة الإمارات العربية المتحدة واهتمامها بالشعر على وجه الخصوص. حيث قال :’على هذه الأرض، ما يستحق الكتابة، والنظر نحو الأشياء بعين الشعر التي ترى ما خلف الصورة، وتلتقطها بأبعاد مختلفة، قادرة على ان تعكس الجمال ليكون عنوانا كبيرا لسيرة الشعر ومسيرته’. وأضاف ‘نجحت الإمارات بالحفاظ على التراث الشعري، وواكبت إبداعات أبنائها ولم تتوقف يوما عن الاحتفاء بالشعر وأهله، وسعت إلى أن يكون عنوان المشهد الأدبي، إيمانا منها بدوره الحضاري والتاريخي، كل ذلك جعل من الإمارات دولة الشعر’.
واستذكر العدد تجربة الشاعر الشعبي الإماراتي عيد بن مصبح بن عبيّد العميمي في ملف خاص أنجزه الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي رئيس تحرير المجلة. وقد اشتمل على قصائد وعرض لتجربة الشاعر الذي أسهم في إثراء الساحة الشعرية النبطية في الإمارات وكان واحدا من أبرز شعرائها. وفي الترجمة تحدثت الكاتبة والمترجمة عائشة الكعبي في حوار معها عن تجربتها في ترجمة مختارات لشاعرات من مختلف دول العالم.
حوار العدد كان مع مدير أكاديمية الشعر في أبوظبي الباحث والقاص الإماراتي سلطان العميمي الذي كشف عن مشاريع جديدة للأكاديمية أبرزها مشروع أكبر مكتبة للشعر النبطي في الإمارات، وتحدث عن تجربته في الكتابة القصصية والبحث في التراث الشعري .
أما في الشعر العالمي، فضم العدد دراسة وترجمة لمختارات من شعر العامية الصيني، أنجزتها المترجمة يارا المصري، وكتب الشاعر عبدالرحيم الخصار حول مكتبة ‘السيتي لايتس’ بعد مرور ستة عقود على تأسيسها في فرانسيسكو.
وتناول الشاعر د.حكمت النوايسة موضوع الموشحات الأندلسية متحدثا عن نشأتها وظاهرتها. وكتب الشاعر صلاح بوسريف عن ‘جِران العَود’ .. الشاعر المعنّف. وشارك الدكتور محمد عبدالمطلب في قراءة نقدية لقصيدة ‘أحبك حتى البكاء’ للشاعر فاروق شوشة.
وكتب الناقد صبحي حديدي زاويته في هذا العدد بعنوان ‘عودة القارئ من المنفى’، كما اشتمل العدد على عروض لكتب وإصدارات كثيرة لشعراء منهم ‘زينب عامر، وعمر شبانة، ونجوان درويش، وأديب كمال الدين، وإيمان مرسال، ومحمد غبريس’ وغيرهم.
أما باب ‘في الشعر’ فضم مقالات للشاعرة اللبنانية سمر دياب والشاعر العراقي عبدالزهرة زكي والشاعر مهند السبتي. وكتب حول موضوع الشعر والصحافة الشاعر خلدون عبداللطيف بعنوان ‘الشعر بين آفة الصحافة ومشروعية الترويج’. وتناول الشاعر يوسف عبدالعزيز ديوان ‘لدي ما انسى’ للشاعر العماني حسن المطرشي، وتحدث د.خالد الغريبي عن تجربة الشاعر الإماراتي كريم معتوق. وعرضت المجلة في هذا العدد جزءا من بحث للدكتور العماني محسن بن حمود الكندي يتناول فيه المشهد الشعري الخليجي في القرن العشرين .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية