الكتب الناجية

توقع صديق بأن يكون لدينا عدد كثير من الكتب والمؤلفات لأنني أضفتُ إلى ما هو موجود في مكتبة الوالد مزيداً من العناوين، لكنه تفاجأ عندما أبلغته بأنَّ اقتناء الكتب حسب منهجي يتبعُ منطق النوعية وليس الكمية، لذلك قد لا يبلغ ما عندنا ألف عنوانٍ، بما فيه كتب التفسير والدراسات الدينية التي جمعها الوالد على مرِّ السنوات. هذا الحوار الخاطف بشأنِ موضوع الكتب كان قبل أيام من نشوب الحريق في البيت. وعندما يُخبرُ المرءُ بمثل هذا الحادث، حتى لو عنده رباطة الجأش والعزيمة، يشعرُ بأنَّ الأرض قد تهاوت به وينقطعُ عن الحياةِ نفسياً، إذ تختلطُ في ذهنه الصورُ وينهشه الشكُ حول مصيرِ من كان في موقع الحدث، ولا يصدّقُ من يريدُ تهدئته من خلال المكالمات بأنَّ الأهل لم يحل بهم المكروه. والغريب في الأمر هو الامتداد في المسافات المحدودة، فإنَّ الانتقال من مكان إلى آخر يشبه السفر على طريق لا ينتهي، تماماً كما نراه في الأحلام حيثُ يبدوُ الزمنُ مطاطياً يصعبُ عليك معرفة نقطة الارتكاز في إطاره.

والبصيص الوحيد في هذا النفق هو صوت الأم، الذي سمعتهُ إذ أخبرتني بأنّها بخير وهي في الطريق إلى المستشفى، وما تأكدت منه أنَّ كثيراً من الأغراض تلفت، غير أنَّ المشهد الأغرب كان ينتظرني في مسرح الحدث، تفاجأتُ بأن المكان الذي كان آخر عهدي به ليس أكثر من ثلاث ساعات قبل أن أتلقى المكالمة الصادمة. لم يعدْ كما غادرتُه. وقتئذٍ أدركتُ أن الغربة ليست الإقلاع عن موطنك، ولا البعدُ عن مراتع الصبا، بل أنْ تعودَ إلى مكانك وهو قد أصبح منعدمَ الشكل، ولا يمكنك أن تتحركَ في مساحته لأنَّه خسر تركيبته. إذن عليك أن تجوسَ في المكان كأنكَ تبحثُ عن موطئ قدم على أراضٍ غير آمنة.

المعجزة

قد يكون هناك شيء من السيدة مريم في شخصية كل أمٍ، إذ لا تغيبُ المعجزات عن عالم الكائنات الحانية، فعلى الرغم من ألمها وحسرتها على ما وقع، حاولت والدتي أن تواسيني وتخففَ عنا وطأة الصدمة. وهذا يكونُ تحدياً بالنسبة إليك ولا يعقلُ أن يبدوَ إيمانك أقل من إيمانها، إذن لا مناص من الخروج من متاهة الواقع السريالي. ولملمة شظايا الروح الهائمة على الصور المُتناثرة. وبالطبع إنَّ هذا الوضع يلغي البرنامج ويقوض النظام اليومي ويتسرب منه الوقت عبثاً، وهذا ما يزيدُ الشعور بالملل. ولا تجدي المحاولاتُ نفعاً للتصرف كأن شيئاً لم يكن، بعد التأكد بأنَّ ما نعيشهُ حقيقة، وليس كابوساً مؤرقاً يمكنُ أن ينتهي مع الصحوة.

من المعلوم أنَّ للكتب أعداء، إذ دمرت المكتبات وأقيمت الحفلات لحرق المؤلفات وتم تشديد الحصار على المدن التي رأسمالها هو الكتاب، وما تُصدره من العناوين لكن هذه الحواضر الثقافية ما برحت رئتها تتنفسُ الفكر والأبجدية.

حاولتُ معاينة الكتب هل طالتها النيرانُ؟ آخر كتاب قرأتُه قبل ذاك اليوم القاتم هو «كيف تُلقنُ كلبك الفلسفة؟» للباحث البريطاني أنطواني ماكغوان من الكتب التي قد نجت من النار مع أن أطرافها احترقت، «دعونا نتفلسف» للكاتب العراقي علي حسين، «تلة يسكنها الأعداء» فدوى العبود، «حجر السعادة» أزهر جرجيس، «قارئ الرواية» شرف الدين ماجدولين. وهذه العناوين المنتشلة من بركة الماء التي تكونت جراء محاولة الأصدقاء إخماد النار لا تزال صالحةً للقراءة، لكن بعض ما كان مدرجاً ضمن جدول القراءات المقبلة أتلف، منها «الفلسفة اليونانية قبل أرسطو» للباحث العراقي حسام الآلوسي، وبعض العناوين الأخرى داعبتها النارُ، منها «أخوتنا الغرباء» لأمين معلوف، «دروس شهرزاد» لعايدة الجوهري كما ضاع كتاب أنطوني ماكغاوان، ومن المفارقات الغريبة أنَّ هذا الحادث تصادف مع اقتراب معرض أربيل الدولي للكتاب، الذي تقيمهُ مؤسسة المدى، وما أضاف إلى المعرض في دورته الجديدة هو وجود فعاليات نوعية بمشاركة كوكبة من الأدباء والمفكرين العرب منهم، شكري المبخوت، هاشم صالح، علي حسين، طه جزاع، رشيد الخيون. فعلاً إن زيارة المعرض ومتابعة الندوات والفعاليات القيمة، كان عاملاً للعودة إلى الحياة واستئناف النشاطات وإنقاذ ما يمكنُ إنقاذه من الوقت.

ما عشتهُ من الأجواء التي تبعاتها تحاصرنا إلى الآن، يؤكدُ ما ذهب إليه سينيكا «سنكون مخطئين لو جزمنا بأن أي مكان في الأرض سيكون آمنا ومنيعاً» وأخطأ باسكال في قوله، إنَّ السبب الوحيد لتعاسة الإنسان هو قلة معرفته كيف يجلسُ في غرفته هادئاً، ماذا سيكون الموقفُ إذا تحولت الغرفة إلى الخط الأمامي لمواجهة الكارثة، أو هز الزلزال أركانها؟ لا أستعيدُ هذه الأحداث لأعلنَّ بأنَّ الحياةَ موبوءةُ وتستنفدُ كل احتمالات الفرح في ربوعها، بل ما أريد قوله إنه على الرغم من غوايتها الفاتنة وسحرها الفريد فإنَّ الحياة ماكرةُ تراوغك بمفاجآتها الغريبة، وأحيانا تتمثلُ السعادةُ في الخروج بأقل الخسائر والتحلي بالصبر وعدم التعليق على ما حدث، ربما أكثر الأشياء عبثاً هو التفسير عقب وقوع الحدث والاسترسال في الافتراضات التي فرغها الواقعُ من أي قيمةٍ. بالنسبة إليَّ فإنَّ الحظ حالفني لأنَّ الحدث انتهى، دون خسارة روحية فهذا هو الأهم. صحيح إنَّ الأجندة تخلخلت غير أنَّ الطاولة سيتمُ ترتيبها من جديد، وتبدأُ جولاتُ من الاكتشاف والتنقيب عن الفرح في الواقع المُتصدَع. لأنَّ المساحات عامرةُ بالكتب والدور الأساسي للإنسان هو إعادة البناء والجهاد الأكبر هو بناء الذات قبل المكان.

المقهى

من الأماكن التي تم اكتشافها في غضون الأيام التي تلت الحادث هو المقهى «شايخانه» وجدتُ في كنفه حياةً صاخبة تيارها هادر، إذ يتسعُ هذا المكان للجميع يتيحُ مجالاً لمتابعة تفاعل رواده مع ألعاب الدومينو والنرد، وفيما أتاملُ انسياق الناس مع اللعبة، أتفهم أكثر ما يعنيه هذا المجال بالنسبة إلى الإنسان الذي يحتفي بأفراح صغيرة كأنها لحظات خالدة، مع أنني مقلُ جداً في ارتياد المقاهي، لكن ما يسودُ في مناخها يعبرُ عن الحيوية إلى أقصى درجةٍ البساطة والتضامن والمرح عناوين لهذه البيئة. وأنا أشاهدُ كل ذلك أقولُ للسيد سارتر عذراً ليس الآخر جحيماً. وأتاكد أنَّ شوبنهار كان متغطرساً لأنَّه كان يحجز مكانين في المطعم حتى يكونَ أبعد من نظيره الإنسان. هنا لا يعقل تجاهل دور الأصدقاء واستمرارهم في التواصل للاطمئنان على الأهل. بالعودة إلى موضوع الكتب فإنها لا تغادرُ الفضاء أبداً فهي أصبحت معادلاً موضوعياً للحياة، عندما يختفي عددُ من العناوين هذا لا يعني أنَّ مسيرة القراءة تنتهي ولا أن شغفا بعوالمها يتوقف.
من المعلوم أنَّ للكتب أعداء، إذ دمرت المكتبات وأقيمت الحفلات لحرق المؤلفات وتم تشديد الحصار على المدن التي رأسمالها هو الكتاب، وما تُصدره من العناوين لكن هذه الحواضر الثقافية ما برحت رئتها تتنفسُ الفكر والأبجدية. طالما يكونُ الإنسان على قيد الحياة فهو جديرُ بهذه الفرصةِ، ومن الضروري أنْ لا يهربَ من مسؤوليته الوجودية. وبالطبع عندما يتوارى ويصرفُ عنه النورُ لا يحقُ له أن يلومَ غيره لأنَّه قد يُنسى كأنه لم يكنْ وفي ذلك حكمة بليغة.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية