الكشف عن اغتيال الموساد لوديع حداد بالشوكولاتة المُسممة يعزز فرضية تسميم عرفات
التفاصيل نشرت لاول مرة في كتاب حساب مفتوح صدر هذا الاسبوع للصحافي الاسرائيلي أهارون كلاينالكشف عن اغتيال الموساد لوديع حداد بالشوكولاتة المُسممة يعزز فرضية تسميم عرفات مات الدكتور وديع حداد موتا بطيئا، مُعذبا، في مستشفي بائس في المانيا الشرقية. طار الطبيب الفلسطيني ابن الثامنة والاربعين الي المانيا الشرقية من العراق مريضا علي شفا الموت. لقد عاني لسنين زيادة الوزن، وكان الآن ضعيفا ضاويا، مطروحا في سريره، الي أن مات في الثلاثين من آذار (مارس) 1978 اتصل العشرات من مُخلصيه لتفسير لغز موته. مات حداد من مرض عضال غير معروف هاجم جهازه المناعي وجعله ينهار.كان هناك من افترضوا أن الذراع الطويلة للموساد قد وصلت اليه وتسببت بموته. وقد أصبح من الجائز اليوم الكشف عن أنهم كانوا علي حق. فحداد مات بالشوكولاتة المُسممة.كريم قاتلكان حداد ذا خبرة متعدد النشاطات. كان أول من اختطف طائرة لـ ال عال في الثالث والعشرين من تموز (يوليو) 1968. بعد بضعة اسابيع احتُجز فيها مسافرو الطائرة رهائن، أطلقت حكومة اسرائيل، برئاسة ليفي اشكول، أسري فلسطينيين لقاء الرهائن. اختطف أصحابه طائرة لوفتهانزا كانت في طريقها من نيودلهي الي المانيا وجعلوها تهبط في اليمن. دفعت لوفتهانزا ملايين الدولارات لقاء الطائرة وركابها. لقد نسج العلاقات بين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومنظمات ارهابية دولية ودعاها للتدرب في لبنان. كانت احدي نتائج ذلك المجزرة في مطار اللد في عام 1972، التي نفذها الجيش الاحمر الياباني.كان اختطاف طائرة الخطوط الفرنسية، التي كانت متجهة من باريس الي اسرائيل، الي عنتيبة ـ وهي عملية نفذها شبان حداد وانتهت الي تحرير الرهائن بعملية لدورية من هيئة القيادة العامة ـ هو القشة الأخيرة. بعد ذلك استقر رأيهم في الموساد وفي أمان علي القضاء علي حداد. كانت هناك مشكلة واحدة: فقد مكث حداد أكثر الوقت في بغداد ولم يغادرها تقريبا. يُكشف عن خطة الاغتيال، التي أجازها رئيس الحكومة آنذاك، مناحيم بيغن، لاول مرة في كتاب حساب مفتوح للصحافي الاسرائيلي أهارون كلاين، والذي صدر هذا الاسبوع عن يديعوت احرونوت .أحب الدكتور حداد الشوكولاتة جدا، وخاصة الشوكولاتة البلجيكية. انعقد عزمهم في اسرائيل علي استغلال هذه الحقيقة. لقد جلب وكيل فلسطيني، كان أحد نشطاء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لحداد مع عودته من اوروبا شوكولاتة بلجيكية عالية الجودة، وهي مُنتج غالٍ نادر في العراق في تلك الفترة. أدخل خبراء الموساد في الشوكولاتة سُما بيولوجيا قاتلا. وكما اعتقدوا، لم يكن لحداد أية نية لتقاسم الهدية الثمينة مع أحد ما: لقد التهم وحده مربعات الشوكولاتة المليئة بالكريم المسموم.ابتدأ السُم يعمل بعد مضي بضعة اسابيع فقط. عندما ابتدأ الدكتور يفقد من وزنه، بعد اسابيع من التهامه الشوكولاتة، لم يكن أحد يستطيع الربط بين المرض الغامض وبين الشوكولاتة. وعندما ساء مرضه، طار الي المانيا، واكتشف الاطباء فشلا غامضا في جهازه المناعي. بعد موته عرض الاحصاء الجاف هبوطا متراكما لعدد العمليات المُنفذة علي أهداف اسرائيلية في خارج البلاد. الجماعة الاستخبارية التي عرضت الحقائق علي بيغن رأت العملية تجسدا للاحباط الوقائي: القضاء علي قنبلة موقوتة، أو انسان ذي ذهن ابداعي لم يكف عن التخطيط للعملية القادمة.يشهد الكشف عن طريقة الاغتيال، بحسب قول المؤلف كلاين، بأن الموساد عمل في اغتيالات بيولوجية قبل نحو ثلاثين سنة، قبل محاولة اغتيال زعيم حماس خالد مشعل في عمان في ايلول 1997 بسُم غامض لا يترك علامات. هل يجب علي القاريء أن يفهم أن ياسر عرفات قد اغتالته اسرائيل بسُم غامض. لم أحاول التلميح الي ذلك ، يقول كلاين. لم يجر في خاطري قط هذا التفكير عندما كتبت الفصل عن اغتيال حداد. لست أعرف حقا ما هو سبب موت عرفات .صاغ أهارون كلاين فكرة كتابة كتاب عن سياسة اغتيالات اسرائيل في أعقاب مقتل الرياضيين الاسرائيليين في الدورة الاولمبية في ميونيخ، وهو مراسل لشؤون الجيش والاستخبارات في اسرائيل من اجل الصحيفة الاسبوعية الامريكية تايم ، حتي قبل أن يعرف بخطة ستيفن سبيلبرغ لانتاج فيلمه ميونيخ . كان قصدي كتابة الحقيقة عن سياسة اغتيالات اسرائيل ، يوضح. كانت الكتابة في الموضوع دائما مثيرة، ومتغطرسة، ومترفعة، وتدرك كل شيء وتعرف كل شيء. أجريت عشرات المقابلات مع متقاعدي الموساد ومع أناس كانوا مشاركين في عشرات الاغتيالات، منذ السبعينيات الي التسعينيات .قنبلة تحت المقعدسيكون هناك من يري كتاب كلاين لائحة اتهام موجهة الي اسرائيل: يتبين في نظرة الي الوراء، أنه فيما عدا اثنين أو ثلاثة، كان المُغتالون أناسا ضئيلي الشأن في م.ت.ف، لم يُعرضوا اسرائيل للخطر ولم يكونوا مشاركين في العمليات مباشرة. بعد الاغتيالات ساعد الجانب الفلسطيني اسرائيل علي تسويغ اعمالها: لقد عُرّف الأفراد أنهم شهداء، وأُجريت لهم جنازات جماعية، ولم يصدق أحد في العالم أنهم أناس ضئيلو الشأن لم يُعرضوا اسرائيل للخطر قط. لا أُحاكم أفراد الموساد ، يقول كلاين. ففي تصورهم هم لم يقتلوا عبثا. كان ذلك في نظرهم عملا مُقدسا. لم يكونوا يملكون معلومات، والذي يشير الي ذلك أن المغتالين كانوا مفكرين فلسطينيين غير ذوي خطر .كان أول المغتالين وائل زعيتر، فيلسوف فلسطيني في السادسة والثلاثين، ترجم ألف ليلة وليلة من العربية الي الايطالية. عُرض الرجل علي غولدا مئير كقائد ايلول الاسود في ايطاليا. لم يفكر أحد كيف عاش انسان رفيع جدا في منظمة ارهابية عيشا بائسا، حتي لقد فُصل الهاتف بعد عدم قدرته علي دفع الحساب. في تلك الايام كانت المعلومات يومية فقط، أي أنها كانت معلومات حُصل عليها من وكلاء انسانيين ، يقول كلاين. لم تكن هناك تنصتات، ولم تكن وسائل الكترونية. لم يكن لمايك هراري، قائد وحدة قيساريا ، المسؤولة في الموساد عن العمليات الخاصة وعن استعمال مقاتلي الموساد في ارض العدو، بنية تحتية في اوروبا. فرضت غولدا مئير عليه الاغتيالات من يوم الي يوم، ولم تكن له معلومات. عمل الوكلاء الفلسطينيون من اجل المال ولذائذ اخري. عندما أراد مصدر مالا آخر، قال إن زعيتر يخطط لعمليات. سمعوا في الموساد ذلك، ومن غير القدرة علي تبيُّن المعلومات قضوا عليه بالموت. ولم يكن هو الوحيد .يقول كلاين إن حالة واحدة فقط ـ اغتيال عاطف بسيسو في عام 1992 ـ نبعت من اسباب انتقام. بسيسو الذي كان في الثانية والاربعين كان رجل الاتصال بين م.ت.ف في تونس وبين خدمات الاستخبارات الاوروبية الغربية. تتبعه أفراد الموساد، عندما سافر في الشارع السريع من برلين الي باريس. وعندما دخل فندق ميريديان مون فرانس أسرع مُتتبعوه الي ابلاغ القيادة التنفيذية، التي استقرت في شقة سرية في الحي الـ 11 من باريس. أمر رئيس الموساد آنذاك، شبتاي شبيط، بنفسه بالعملية من داخل هذه الشقة.في المساء نفسه خرج بسيسو ليتناول عشاءه في المطعم. عندما عاد تقدم منه شابان. استل أحدهما مسدس بيرتا 0.22 مزودا بكاتم صوت وأطلق بهدوء ثلاث رصاصات الي رأس بسيسو. الرصاصات الفارغة قُذفت في كيس من القماش خاص كان يلازم المسدس، لكي لا تسقط علي الرصيف وتُستعمل أدلة. واصل المغتالان سيرهما سريعا في منحدر الشارع. لقد خطوا نحو سيارة الهرب، وبعد مضي ساعتين كان جميع أفراد الخلية، ورئيس الموساد علي رأسهم، خارج فرنسا. قُتل بسيسو لأنه كان قبل ذلك بعشرين سنة من المخططين لعملية ايلول الاسود في الدورة الاولمبية في ميونيخ. كان الانتقام في زعم كلاين، السبب الوحيد لاغتياله.لكن سائر الاغتيالات نُفذت وهي تهدف الي منع عمليات في المستقبل. الاغتيال الأكثر تسويغا، في رأي كلاين، كان اغتيال محمد بودية، وهو مخرب ـ مبادر، وممثل وصاحب مسرح في باريس، ومتخصص كان مستعدا لتأجير خدماته لمنظمات ارهابية فلسطينية مختلفة. من بين الجملة بادر الي خطة عظيمة لوضع شحنات ناسفة مع نُظم تأجيل في تسعة فنادق في تل ابيب في مساء عيد الفصح 1971، وهي خطة أُفشلت قبل أن تنطلق. عرف بودية أنه مستهدف، ولهذا اتخذ وسائل حذر كثيرة: فقد غيّر اماكن نومه واعتاد التنكر. وفي احيان متقاربة تجول في الشوارع مثل شيخ أو في لباس امرأة. لكن كانت له نقطة ضعف: سيارته الحبيبة. بالرغم من أنه قد بدّل الوجوه والهويات، بمساعدة استعمال مواهبه كممثل، اعتاد أن يسافر في سيارته الرينو 16 فقط.في ليل الخميس، الثامن والعشرين من حزيران (يونيو) 1973، حينما كان ينام عند اصدقائه، اخترق أفراد الموساد سيارته ووضعوا قنبلة تحت مقعد السائق. لقد عرفوا أنه معتاد تفتيش سيارته من الخارج قبل أن يدخلها، لكنه لا يُفتش تحت مقعد السائق. وفي الغد، في ساعات الصباح المتأخرة، خرج بودية من شقة اصدقائه، وتقدم من السيارة وجلس في مقعد السائق. ولما كان لم يُدخل رجله الثانية بعد في السيارة، ابتلعته كرة من النار. قرر أحد ضباط التحقيق في الشرطة الفرنسية أن الشحنة الناسفة كانت كبيرة، لكنها كانت مبنية علي نحو خاص لمنع الخطر عن الذين مروا بقرب السيارة ساعة الانفجار.رابين طلب تفصيلاتأحد الموضوعات الرئيسة التي أثارت اهتمام كلاين كانت طريقة اتخاذ القرارات. لقد كشف النقاب عن أن كل أوصاف المحكمة الخفية، التي سمتها الصحافة لجنة إكس ، كانت روائية مختلقة. إن من قرر بالفعل هو رئيس الحكومة. لم تكن أية جهة رسمية أجازت الاغتيالات. لم يكن هناك أكثر من سبعة وزراء يعلمون السر. عرض رئيس الموساد علي كل واحد منهم ملفا عن المرشحين للقتل. كانت فيه بضع صفحات مطبوعة متقاربة الخط وصورة للرجل. في نهاية النص المطبوع كانت هناك نتائج وتوصيات، أي توصية بالاغتيال، لأن الاغتيال سيمنع عمليات تُضاد مواطنين وأهدافا اسرائيلية ويهودية. اكتفي أكثر الوزراء بقراءة الاستنتاجات والتوصيات، وسألوا رئيس الموساد عددا من الاسئلة، وأجازوا، أو لم يُجيزوا العملية. وكانت هناك حالات لم يُجر فيها الاغتيال بالتأكيد .بحسب قوله، لم يُحب رئيس الحكومة ليفي اشكول الاغتيالات. أما غولدا مئير، في المقابل، فقد أجازت الاغتيالات التي تلت ميونيخ من غير أن تطلب الكثير جدا من المعلومات التي تؤكد التهم الموجهة الي المرشحين للاغتيال. كان اسحق رابين شديد الحرص وأرهق أفراد الموساد أو الشاباك بأسئلة عن تفصيلات التفصيلات. لقد أراد أن يعرف كل شيء عن زاوية اطلاق النار ومسار الهرب. وفي احيان متقاربة مُنع الاغتيال لأن رابين قضي بأن هذا غير ناضج ، وأرسل رئيس الموساد أو رئيس الشاباك ليُحضر الدروس البيتية أكثر.شمعون بيريس ايضا حين كان رئيسا للحكومة كان حذرا جدا في إجازته الاغتيالات، لكن ذلك كان وفق المعايير، واستعدادا لانتخابات 1996 التي نافس فيها علي رئاسة الحكومة حيال بنيامين نتنياهو، لقد طلب من أفراد شعبة قيساريا قائمة اغتيالات. خاف بيريس عملية كبيرة قريبة من يوم الانتخابات، وأعد امكانية الرد عليها بسرعة. وكما يقول كلاين، لم يُحب أفراد قيساريا الطلب. جاء عن ديوان شمعون بيريس هذا الاسبوع أن هذه الامور ليست صحيحة. قال أفراد الموساد لكلاين، إن رئيس الحكومة الأسهل، الذي أحب إجازة كل طلب اغتيال، هو عضو الموساد اسحاق شامير.موشيه رونينكاتب في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 4/5/2006