تونس-“القدس العربي”: الكفرة هي واحدة من أهم المدن الصحراوية الجنوبية الليبية، استقر بها البشر منذ أقدم العصور بسبب وجود الواحات المتلاصقة، حيث الماء الذي يهب الحياة في الصحارى القاحلة. وتقع مدينة الكفرة في الجنوب الشرقي لليبيا في الصحراء الكبرى الافريقية غير بعيدة عن تشاد والسودان ومصر الذين ترتبط معهم بعلاقات تجارية قديمة.
فعلاقة هذه المدينة الليبية بتشاد والسودان تعود إلى الماضي السحيق، فقد خبر أهلها طرق التجارة مع هاتين الدولتين حيث كانت وما زالت مركزا في الحركة التجارية لتلك المنطقة المشتعلة. كما أنها كانت خط إمداد للمعارضين التشاديين والسودانيين في حروبهم مع عواصمهم، فعلى سبيل المثال عندما اندلعت حرب دارفور كانت الكفرة هي المركز الداعم للمعارضين.
وتبعد الكفرة عن مدينة بنغازي قرابة 995 كيلومترا وتضم أكثر من عشر واحات على غرار الزيغن وتازربو وبزيمة وربيانة والهواري والجوف وغيرها. ويبلغ عدد سكانها في الوقت الحالي حوالي 60.000 نسمة أغلبهم من قبائل الزوية الذين يشكلون نسبة 80 في المئة من عدد السكان وأيضا المجابرة والأواجلة والتبو والشرفة والاخوان وبعض الجاليات الافريقية.

تاريخ عريق
استوطن الإنسان واحات الكفرة منذ أقدم العصور فأينما وجد الماء وجدت المدن والحضارة، مرت الكفرة بكل المراحل التاريخية التي عرفتها ليبيا في التاريخ القديم والحديث حتى حازت على شهرة عالمية وهو ما جعل المستكشفين يأتونها من كل حدب وصوب. ناهيك عن أن شيخ المجاهدين الليبيين عمر المختار الذي أعدمه الإيطاليون عاش فيها فترة زمنية مدرسا للقرآن الكريم كما عاش فيها والد الملك الليبي الراحل إدريس السنوسي.
وقد وصل الرحالة العرب والأجانب إلى الكفرة خلال الفترة المتراوحة ما بين سنة 1878 و1923 ومن بين هؤلاء الرحالة الألماني جيرالد رولفس الذي وصل سنة 1878 قادما من مدينة طرابلس، وأيضا الرحالة الإيطالي كامبيريو رئيس جمعية ميلانو للاستكشافات التجارية في افريقيا والذي وصل إلى المدينة الليبية الجنوبية سنة 1880 والرحالة التونسي الشيخ محمد عثمان الحشائشي الذي وصل سنة 1896.
ومن الرحالة الذين زاروا الكفرة ضابط الصف الفرنسي لوران لابيير الذي تم أسره بعد تحرير الكفرة سنة 1916 وسيطرة الليبيين عليها بعد سقوط قلعة فورشاليه، وتم إطلاق سراحه سنة 1919. وأيضا روزيتا فوربس وكانت رحلتها خلال الفترة ما بين 1920 و1921 والتي زارت مدنا عديدة في ذهابها إلى الكفرة وخلال عودتها منها إلى أوروبا عبر مصر. ومن الرحالة أيضا حسنين بك الذي وصل إلى الكفرة سنة 1923 وواصل رحلته باتجاه السودان.
لقد انطلقت من الكفرة شرارة للكفاح المسلح مع عمر المختار وأحمد الشريف ورفاقهما ضد الاستعمار الإيطالي سنة 1911. ومن الكفرة أيضا تطوع الليبيون للقتال ضد القوات الفرنسية في تشاد. فهي بامتياز قلعة النضال والفداء في ليبيا ومعقل الرفض لكل أشكال الخنوع والذل للغزاة على مر التاريخ.
وتميز سكان الكفرة من قبائل زوية على وجه الخصوص بتمردهم على العثمانيين من جهة والإيطاليين من بعدهم والذين حاولوا أثناء احتلالهم لليبيا أن يسيطروا على الكفرة رغم بعدها عن السواحل الليبية. ويبدو أن الإيطاليين كانت لديهم رغبة في التقدم أكثر في عمق الأراضي الليبية باتجاه الجنوب لتأمين سيطرتهم على الشمال خاصة وأنهم كانوا محاطين بأعدائهم من الفرنسيين والبريطانيين.
كما حاولت فرنسا المهزومة من قبل الألمان أن ترد الفعل على إيطاليا حليفة ألمانيا سنة 1941 فأمر ديغول جيوشه في تشاد بمهاجمة الإيطاليين في المدن الليبية وخصوصا الكفرة ليظهر للعالم أن “فرنسا الحرة” قادرة على الفعل. كان لفرنسا “الحرة” في تشاد ما يقرب من 6000 مقاتل تلقوا الدعم من القوات البريطانية الصحراوية القادمة من مصر والسودان ومن قوات سنيغالية كانت مرابطة في تشاد وتمّ التوجه باتجاه الكفرة رغم صعوبة التضاريس.
وتمّكن الإيطاليون من رصد الهجوم واشتبكوا مع القوات البريطانية وأجبروها على العودة إلى مصر، لكن الفرنسيين بقيادة الجنرال لوكلير حاصروا قلاع المدينة وأجبروا الحامية الإيطالية على الاستسلام. وسقطت الكفرة بيد “فرنسا الحرة” التي استولت على أسلحة الإيطاليين وعتادهم وأسرت 29 من جنودهم بالإضافة إلى 273 من المجندين الليبيين. وأنشأ لوكلير حامية في قلعة التاج ثم أجبر الإيطاليين على الانسحاب من واحة تازربو شمال الكفرة.
وبسقوط الكفرة بيد الحلفاء نقلت القوات البريطانية الصحراوية مقر القيادة إليها عوضا عن القاهرة وأصبحت قاعدة المدينة منطلقا لعملياتها في حملتها على شمال افريقيا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد ساهمت معركة الكفرة بشكل كبير في تغيير موازين القوى لصالح الحلفاء على حساب المحور، حيث منحت قوات فرنسا الحرة الديغولية ثقة بالنفس ورفعت من معنويات الفرنسيين بعد احتلال ألمانيا لبلدهم فتتالت الانتصارات إلى أن حسم الأمر في تونس التي كان فيها اللقاء بين قوات الحلفاء الآتية من المغرب عبر الجزائر وقوات المحور الزاحفة من الصحراء الليبية، والتقى الجنرالان رومل الألماني والبريطاني مونتغمري لحسم معركة شمال افريقيا.
معالم هامة
بما أن الكفرة قديمة وتاريخها عريق واستوطنها الإنسان منذ القدم، فهي تضم معالم عديدة على غرار المدينة القديمة الزاخرة بالآثار التي تصنف ضمن التراث الإنساني. وتضم المدينة الجامع العتيق بمنطقة الهواري والذي يعتبر أهم معالم المدينة على غرار كل المدن الإسلامية التي يمثل فيها الجامع حجر الأساس ومحور الحياة العامة.
وتضم المدينة أيضا رفات الشهداء الذين سقطوا في المعارك التحريرية باعتبارها رمزا من رموز الفداء في ليبيا وشهدت معارك عديدة استهدفت الغزاة الذين اعتبروا ليبيا غنيمة في عصر ما واستباحوها. وأقيم لهؤلاء الشهداء نصب تذكاري يخلد ذكرى دفاعهم المستميت عن مدينتهم الصامدة وعن كامل التراب الليبي الذي يستباح إلى يوم الناس هذا.
لكن الإهمال من الحكومات المتعاقبة وانتشار البناء الحديث ساهم في القضاء على بعض القرى القديمة التي تضمها مدينة الكفرة التاريخية ومنها المدينة العتيقة الواقعة بمنطقة الهواري التراثية التي يرجع تاريخ إنشائها إلى حقب قديمة، والتي عرفت معارك بطولية ليبية استهدفت الاستعمار الإيطالي سنة 1931. فهناك قرى بدأت تختفي تحت الرمال نتيجة التصحر الذي يهدد المدينة برمتها ونتيجة أيضا لاستهتار السلطات الليبية.
إن التطور المعماري محا من الوجود معالم الكثير من القرى والتجمعات السكنية القديمة بمنطقة الهواري التاريخية، وأدى ذلك إلى كارثة حقيقية تمثلت في انهيار مبان أثرية لا تقدر بثمن باعتبارها تراثا إنسانيا. لذلك تبدو الضرورة ملحة لإعادة ترميم ما تهدم من مدن وقرى تاريخية بالكفرة قبل فوات الأوان باعتبارها تراثا إنسانيا ونمطا معماريا فريدا تختص به الكفرة دون سواها.
وتوجد في المدينة أيضا بقايا لإحدى الدبابات الإيطالية التي تعود إلى الفترة الاستعمارية وتحديدا إلى سنة 1931 فكفرة كما هو معلوم خضعت للغزو الإيطالي وأقيمت فيها حامية إيطالية. وتمّ تحصين هذه الحامية بالأسلحة الثقيلة والعتاد وبأجهزة الرادار وأجهزة الاتصال السلكية واللاسلكية وبالبناءات الحصينة ولم يغادر الإيطاليون المدينة إلا مع قدوم قوات الحلفاء وأساسا القوات الفرنسية المدعومة بفرقة من السينغاليين ودعمتهم لاحقا قوات بريطانية.
النخيل والزيتون
يعمل أهالي الكفرة في النشاط الزراعي على غرار النخيل والمانغو والزيتون وأيضا جميع أنواع الخضراوات، ففي محيط المدينة مشاريع فلاحية هامة مثل مشروع الكفرة الزراعي الذي يوجد فيه أكثر من 100 حقل لزراعة الحبوب والبقوليات وتربية الأغنام والأبقار. وهناك حقول للنخيل والزيتون غرب المدينة وحقول لزراعة أشجار المانغا والتفاح الصحراوي.
وتراجع الإنتاج الزراعي بعد سقوط نظام القذافي سنة 2011 لكنه عاد منذ سنة 2013 فحققت الكفرة اكتفاءها الذاتي من الحبوب وتمكنت من تزويد مدن جالو واجدابيا وغيرها بالقمح. فقد تم تسجيل ثلاثة آلاف طن من القمح وأكثر من ألف طن من التمور إضافة إلى الخضراوات التي تصنف ضمن الزراعات السقوية.
ويعمل أيضا سكان المدينة في النشاط التجاري وفيها أكبر سوق للإبل في ليبيا ولدى أهالي الكفرة روابط تجارية مع السودان وتشاد. وهناك أيضا صناعات تقليدية عريقة عراقة المدينة يتوارثها الأجيال أبا عن جد.
معالم مهمشة
يوجد في الكفرة اليوم مطار دولي وفنادق بالإضافة إلى المشاريع السكنية والزراعية، وتوجد بالقرب من المركز الإداري للمدينة معامل لتكرير النفط. ورغم ذلك فإن الكفرة يعتبرها البعض مدينة مهمشة لأن الخدمات العامة فيها تكاد تكون معدومة في جميع القطاعات كالصحة والتعليم والبنية التحتية نتيجة لإهمال الحكومات المتعاقبة.
وانتشرت في المدينة في السنوات الأخيرة ظاهرة الاختطاف التي تؤرق أبناء المدينة وذلك بعد الانفلات الأمني الذي عرفته ليبيا بعد 2011. وتشهد أيضا ظاهرة الهجرة السرية من بلدان افريقيا جنوب الصحراء نحو الأراضي الليبية وهو ما يهدد التركيبة الديموغرافية للكفرة.
كما شهدت المدينة خلافات بين مكونيها الرئيسيين أي الزوي والتبو الأمر الذي تطلب تدخلا من منظمة الأمم المتحدة التي جمعت الطرفين في تونس بداية سنة 2018 لتوقيع اتفاق مصالحة. وحدد الاتفاق المبادئ الرئيسية للمصالحة ومن بينها حرية التنقل والمساءلة الفردية عن الجرائم وتكافؤ فرص الحصول على الخدمات من دون تمييز.
يشار إلى أن النزاع بين الزوي والتبو تسبب في خسائر بشرية ومادية من الجانبين وهدد وحدة سكان المدينة واستقرارهم خاصة وأن الأيادي الخارجية العابثة تبدو بصمتها واضحة وجلية. فالمدينة مستباحة من الأنظمة المجاورة والتنظيمات المسلحة المعارضة لها في غياب السلطة المركزية التي تتحكم بحدود البلد المترامية.
ولعل هجرة قوميات أخرى من خارج ليبيا وبأعداد كبيرة إلى الكفرة بعد سنة 2011 سيساهم في خلق المزيد من المشاكل الاثنية والقبلية في بلد ما زالت القبيلة فيه هي المكون الرئيسي والأهم في النسيج الاجتماعي وتتفوق على سواها. وهو ما تؤكده تقارير تتحدث عن مثل هكذا مشاكل ليس في الكفرة فحسب بل في كامل الجنوب الليبي الذي لا يعيره أغلب الساسة الاهتمام اللازم رغم أنه الخاصرة الرخوة والقنبلة الموقوتة التي ستهدد أي تفاهمات قد تحصل بين شرق وغرب البلاد في المقبل من الأشهر أو السنوات.