آفي يسسخروف
أسابيع مرت منذ فر الرئيس التونسي زين العابدين بن علي من بلاده ووجد ملجأ في السعودية. اسابيع، تجسد فيها شرق اوسط مغاير. رؤساء وحكام حكموا على مدى عشرات السنين اطيح بهم، حكومات حلت وملايين المواطنين العرب خرجوا الى الشوارع لفهمهم القوة الهائلة التي في ايديهم. هذا الاسبوع احتل الزعيم الليبي معمر القذافي، الاقدم بين حكام المنطقة عناوين الصحف ولكن بدا أن منظمات الارهاب في غزة، حماس والجهاد الاسلامي تحاول ايقاظ الجبهة بين غزة واسرائيل بعد بضعة اسابيع من الهدوء. فارونالقى العقيد القذافي خطاباً من داخل منزله القديم في باب العزيزية الذي قصفته طائرات سلاح الجو الامريكية في 1986. كان هذا خطابا هاذيا لرجل سواء عقله موضع شك، ويبدو انه تنكر لامكانية ان يكون حكمه قريباً من نهايته. فقد هدد المرة تلو الاخرى بان يقود ليبيا الى حمام دماء بعد أن قتل رجاله حتى تلك اللحظة مئات الاشخاص. القذافي شهد في اثناء حكمه محاولات تمرد ( محاولة اغتيال في 1993) ومواجهات مع متظاهرين (في 1996) . الاسلام الراديكالي رأى فيه عدوا، والرئيس الامريكي الاسبق رونالد ريغن وصفه بـ ‘الكلب الضال’ وجيش الولايات المتحدة قصف قصره. ولكن هذا الاسبوع وقف حاكم ليبيا امام أكبر تحدّ ٍ يشهده. في وقت اغلاق هذا العدد سيطرت قواته على طرابلس فقط. بينما باقي مناطق الدولة سقطت في يد المعارضة. ألوية كاملة (مثل اللواء الخامس وقيادة ‘الجبل الاخضر’) فروا الى معارضي النظام ووحدات عسكرية سلمت سلاحها للمواطنين وللميليشيات المسلحة. قبيلتا الزاوية والرفولة انضمتا الى المعارضة. وفقد السيطرة على شرقي ليبيا، في مقاطعة قرنيقة وعاصمتها بنغازي، المدينة الاكبر الثانية في حجمها في ليبيا، في صالح مجموعات غير منظمة بدأت تنظف الشوارع وتوجه حركة السير. كما وصلت المعارك الى غربي ليبيا، حيث سيطرت قوات المعارضة على المدن الكبرى، الزاوية ومسورطة، وبالطبع العاصمة طرابلس. اذا لم يكن هذا بكاف، فصباح يوم الاربعاء استقال وزير داخليته، الجنرال عبدالفتاح اليونس العبيدي، المسؤول عن قوات الامن الداخلي، وانضم الى المعارضة.50 في المائة نساءالقذافي، الذي يعتبر زعيما ذا عادات غريبة، ولد في حزيران ( يونيو) 1942 لعائلة بدوية في شمالي ليبيا. في سن 21 انضم الى الاكاديمية العسكرية في بنغازي وفي سن 24 كان ضابط اتصال في الجيش الليبي. بعد نحو ثلاث سنوات، في سن 27، قاد مجموعة من الضباط لانقلاب عسكري ادى الى اسقاط الملك ادريس في ليبيا. واستولى ‘مجلس قيادة الثورة’ على الحكم وكان على رأسه المقدم القذافي، الذي رفع نفسه الى درجة عقيد. البروفيسورة يهوديت رونين من جامعة بار ايلان، المحاضرة والباحثة في الشؤون الليبية، تقول ان المقدم الشاب قاد الانقلاب باحساس بالقدرة على احداث تغيير. وفي محيطه كانت غير قليل من الانقلابات في العالم العربي، هزيمة 67 كانت لا تزال تحوم في سماوات الشرق الاوسط ويحتمل أن يكون استمد الالهام من سيطرة محمد جعفر النميري على السودان في ايار ( مايو) 1969، قبل بضعة اشهر فقط من الانقلاب في ليبيا.’حتى صعود القذافي سارت الدولة حسب منظومات قبلية ادارت شؤونها بشكل مستقل، وقد أخذ في تفكيك هذه الاطر في محاولة لصرف الولاء الى الحكم والى النظام. ومنح رؤساء القبائل المكانة والمال، نصيباً من الكعكة. وبالتوازي، منع شخصيات مختلفة في الجهاز السلطوي في ليبيا من التثبت في مواقع اساسية وجعلهم يتنقلون بين المناصب. اضافة الى ذلك، لم يتردد القذافي في استخدام كل الوسائل لضرب المعارضة’. وحسب اقوالها، فان هذه الطريقة نجحت بشكل كبير حتى الحركات الاولى، التي بدأت في الثمانينيات. في السنوات الاولى من حكمه اعتبر مؤيدا متحمسا لايديولوجيا الوحدة العربية وحاول مرات عديدة الوصول الى توحيد قومي مع دول اخرى. وفي مفاهيم معينة يحتمل ان يكون رأى نفسه خليفة للرئيس المصري جمال عبدالناصر، الذي كان بطله. في العام 1976 نشر مذهبه الفكري في الكتاب الاخضر. طريقة الحكم في ليبيا وصفها بانها ‘سلطة الشعب’. هذه اشتراكية اسلامية تجمع بين المبادىء الدينية (منع القمار وبيع الكحول) وبين دولة الرفاه التي تدعم السكن والمواصلات العامة وتقدم خدمات تعليم وصحة مجانية، ولكن تحظر الاتحادات المهنية والاضرابات. وقد كان هذا ممكنا بفضل الارباح التي حققتها الدولة من صناعة النفط: نحو 50 مليار دولار في السنة، الامر الذي لم يمنع بطالة بمعدل نحو 30 في المئة. وحسب رونين، فان مؤسسات الحكم العامة عملت في ليبيا ظاهرا فقط، مثل الحكومة، التي يسميها ‘لجنة الشعب العامة’، وبرلمان فاقد كل الصلاحيات. وهي تقول انه ‘كان يقرر وهم كانوا يصادقون. عمليا من ادار شؤون ليبيا كانت اللجان الثورية التي تشكلت من الشبان المتزمتين الذين ايدوا افكار الثورة’. فضلا عن ذلك، تقول، كان للقذافي كاريزما، ثقة بالنفس وقدرة على التمسك بالهدف. ‘ليس من النزاهة محاكمته في النقطة الاسفل في حياته’، تقول. ‘الرجل عرف كيف يدخل الى الناس الاحساس بان لديهم ما يتوقعونه، وان هناك معنى لحياتهم. كانت له غير قليل من الايام الطيبة التي كان يمكنه فيها ان يبحث أثره في محيطه، وان يحدد اهدافا وان يعرضها كغايات للشعب الليبي’. بعد سنوات ساعدت فيها ليبيا كل منظمة معروفة او معروفة أقل، قرر القذافي تغيير صورته. وقد بدأ هذا في الحرب العنيدة التي ادارها ضد الاسلام المتطرف في ليبيا وانتصاره عليها في التسعينيات، بل انه ندد بالعمليات في الولايات المتحدة في ايلول ( سبتمبر) 2001. في العام 2003، بعد احتلال الولايات المتحدة للعراق، أعلن انه أوقف برنامجه لانتاج اسلحة الدمار الشامل وانه يوافق على الرقابة الوثيقة من الامم المتحدة. في اعقاب هذا الاعلان رفعت العقوبات الاقتصادية عن ليبيا وتحسنت مكانتها في الاسرة الدولية.
في آذار (مارس) 2004 زار رئيس وزراء بريطانيا طوني بلير ليبيا والتقى معه وبعده وصل الى ليبيا زعماء غربيون آخرون، التقوا القذافي. السفير البريطاني في ليبيا، انطوني لايدن، شرح في حينه التغيير في سياسة القذافي برغبته في تحسين الوضع الاقتصادي الذي ترك الكثيرين بين الشباب بلا مصدر رزق. يحتمل ان التغيير كان اقل مما ينبغي ومتأخراً اكثر مما ينبغي. اولئك الشبان العاطلون عن العمل بدأوا المظاهرات في قرنيقة في 17 شباط ( فبراير) الماضي.
يوجد احتياطلا سبب في أن تثير الحرب الاهلية في ليبيا قلقا أمنيا فوريا في اسرائيل. الخوف يكمن في الاثار بعيدة المدى لتفكك ليبيا على المكافحة الدولية ضد الارهاب. فالمعارضة (مثلما في مصر وتونس)، ليست لديها قيادة معروفة ومن الصعب التخمين من سيخلف القذافي. فالدولة من شأنها ان تجد نفسها متورطة في حروب قبلية تجعلها مدينة لجوء لمحافل الجهاد العالمي. سايمون هندرسون، باحث من معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى، كتب هذا الاسبوع يقول انه منذ الحرب في العراق في 2003، توجد ليبيا في المكان الثاني في ‘تصدير’ نشطاء الارهاب الى العراق، بعد السعودية. الكثيرون منهم وصلوا من مدينة درنة في قرنيقة. في الدولة توجد منذ الان بنية تحتية ‘للجهاد العالمي’، وفقط في الايام الاخيرة أعلن سكان بلدة البيضاء، المجاورة لدرنة انهم اقاموا في المكان خلافة اسلامية. وتدعي رونين ان ليبيا بالفعل ستتغير بعد القذافي، ولكن السكان والبنى التحتية والخصال الاقتصادية لن تتغير. وهي تعتقد انه ‘في المنظومة القائمة ايضا يوجد غير قليل من الاشخاص المؤهلين، التكنوقراطيين، رجال الامن او الدبلوماسية، الذين كانوا في مركز اتخاذ القرارات وسيشكلون احتياطا قياديا عندما ينصرف القذافي’. في هذه الاثناء أثر الثورات يؤثر ايضا على الساحة القريبة لاسرائيل. في الاردن أعلن هذا الاسبوع الاخوان المسلمون عن استئناف المظاهرات ضد النظام وفي اوساط منظمات المعارضة طرح مطلب نزع الصلاحيات لتشكيل الحكومة من يد الملك وحل البرلمان. ورويدا رويدا تكثر المؤشرات على أن في السلطة الفلسطينية يفكرون بجدية بحكومة وحدة مع حماس. الحليف الاهم للسلطة، حسني مبارك، لم يعد في منصبه. كبار مسؤولي فتح والسلطة يئسوا من الامل في أن تخوض الولايات المتحدة حربهم وتقنع الاسرائيليين بوقف البناء في المناطق. تخوف فتح من المظاهرات ضد حكم رئيس السلطة محمود عباس (ابو مازن) ادى بها الى ان تعلن عن انتخابات عامة وبلدية في غضون نصف سنة.
رغبة السلطة في تهدئة الجمهور الفلسطيني يمكنها ايضا ان تشرح غضب فتح في بداية الاسبوع وحرق الاعلام الامريكية. بهذا المفهوم، فان الرئيس الامريكي باراك اوباما، صنع خيرا لابو مازن عندما استخدم الفيتو في مجلس الامن ضد مشروع قرار بشجب البناء في المستوطنات. فجأة ابو مازن وفتح يتخذان صورة الابطال الفلسطينيين الذين لا يستسلمون للضغط الامريكي ويصرون على ‘الحقوق الفلسطينية’. يحتمل أن يشهد الامر ايضا على الشكل الذي ينظر فيه اليوم الى الادارة الامريكية في اوساط قيادة السلطة: ضعيفة، مشوشة وبالاساس عديمة التأثير على اسرائيل.
هآرتس 25/2/2011