احزر أي الأخبار كانت الترند الأسبوع الماضي:
-نفق الحرية الذي حفره الأسرى الفلسطينيون تحت سجن جلبوع الإسرائيلي، وأخبار مطاردتهم وإلقاء القبض على بعضهم؟
-إعلان تشكيلة الحكومة اللبنانية وتركيبتها المهزلة؟
-الحياة في كابول بعد تسلّم «طالبان» الحكم فيها؟
-تونس ومصير الديمقراطية فيها بعد انقلاب الرئيس قيس سعيد؟
أبداً. على أهمية تلك العناوين وانشغال الكثيرين بها كان هنالك ما يستحق أن يكون فوق كل الأخبار، إنه عنوان أثارته المغنية المعتزلة عن الغناء أمل حجازي على فيسبوك: هل الكلب نجس أم طاهر؟!
مفتي الديار المصرية: «اختلفَ العلماء؛ الغالبية تعتقد بنجاسة الكلب، لكن هناك مذهب المالكية، الذي نتبنّاه ونفتي به، ويقول إن الكلب طاهر وكل شيء فيه طاهر».
الفنانة كانت متحمسة لنفي النجاسة عن المخلوق الأليف الذكي الوفي، مرفقة نظريتها مع صورة جميلة لأحد الكلاب. ثم راحت تساجل وتكافح لإثبات أن نظريتها لا تتعارض مع آيات القرآن الكريم، وبالعكس، فهي تجد في ذكر الكلب مع أهل الكهف رفعاً لمكانته ونفياً لأوهام النجاسة.
مؤيدوها استعادوا فيديو قديماً لمفتي الديار المصرية يجيب عن السؤال نفسه مؤكداً: «اختلفَ العلماء حول هذه المسألة، الغالبية تعتقد بنجاسة الكلب، لكن هناك مذهب المالكية، الذي نتبنّاه ونفتي به، ويقول إن الكلب طاهر وكل شيء فيه طاهر» .
لسنا ضد النقاش، ولا ضد تصحيح العلاقة الملتبسة عربياً بين الناس والكلاب، ولعل الأمر يستحق فعلاً عناء الطرح والنقاش وحجز مساحات على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل التواصل مع تلك الفئة الحزينة الحائرة من الحيوانات، الدامعة أحياناً، من أجل فضّ النزاع معها، من أجل فهم متبادل أفضل، بل كان يجب أن يحسم الجدل منذ قرون بعيدة، فلربما يفرغ المواطن العربي لشؤون وترندات جليلة تتعلق بمصائر شعوب وأمم.
مبدئياً، لا مناص من رفع القبعة لمفتي الديار المصرية، ومن ورائه المغنية المعتزلة، فقد حان الوقت لتبني رأيه، الذي يمكن تلخيصه بعبارة واحدة ونهائية: «الكلب دا طاهر، وحَ يفْضَل طول عمره طاهر» .
لا ندري إن كان الرئيس اللبناني ميشيل عون سيتسامح مع زلّة لسان وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي المعيّن حديثاً عندما طالب وسائل الإعلام بعدم استضافة السياسيين الذين يبشروننا بجهنم، متغافلاً عن أن عون نفسه كان صاحب هذا التصريح عندما سألته إعلامية إلى أين لبنان ذاهب، فقال قولته الشهيرة: «إلى جهنم» .
حتى الساعة لم يصدر عن فخامة الرئيس أي ردّ فعل، فمن المرجح أن الرجل نائم، لمّا تبلغه عبارة الوزير القرداحي، الأسدي الهوى.
لكن هل هي زلّة لسان فعلاً، أم أن الرجل يعني ما يقول!
خطة جورج قرداحي تستند إلى نظرية الزعيم السوفييتي الراحل جوزف ستالين، والذي منع الصحافة من نشر أي خبر سيىء.
علينا ألا نستهين بالعبارة القرداحية، فهي، رغم ما تبديه من عفوية، وكأنها ابنة لحظة مواجهة عفوية مع الإعلام أول وصوله إلى مطار بيروت، خطة عمل كاملة، تستند إلى نظرية الزعيم السوفييتي الراحل جوزف ستالين، والذي منع الصحافة من نشر أي خبر سيىء: لا مجاعة في هذه البلاد، لا قتلى، ولا مظاليم في السجون، لا نفايات، ولا انقطاع للتيار الكهربائي، حتى ولا حوادث سير. باختصار لا أخبار تحبط مسيرة الجماهير نحو التقدم إلى الأمام، من هنا جاءت نظرية «نصف الكأس الملآن» ، أو بحسب قرداحي: خلينا نعطي الناس شوية أمل. من يقول لقرداحي إن اللبنانيين لم يعودوا في انتظار من يبّشرهم بجهنم، لقد وصلوها بالفعل.
لقد جهّز وزير الإعلام اللبناني خطّته حتى قبل أن يدوس أرض المطار: إن كنتَ يائساً من تحسين أحوال الناس، سكّان جنهم، فلا تقلق، كل ما عليك فعله هو أن تخفي أي خبر عن جهنم.
على قدر ما هو هزليّ تعيين المذيع جورج قرداحي وزيراً للإعلام، في البلد الذي كان يوماً وطن الإعلام والإعلاميين الأحرار، لا يقلّ هزلاً تهافت إعلاميين لبنانيين لالتقاطه في مطار بيروت عند وصوله للحصول على تصريح. استقبال لم يكن وارداً إلا لأن الرجل مذيع مشهور. تراكض الصحافيون، سلّموا، وعانقوا، وحاولوا استلال كلمة كلٌّ لمحطته، على أساس كسبق صحافيّ. ولم نرَ سواه من الوزراء، ولا حتى رئيس الحكومة يحظى بهذا القدر من الاهتمام.
قرداحي، مجرد مذيع مسابقات، مقابلاته هنا وهناك لا تثبت أنه إعلامي بحق، عداك عن انحطاط ظاهر في الضمير عندما يعلن تأييده لنظام بشار الأسد. وبالتالي لن يقول شيئاً فريداً تتسابق من أجله المحطات.
ركضُ الإعلاميين وراء نجومية قرداحي الفارغة لا يثبت إلا شيئاً واحداً، أن الإعلام اللبناني هو جزء كبير من المصيبة اللبنانية.
لعقود طويلة، ظلّ برنامج «حكم العدالة» ، على أثير الإذاعة السورية الرسمية، يذكّر السوريين بما يحاولون تناسيه والتشاغل عنه. هو برنامج من ملفات القضاء السوري، يعيد تمثيل جريمة ما وطريقة الشرطة في العثور على الجاني والحكم الصادر بحقه. يتابع المستمعون البرنامج لأخذ العلم بالجريمة، لا لشغف بطرق الكشف عنها، كما يحدث مع الروايات البوليسية، فهنا، في السلسلة الإذاعية السورية، هناك طريقة وحيدة للكشف عن ملابسات الجريمة: المساعد جميل. حَفِظَ السوريون صوته وسوطه واسمه عن ظهر قلب، هو ذلك الرجل الذي ينتزع الاعترافات بقوة الجلد والضرب، وما لا يمكن أن يقال في البرنامج من وسائل تعذيب.
دون خجل استمرّ هذا التعنيف الإذاعي على مدار عقود، من دون أن نسمع اعتراضاً من منظمة حقوقية أو جهة إعلامية ضاغطة.
ذلك الصوت الذي روّع السوريين أطلّ أخيراً في مقابلة مصورة، روى ذكرياته في أداء الشخصية، وكان مفاجئاً أن يروي (الفنان أحمد مللي) كيف قال له ضابط في الأمن الجنائي، عندما تعرف عليه أثناء استصدار أوراق رسمية: تعال نعرفك على المساعد جميل الحقيقي.
مللي قال، وهو يضحك، إنه رأى نظيره الواقعي كي يعذب ويجلد وينتزع اعترافات. التقى نظيره المرعب حقاً فروّعه هو أيضاً، لكن من دون أن يخطر له الاعتراض.
هل يدرك أحمد مللي دوره في ترويع السوريين، وفي جعل استمرار المساعد جميل الحقيقي ممكناً كل هذا الزمن؟!
كاتب فلسطيني سوري