الكل يطهر نفسه!

حجم الخط
1

أصبحت النغمة التي يعـــــزف عليها الجميــــع الآن في كل الهيــــئات والوزارات والمصالح، أنهم يقومــــون بتطهير أنفسهم بأنفسهم، وأنه يجب عدم التدخل في شؤونهم أو الإساءة اليهم تحت دعوى التطهير، ويتصدر القضاة المقدمة في رفع هذا الشعار، رافضين اي حديث عن تطهيرالقضاء وأنهم يقومون بتطهير أنفسهم بأنفسهم من اي عنصر فاسد، وأنه لا يوجد اي جهة تقوم بمحاسبة أعضائها مثل القضاء الذي يأخذ أعضاءه بالشبهة، وأن اي شبهة أو سلوك بسيط يحيل القاضي للصلاحية، وأنه يتم اتخاذ إجراءات قوية ضد اي تجاوز، ولا يعلن عنها حرصا على هيبة القضاء وعدم هز الثقة فيه.
والحقيقة أنه كان من الممكن تقبل هذا الكلام، خاصة من جانب القضاء لو وجد الناس تطبيقا عمليا لهذه المقولة على أرض الواقع، ولكن الواقع أن هناك حالات صارخة متداولة على الساحة السياسية والإعلامية، من دون أن يتم اتخاذ اي إجراءات فيها. فأحد كبار القضاء وهو مساعد وزير العدل للتفتيش القضائي المستشار زغلول البلشي، الذي صرح بأن القضاء يطهر نفسه أولا بأول، وليس في حاجة إلى أحد كي يطهره هو نفسه الذي قال في بعض تصريحاته أنه لو كان الأمر بيده لأحال كل من شارك في تزوير الانتخابات السابقة إلى لجنة الصلاحية. وبالنسبة لقضية التمويل الأجنبي قال، كل القضاة الذين اشتركوا، أو تستروا في قضية التمويل الأجنبي يجب فصلهم وإحالتهم الى التحقيق. والرجل يناقض نفسه فإذا كان القضاء يطهر نفسه بنفسه، كما يدعي، فلماذا لم يقم القضاء بذلك في قضايا كبيرة هزت مصر، كالمشاركة في تزوير الانتخابات 2005، والثابتة من خلال تقارير محكمة النقض؟ ولماذا لم يتخذ اي إجراء في قضية التمويل الأجنبي التي أثارت غضب القضاة الشرفاء، وهما القضيتان اللتان أشار اليهما؟ ولماذا لم يخرج علينا المجلس الأعلى للقضاء ببيان يوضح الموقف من هاتين القضيتين ويوضح أيضا أسباب عدم رفع الحصانة عن الزند حتى الآن حتى تتم معرفة حقيقة الاتهامات التي تثار حوله، ومدى صدقها من كذبها؟
كيف يثق الإنسان في دعوى تطهير القضاء نفسه بنفسه، وهو يرى شبهات صارخة ولا يفتح فيها اي تحقيق يشفي الغليل، كما أن مقولة اتخاذ إجراءات من دون الإعلان عنها حرصا على هيبة القضاء، أمر غير مقبول في ضوء الثورة التي قامت في البلد، وأجواء الشفافية المطلوبة.
إن الكشف عما يتخذ ضد هؤلاء القضاة يعمل على تأكيد الثقة بالقضاء وليس هز هذه الثقة، ويؤكد حرصهم على تطهير أنفسهم من اي عنصر فاسد يمكن أن يسيء إليهم جميعا، وأعتقد أن من يطالبون بإصلاح القضاء أو على الأقل الأغلبية الساحقة منهم ينطلقون في مطالبهم من باب الحرص على استقلال وهيبة القضاء.
ولم تتوقف دعوى الادعاء بتطهير النفس على القضاء، بل امتدت الى وزارة الداخلية التي أعلن وزيرها هو الآخر ارفضه وجميع أفراد وزارة الداخلية ما يوصف بعملية التطهير، بوصف الداخلية جهازا وطنيا له تاريخ نضالي طويل، مؤكدا أن وزارة الداخلية تطهر نفسها بنفسها وتحاسب رجالها حسابا عسيرا من خلال الأجهزة الرقابية الداخلية.ب
كما أكد في تصريحات أخرى ‘أن الوزارة لا تحتاج لتطهير، وإنما لإعادة هيكلة لبعض الإدارات والمصالح فقط ، مضيفا أن الداخلية تطهر نفسها بنفسها، من خلال حركات تجريها بنفسها أولا بأول عن طريق أجهزة التفتيش وأن من يثبت تورطه في أي قضية تتم إحالته للاحتياطب.
ولم يقدم الوزير التي كانت وزارته أحد الأسباب الرئيسية للثورة التي قامت في عيد الشرطة، تقريرا واحدا يؤكد دعواه، بل على العكس مما يصرح به فقد عاد الحديث مرة أخرى عن ممارسات الداخلية السابقة، من دون أن نرى موقفا منه يؤكد صدق دعواه، وهو نفس منطق القضاء، وهو منطق يدعونا الى أن نتركهم في حال سبيلهم، فهم أدرى بشؤونهم وأحوالهم، والسؤال البسيط الذي لا بد أن يتبادر للذهن اذا كان القضاء بخير، وأنه يقوم بتطهير نفسه بنفسه وكذلك الداخلية، فلماذا إذن قامت الثورة، وهل كان الشعب المصري ابيتسلى أو نفسه هفته على ثورة فقال يلى بنا نعمل ثورة! ا
ونفس الشعار رفعته هيئة الرقابة الإدارية التي أعلن رئيسها في مجلس الشورى أن الهيئة تطهر نفسها بنفسها، وأنه تم استبعاد 20 من قيادات الهيئة.
وطالب بضرورة التمهل في تطهير الهيئة، ليتم بخطوات مدروسة، حفاظا على الهيئة من الانهيار.
لا مفر من المسارعة بتطهير الهيئات المختلفة التي تريد التحول الى جمهوريات مستقلة رافعة شعار ممنوع الاقتراب والتصوير، بأقصى سرعة لأن كل تأخير في هذا الأمر يؤدي لفقدان الناس إيمانهم بالثورة التي لم تقدم لهم تغييرا ملموسا، بعد أن اكتشفوا أن جسد النظام السابق كما هو وأن نفس الموظفين الذين يتعاملون معهم هم هم، ونفس العقليات وسياسة فتح الجرد لم تتغير.

د. صفوت حسين ـ كلية التربية ذ جامعة دمنهور
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية