بعد سبعة شهور على دخول فيروس «كورونا» المغرب، ما زالت الحكومة حائرة وغير قادرة على حمل المواطن على ارتداء الكمامة الواقية بالشكل الصحيح.
لذلك، جنّدت إعلامها الرسمي من أجل التوعية بهذه المسألة، من خلال تقارير صحافية وحوارات مع مختصين، فصارت الكمامة حديث الصباح والمساء في القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية، إلى حد أنها أمست «نجم» البرامج ونشرات الأخبار.
خلال الأحاديث التلفزيونية، يبدو بعض خبراء الصحة حانقين قلقين على الأشخاص الذين لا يرتدون الكمامات أصلا، أو يرتدونها بطريقة غير صحيحة. ومن كثرة الحنق والقلق يكاد الواحد من أولئك الخبراء يُخرج يديه من شاشة التلفزيون ليمسك بخناق المُخالفين!
هناك خطأ ما في المسألة، بكل تأكيد.
هل يُعقل أنه مرّت سبعة شهور بالتمام والكمال، ولا يعرف بعض المواطنين الطريقة الصحيحة لارتداء الكمامة؟ أم أن المسألة لا تتعلق بعدم معرفة، وإنما برفض مبطن؟
المواطن لا يرتدي الكمامة استجابة لتعليمات الحكومة.
أين يكمن الخطأ إذن؟
هل في المواطن؟
أم في الكمامة؟
أم في الحكومة؟
ألم تنفع العقوبات الزجرية التي نفّذتها السلطات في حق المخالفين؟
أين المشكلة؟
البيانات الرسمية صارت تقدّم أرقاما مخيفة ومهولة حول عدد الوفيات والإصابات الناتجة عن الفيروس، آخرها تسجيل رقم قياسي عشية الأربعاء، هو 5745 حالة إصابة و82 وفاة في ظرف 24 ساعة. والحكومة تترجى المواطن أن يلتزم بالإجراءات الاحترازية، ومن بينها ارتداء الكمامة، لكن كلامها كأنه صيحة في واد.
تنتقل الكاميرا عبر الشوارع، فنجد الناس فئتين:
ـ فئة ترتدي أنواعا متعددة من الكمامات مختلفة الألوان والأشكال، وهناك من جعلها أسلوب «موضة» يجسد بها ذوقه الجمالي وهوايته وفريقه الرياضي المفضل، بل ثمة مَن حوّل الكمامة إلى طريقة للدعاية لشركته.
ـ وفئة أخرى تضع الكمامة أسفل الأنف، وأحيانا أسفل الذقن، أو تجعلها موصولة بأذن واحدة فقط.
هناك مَن يرتدي الكمامة اقتناعا بجدواها في التقليل من خطورة الإصابة. وهناك من يرتديها خوفا من الغرامة فقط. وبين هذا وذاك، يوجد غير المبالين أو الرافضون الانصياع للتعليمات الحكومية التي تستند إلى قانون الطوارئ الصحية لإنزال العقوبة بالمخالفين، إما على شكل غرامة مالية أو عقوبة سجنية.
المشكلة تجسد في العمق أزمة ثقة في الحكومة، عقب قراراتها الارتجالية غير المدروسة خلال فترة الحجر الصحي. فمنسوب الثقة لدى المواطن المغربي تجاه حكومته وصل إلى درجات دنيا، بعدما أدت سياستها الخاطئة إلى تكاثر نسبة الفقر والبطالة وغلاء المواد الاستهلاكية وتردّي الخدمات العمومية من طب وتعليم ومواصلات عامة… الخ. وعوض السعي إلى إقرار نوع من العدالة الاجتماعية والتقليل من حدة الفوارق الطبقية، تتخذ الحكومة قرارات تستهدف المواطن في قوته ومعيشه اليومي، آخرها إقرار ضريبة «التضامن» التي ستنزل بثقلها على الموظفين العام المقبل، مما سيعني القضاء على الطبقة الوسطى، والدفع بها نحو براثن الفقر!
خطر حقيقي أم مجرد تضخيم؟
الدكتور فيصل القاسم خصص برنامجه «الاتجاه المعاكس» هذا الأسبوع لموضوع «كورونا ولعبة الأرقام» محاولا كعادته أن يكون متوازنا في تناول الموضوع، دون ترجيح كفة طرف على طرف آخر.
حتى في المقدمة التي ساقها خلال بداية الحلقة، طرح تساؤلات تعكس هواجس من يعتبر جائحة «كورونا» خطرا حقيقيا، ومن يعتبرها موضوعا جرى تضخيمه، إذ تساءل: لماذا اختفت كل الأمراض الخطيرة من التداول الإعلامي والصحي وصار سكان العالم يموتون فقط بكورونا؟ هل سينجو أحد من اللقاح الذي سيجتاح العالم ؟ لكن في المقابل، ألم تثبت الموجة الثانية من الجائحة بأنها أكثر انتشارا وخطورة من الأولى؟ أليس العالم أجمع بدوله الصغرى والكبرى متضررا إلى أبعد الحدود من الوباء؟ دلونا على مستفيد واحد كي نصدقكم! فلماذا ما زال البعض يشكك ويتحدث عن لعبة كبرى؟ أليست عودة الحجر والإغلاق التي تفرضها الدول أمرا لا مفر منه؟ أليس الحديث عن «بيزنيس» اللقاحات مجافيا للحقيقة؟
كان لضيفي الحلقة رأيان مختلفان بل ومتعارضان تماما، وتلك فلسفة البرنامج. ففي رأي الدكتور علاء الدين العلي (وهو طبيب وباحث) لا يوجد وباء جرى تضخيمه وتهويله منذ بدء الخليقة وعلى مر التاريخ مثل كورونا.
وقال إنها قمة الديماغوجيا والتضليل بشكل متعمد، وذكر أنه حسب إحصائية أجراها هو نفسه، من بين 50 تقريرا مهوّلا عن كورونا، تجد تقريرا واحدا متوازنا فقط، لكنه محارب. لذلك، يفضل علاء الدين أن يطلق على كورونا «داعش جديد بنكهة فيروسية» لأن البعض ـ في اعتقاده ـ اكتشف أنه بكل بساطة يمكن تحريك العالم وإغلاق الدول وتحريك الشعوب للوجهة التي يريدون من خلال التضخيم فقط.
يقول أيضا: لا ننكر وجود الفيروس أو المرض، لكن يمكن التعامل معه كأي حالة مرضية أخرى. وردا على مسألة التضخيم، استدل بإحصائية لمركز بحث ألماني تفيد بأن 85 في المئة من الذين تظهر نتائج إيجابية لديهم لا يعانون من أي أعراض، أي أنهم لن يتوجهوا الى المستشفيات، بقيت 15 في المئة، ومن بين هذه النسبة يوجد 5 في المئة من المرضى الذين يحملون أعراضا تستدعي دخول المستشفى.
ويرى علاء الدين العلي أن كورونا خلقت نوعا من الوسواس القهري لدى الكثير من الناس، فصاروا يتوجهون إلى عيادات الأطباء النفسيين للعلاج.
أما الدكتور معن أبو حوسة (الطبيب والباحث) فردّ بالقول إن الحديث عن تضخيم يفترض وجود مستفيد من هذا الفيروس، واستعرض ما خسرته الدول التي يدعي البعض أنها تضخم الفيروس، من خسائر اقتصادية تقاس بالملايير. ولاحظ أنه مع الموجة الثانية لا تعرف الحكومات الغربية ما تفعل، فهي تحاول المحافظة على اقتصادياتها دون إغلاق البلاد كما حدث خلال الموجة الأولى، لكن كثرة الإصابات قد يفوق القدرة الاستيعابية للمستشفيات.
وطرح فيصل القاسم سؤالا ذكيا بالقول: البعض يقول إنه من السابق لأوانه معرفة من الرابح من وراء هذه «الهيصة الكورونية» وهو سؤال لا يحتاج إلى جواب جاهز ومستعجل، بقدر ما يحتاج إلى التأمل في مستقبل البشرية في ضوء ما يخطط لها في الخفاء!
منطق «كورونا»
ذهبت الكاميرا لتسجّل تصريحات مع فنانين مشاركين في مهرجان سينمائي في مصر، ومعرفة تأثير «كورونا» على أجواء المهرجان. كان كل شيء طبيعيا، والناس يعيشون فرحهم، والنجوم ـ خاصة النجمات ـ يتنافسن على إظهار مواهبهن في اختيار ملابس السهرة.
إحداهن رفضت الحديث عن «كورونا» والسبب في رأيها: «إذا تحدثنا عن الأشياء القبيحة فستصيبنا حتما». منطق عجيب وتفكير خرافي!
كاتب من المغرب