«الكورونا» وداع بصورة أُخرى!

تمارا محمد
حجم الخط
14

يقول محمود درويش في قصيدة «لا أعرف الشخص الغريب» لم أجد سبباً لأسأل: مَنْ هُو الشخصُ الغريبُ؟ وأين عاش، وكيف مات فإن أسباب الوفاة كثيرةٌ من بينها وجع الحياة.. عزيزي القارئ قبل أن تَهُم في قراءة هذا النص أدعوك بأن لأن تأخذ كلماتي هذه على محمل السوداوية، فلطالما جاءت الحياة حاملة لنا علامات قادرة على ان توقظنا من الداخل لتخبرنا بأنها أقصر من أن تؤخذ على محمل الجد، وقادرة على أن تكسر ما بنته الخصومات المنتشرة بصورها المختلفة حولنا.
وتبعاً لما تقتضيه اللحظات التي نعيشها أجمع، وأخبار العالم المنتشرة عبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وما تبثه النشرات الإخبارية من صور الوداع والفراق المختلفة، التي شاءت أن يربطها سبب واحد، رغم تباعد القارات فيروس (كورونا) جاء النص الآتي.
بين تنقّلك الحثيث لقراءة ومشاهدة ما بات يعيشه العالم لكَ أن تقف أمام الكثير، فهناك استوقفتني صورة الممرضة التي خذلتها قوتها عاجزة أمام كافة القدرات الطبية، التي مُنحت لها وعملت جاهدة على دراستها لمداواة كل من شعر بالمرض طيلة سنوات عملها، تلك «الرحمة» التي تجلّت بأبهى صورها عجزت عن إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وهناك حيث وقف مئات الأشخاص يحاولون عبثاً أن يصلوا لجثث أحبابهم ليلقوا عليهم الوداع الأخير، فلربما حتى الوداع في صوره الأخيرة حال الفيروس بينهم وبين ذاك الحق، حق الوصول لهم، لكي يخبروهم أنّهم بذلوا قصارى جهدهم كي لا يأخذه منهم. أمّا هُناك حينما تنظر بقلبك لكافة المنازل المنتشرة في العالم العربي والغربي، تجد أشخاصاً اجتمعوا على استذكار من رحل عنهم منذ سنوات، فرغم اختلاف أسباب الموت وتعدد صور الفراق، إلاّ أن ألم الوداع كان ذاك الرابط المشترك بينهم جميعاً، باختلاف الجنسيات والأديان والألوان، فذاك الذي فقد طفله أو عائلته في الحرب، أو من ألقى السلام على صديقه صباحاً، ولم يكن يعلم أنه في نهاية اليوم سيخطفه الموت منه، ولن يعود قادراً على مصافحته مجدداً، أو من قُدر له أن يرحل بصمت وسلام بدون مقدمات والكثير الكثير مما يمكن الإسهاب في وصفه من قصص كان بطلها واحد (الموت).
ولأن الكتابة لربما تكون أقوى الوسائل القادرة على بث الإنسانية في حروفها وكلماتها المنتشرة هنا وهناك، لحياكة ما يمكن حياكته، متجاوزة لربما في أحيان كثيرة قواعد اللغة ورصانتها، متسلحة بالصدق الصدق فقط الذي يسكن حروفها، والذي بإمكانه أن يمنح الراحلون شكراً وعرفاناً واستذكاراً، وثّقته نصوصهم بإحساسهم كي يقولوا لمن رحل عنهم (تلك كلماتي وذاك رهاني على أن الأيام لن تنتزع وجودكم مِنّي مهما مرّت السنين).
لخالي الذي ودعنّا منذ سنوات، وفي ذكرى وفاته التي شاء القدر أن يكون شهر (مارس/ آذار) هو الشهر ذاته الذي رحل فيه الكثيرون جراء (كورونا) ايضاً، إسمحوا لي أن أُخبئ بين سطور نصي هذا حروفي التي اجتمعت لتقول له (أينما كانت الكلمة كُنت أنت).. ولجميع البشرية التي تسكن الأرض تلك التي فارقت أيضاً الكثير من أحبابها، أترك كلماتي هذه كي تمنحهم الفسحة القادرة على استذكارهم والترحم عليهم، بعد إغلاقهم جهاز الحاسوب أو الهاتف أو الصحيفة، أيّا كانت الوسيلة عند الانتهاء من قراءة النص. ولنا نحن الذين لم تُدركهم الفرصة بعد، ولم يزل الله يمنحهم قدرة العيش، وما زالت الحياة تهبهم اللحظات القادرة على كسر الكثير والكثير من حواجز الصمت، العتب، لنكون قادرين على التمسُّك بها، بدون تفريط كي نقول لمن أحببناهم إن (القلوب تنتصر غالباً رغم كل شيء) ورغم ( كورونا) التي جاءت لربما لتوقظ ما فشلت السنين على إيقاظه.

الاردن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية