الكوسميتولوجيا… أو فتنة الجسد المثالي

قد لا نجانب الصواب إذا قلنا إن أقرب وصف ينطبق على العصر الحالي، هو أنه عصر أسطورة نرجس، لأن النرجسية صارت بنية عضوية في الشخصية المعاصرة. وقد دُفع بها إلى أقصى مداها، فباتت علامة دالة على تحول أنثروبولوجي يقع تحت أنظارنا، وفي زمننا في كامل راديكاليته، من ملامحه: تحرر الذات من سطوة المُثل العليا الجماعية، ومن التشدد التربوي والأسري والجنسي، وتَحَوُّلِها إلى كيان مائع ورخو، بعدما نذر النرجسي نفسه وأوقَفَ حياته على تحقيق أقصى قدر من المتعية على المستوى الاقتصادي والنفسي، حتى أمسى التحقق الذاتي أهم غاية له في الحياة. وقد ساهم الإغراء والغواية في تعزيز هذا التحقق وضبط حياة الأفراد، بحسب إيقاع كل واحد منهم، ولاغرو في ذلك، طالما أنهما الصورة الأوضح والأنصع لعملية الشخصنة التي تحد من الأطر المتصلبة والإكراهية، وتعمل بسلاسة عبر لَعب ورقة الشخص الفردي، ورفاهيته وحريته ومصلحته الخاصة. وبعدما تمكَّنا ـ أي الإغراء والغواية – من تحقيق الأهداف المسطرة لهما في الاقتصاد والتعليم والسياسة، استطاعا كذلك عبر التنويع اللِّبيدي وكوكبة «الإعلانات الصغيرة» المتلاحقة، من إلحاق الجنس والجسد وفقا للضرورة نفسها المتمثلة في شخصنة الفرد، وبذل صُنّاعهما ما في وسعهم لطمس وإخفاء كل ما يحمل دلالة على الدونية، أو التشوه أو السلبية. فكان أن أُعلي من شأن الجسد، حتى صار ديدن معظم الناس، وهاجسهم الأول، وأمسى تجميله وتشبيبه وُكدهم.
وكعادتها كانت الشركات ومعها الميديا على اختلاف أنواعها في الموعد، يحدوها رهان تحرير الجسد، في أفق جعله مَوْرِدا يضخ ذهبا، فتفننت الإعلانات في الصحف والمجلات وعلى شاشات التلفزيون، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي في الاحتفال والاحتفاء بالجسد المثير وإظهار مفاتنه، سيان في ذلك أكان جسد امرأة أم جسد رجل. ولِمَ التمييز وهذا الأخير قد مسَّه ما مسَّ المرأة من فتنة الجسد، فازداد اهتماما بصيحات الموضة، وإغراءات الإثارة المظهرية، يسكنه همٌّ واحد ويتحكم فيه: «أن يكون الأفضل»، وهي أفضلية وَحْدَهُ الجسد، وتوابعه من مستلزمات المظهر، من يحدد درجتها.


ولأن الأمر أخذ هذا المنحى، فقد وجد الرجل نفسه كما هي حال المرأة، مشدودا إلى مورفولوجيا من نوع خاص، مورفولوجيا يتم التسويق لها إعلاميا وعبر الإعلانات المبثوثة في كل موضع، تتحدى الطبيعة وتعاند تقلبات الجسد الواقعي، في محاولة لتجسيد سيطرة الإنسان وإحكام القبضة على ما يفترض أنه مِلكه، أي جسده، والظهور بمظهر أنيق ومثير يستحسنه الآخرون ويوافق اعتقادا مُجْمَعًا حوله، بدون فحص مضمونه، إن مظهر الفرد الخارجي يعكس حقيقة باطنه وما يحمله في داخله، ما أبقاه معلقا بين الخارج ـ مرآة الداخل- وما هو عليه فعلا وحقيقة. وقد جعل هذا الوضعُ الفردَ يعيش حالة من التشظي تجلت ملامحها، من جهة، في كونه لا يقوى بشكل دائم على الظهور بمظهر جسدي مثالي شبيه بما يتم تسويقه عبر الميديا بفعل صروف الدهر وعوامل الزمن، ثم في كونه، من جهة ثانية، غير قادر على تجاهل هذا الأمر وطيِّه نهائيا، مادام طيف الجسد المثالي يسكنه شاء ذلك أم أبى، ومادام طبع الإنسان، إلا في ما ندر، أن يساير الآخرين حتى يشعر بالرضى ويناله من حبهم نصيب.
ها هنا تتولد إحدى المفارقات العجيبة؛ فالإنسان في سعيه الحثيث نحو تحرير الجسد من ربقة التابوهات، التي تحكمت فيه واستعبدته لزمن ليس قصيرا، وجد نفسه يسقط في أيديولوجيا غير مألوفة يمكن وسمُها بأنها أيديولوجيا جسد تحول إلى سيد يأمر فيطاع، وكيان اختزل جماع شخصية الإنسان فيه وحده، بل أصبح يمثل السقف الوجودي للإنسان، ويقينه الوحيد الذي لا يقين بعده؛ إذ عبره ومن خلاله يتواصل مع الآخرين، ويستطيع أن يتعرف على ما يختلج في صدورهم، وُيقَيِّم شخصياتهم، باختصار صار الجسد هو الطريق الملكي لاستكناه ذوات الآخرين. ولا عجب أن يطال هذا الوضع الإنسان أينما استقر به المقام، فعصر السماوات المفتوحة لم يَدَعْ فردا في حاله، بل سهَّل الوضع على الشركات والاقتصادات العالمية في تمرير رسائلها وممارسة استبدادها، الذي لم يعد يعمل وفق الثنائية التقليدية القائمة على الزوج منع/جواز، بل وفق ثنائية جديدة قائمة على الزوج تحريض/تثبيط، الذي غايته خلق أفراد كل همِّهم العناية بأجسادهم والافتتان بها حد الهوس، في اختزال سافر وسافل لقيمة المرء في الجسد، مِن صُوَرِه الغندور (le dandy) ذلك الشخص المتأنق، الذي يحيا وينام أمام المرآة على حد تعبير شارل بودلير. فكان أن ازداد عدد صالونات التجميل، ودُور الرشاقة وأماكن الحلاقة، بل بلغ الأمر بفتنة الجسد واستبداد المظهر الخارجي أن استُحدث تخصص جديد في العقود الأخيرة يحمل اسم علم التجميل (la cosmétologie) مهمته أن يصارع عدّاد الزمن من أجل إطالة عمر الشباب أكثر مما تخوله الطبيعة، وقد تمكن من ذلك إلى حد كبير وبات بإمكاننا معاينة مشاهير وأشخاص ميسورين وغيرهم، في أعمار متقدمة لكن بمظاهر شبابية توحي باستسلام دورة الزمن لِحِيَل العلم الجديد. فهذا العلم الذي وُلد من رحم الكيمياء في الأصل، ثم انتقل سريعا إلى العناية بشيخوخة الجلد في أفق إعادة تشبيبه وتجميله، يؤكد ما قلناه أعلاه من توق نحو الجمال، الجسدي على وجه التحديد، ومقت ونفور كبيرين من أعدائه، لاسيما الشيخوخة، التي يستنجد المرء بكل ما من شأنه طمسها وإخفاء معالمها.

أن الجمال الخارجي، جمال الجسد على وجه التحديد، بات شيئا فشيئا يسجل تقدما في سلم التفاضل بين الناس وعلى جميع الأصعدة، تفاضلٌ تساهم فيه الإعلانات المبثوثة في كل مكان، المُرَوِّجة لجسد مثالي جعلت منه مستقرا لكل العلامات الإيجابية التي تتوق إليها نفس الإنسان.

ولا غرو، والحالة هذه، من أن تتمكن الكوسميتولوجيا، اعتمادا على وسائلها في تسويق نفسها، من تمرير فكرة لقيت قبولا لدى شرائح كبيرة من الناس مؤداها أن الزّينة (la toilette) والعناية بالجسد والهندام والاهتمام بالعطور، كلها عوامل تسهم بشكل فعال في علاج عِلَلٍ كثيرة على رأسها الاكتئاب الناتج عن فقدان القدرة على جلب الاهتمام، وترفع من ثقة الفرد في ذاته (تطلب المرأة من الكوافير أن يصفف لها شعرها ولسان حالها يقول: صفف لي معنوياتي)، وتمكنه من التصالح مع جسده، ومن استعادة كبرياء افتقده لأمد طويل، فضلا عن الحظوة والتقدير اللذين يلقاهما أولئك الذين يمتلكون من الجمال – طبيعيا أو صناعيا – نصيبا مقبولا، سواء في الحياة العامة، أو داخل حجرات الدراسة أو داخل سوق الشغل؛ فقد أثبت العديد من الأبحاث، كتلك التي أجرتها كلية الدراسات الاجتماعية في جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية، أن طالبات المدارس الثانوية الجميلات يحصلن على نتائج أحسن من غيرهن، كما يحصلن بيسر على وظائف بعد التخرج، وهي الخلاصة ذاتها التي أقرتها الباحثة الفرنسية صوفي شوفال صاحبة كتاب «جميلة بشكل آخر» (Belle autrement) حيث ذهبت إلى اعتبار الجمال، أداة تمييز بامتياز تقيم تباينا صارخا بين الأفراد، يلازمهم منذ الصبا وتحديدا منذ مراحل الدراسة الدنيا، وحتى مرحلة الدراسات العليا، إذ غالبا ما كان يقف في صف من يتمتعون بنصيب منه على حساب غيرهم، ممن خالفوا الموعد معه. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه نحو اتخاذ الجمال الخارجي معيارا في بعض الوظائف، وقد وصل الأمر بإحدى المحلات التجارية المتخصصة في بيع الملابس المتواجدة في شارع الإليزيه في فرنسا، علاوة على اشتراط جمال الجسد عند التوظيف، حد تضمين إعلاناتهم شرطا غريبا، تمثل في حصر نوعية زبائنهم في أولئك الذين لا يتجاوز مقاس قوامهم 38 (بالمقياس الأوروبي) وهو تمييز سافر، يقصي عن قصد وبنية مبيتة كل من يتوفر على جسد يخالف الجسد المثالي الذي تتضمنه وصلات الإشهار.
كل ما سبق يكشف لنا عن حقيقة صادمة وخطيرة في الوقت نفسه، مفادها أن الجمال الخارجي، جمال الجسد على وجه التحديد، بات شيئا فشيئا يسجل تقدما في سلم التفاضل بين الناس وعلى جميع الأصعدة، تفاضلٌ تساهم فيه الإعلانات المبثوثة في كل مكان، المُرَوِّجة لجسد مثالي جعلت منه مستقرا لكل العلامات الإيجابية التي تتوق إليها نفس الإنسان: الصلابة والقوام المنحوت بالنسبة للذكر، والأناقة والإغراء بالنسبة للأنثى، كما اعتبرته جالبا للسعادة أو بالأحرى لوهم سعادة تنطلي على الأفراد وينتفع بعائداتها المروجون لها من أولئك الذين جعلوا من الجسد حاملا اقتصاديا لا يستطيعون تَمَثُّله إلا عبر تشييئه وسلعنته. وهذا أمر خطير، والأخطر منه أن يفرز هذا الوضع، كما ذكرنا آنفا، معيارا جديدا في المفاضلة بين الناس في مختلف مناحي الحياة يقوم على المظهر الخارجي ويُسقط الكفاءة، ما يشي بعنصرية قاتلة صامتة، يراد لها، عبر آليات تنميطية متسارعة ومكثفة، أن تستوطن العقول وتتمكن من النفوس، لاسيما وأن الثقافة المضادة قد أصابها الإعياء واعتراها الإجهاد بعدما تم احتواء الطليعة التي تُقَدِّر الدلالات وتحرس القيم.

٭ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية